صنع الله إبراهيم.. المثقف الملتزم والروائى الجامح

رحل عن عالمنا مؤخرا الروائى الكبير صنع الله إبراهيم عن عمر 88 عاماً، بعد إصابته بالتهاب رئوى، وكان الراحل واحدا من أهم الأدباء المصريين والعرب،

فقد امتدت تجربته الروائية لأكثر من خمسة عقود، ومشروعه يمتاز بمحورين مهمين هما التجريب من جهة. والالتزام السياسي الواضح من جهة أخرى، وتمتاز رواياته ببعدها التوثيقى المراحل مفصلية في التاريخ المصرى المعاصر، وتضمنت كثيرا من رواياته قصاصات صحفية وإعلانات تأخذ القارئ إلى يوميات الحقبة التاريخية التي تجرى فيها أحداث الرواية.. في هذا الملف نقدم شهادات من نقاد وأكاديميين وروائيين عن منجز الروائى الكبير الراحل الذي كرس حياته كلها لخدمة الأدب وتقديم قضايا المجتمع المصرى والعربي في أعماله الروائية.

حسين حمودة: قدم تجربة متميزة فى «أدب السجون»

الناقد الكبير الدكتور حسين حمودة يقول : أتصور أن صنع الله ابراهيم خلال أكثر من عمل له، قدم تجربة متميزة في الدائرة التي توصف بأنها "أدب السجون"... هناك كتابات متنوعة لعدد من الروائيين تناولوا تجربة السجن، منهم عبد الرحمن منيف في شرق المتوسط"، وعبد الحكيم قاسم في قدر الغرف المقبضة" ومحمد البساطي في "محابيس"، بل حتى منهم نجيب محفوظ في جزء من روايته "رحلة ابن فطومة"، وجزء آخر في روايته "الكرنك"، ومحمد جبريل في روايته "أسوار". ويضيف لكن تجربة صنع الله إبراهيم تميزت بأنها نقلت تجربة وعالم السجن إلى مستويات أكثر تعقيدا، وربما أكثر امتدادا، فيما ينتمى إلى خارج أسوار السجن، فمنذ روايته المبكرة "تلك الرائحة"، نجد عالم السجن وقد امتد إلى مدينة القاهرة كلها، ونجد تمثيلات متنوعة لانتقال زمن السجن إلى أماكن وأزمنة أخرى، ومن ثم، خلال هذه الرواية، جسد كيف يمكن أن تنتقل وطأة السجن إلى دوائر غير محدودة واستكشاف جوهر تجربة السجن من خلال التعبير عن القهر والقهر هو تعبير عن جوهر تجربة السجن، وتجسد ذلك في عدة أعمال أخرى.

ويكمل حمودة عالم صنع الله إبراهيم مميز جيدا، لم يكتب أبداً عن أي عالم لم يعشه ولم يعرفه، ولم يتقص أبعاده ويستكشفها، ويوثقها. في كل ما كتب كان هناك حضور الشخصية، تكاد تكون موازية روائيا لشخصية صنع الله إبراهيم نفسها، ومثل هذا المنحى ما يسمى الرواية السير ذاتية، ومن ثم اغترف الكثير من سيرته في أعماله الروائية، وسواء تكلم عن بعض التجارب التي عاشها في مصر، سواء في السد العالي أو في السجون، أو تجارب عايشها خارج مصر، في بيروت أو موسكو وألمانيا، فقد ظل هذا الخيط الذي يربط بين صنع الله الكاتب وصنع الله الإنسان، ولعل هذا البعد في تجربته، قدم له شيئا ثمينا، فقد ظل صادقا، وأمينا وواقعيا في كل ما كتب حتى لو انتقل هذا المستوى الواقعي لمستويات أخرى، مجازية أو كابوسية كما هو الحال في روايته "اللجنة  ويختتم حمودة حديثه قائلا: صنع الله إبراهيم منذ كتاباته المبكرة، التي تمثلت في شكل خاص في روايته "تلك الرائحة"، اختار أن يكتب بلغة خاصة مميزة، تبدو أنها لغة محايدة وباردة، وموضوعية، ولكنها، تحت هذا الغطاء الظاهري، تخفى أغوارا عميقة، لا تخلو من إحساس الأسى الشفيف، فهى لغة تراقب العالم، وتراقب ذاتها، في الوقت ذاته.

حماد عليوة: صاحب المواقف النبيلة

قال الروائى حماد عليوة كانت بداية قراءتي للأستاذ صنع الله إبراهيم هي رواية "اللجنة"، ثم قرأت له بعد ذلك رواية الجليد"، وهي رواية مختلفة عن باقي أعماله، وقد كتبها أثناء رحلته للاتحاد السوفييتي، وهذه الرواية تحديدا فتحت نقاشات مطولة بينى وبينه كان محورها سؤال: هل يستطيع الكاتب أن يكتب عن بلاد لم يزرها من قبل؟ لأنه في هذا الوقت كانت هناك روايات منتشرة تدور موضوعاتها في بلاد أوروبية، وكنت أعلم عن يقين أن كتابها لم يخرجوا إلى الفيوم حتى، وكان الموضوع قد استفزني فسألته، وكانت كلماته عبارة عن دروس عظيمة، إذ قال إن لكل رواية تراب لا بد أن يشتمه الكاتب حتى يستطيع التعبير عن موضوعها، ولا يمكن أن يكتب أحد عن بلد لم يزره وتخرج الرواية صادقة.. "ده استسهال واستهبال".

ويضيف: كان من عادة الأستاذ أن يتحدث عن عدة موضوعات مختلفة؛ فأتذكر أثناء حديثنا في هذا الموضوع أنه ذكر أن الكاتب الأمريكي إرنست همنجوای کان يكتب الرواية، وما إن ينتهى منها حتى يقرر أن يحذف ربعها لتكون بمثابة عملية تحرير يقوم بها لنفسه.

ويكمل: كان الأستاذ رحمة الله عليه يحب الحديث عن الكتابة ولا يبخل أبدا في طرحخبراته الطويلة، وقبل ذلك عندما تواصلت معه لأول مرة تليفونيا؛ إذ كان يتواصل من خلال التليفون الأرضى.. قلت له لدى رواية وأحب أن أرسلها لك حتى تقرأها؛ هل تقبل أن أرسلها لك؟

- أنت ساكن فين؟

- المعادي.

- المكان بعيد عليك.. أقولك أرسل الرواية لدار الثقافة اللي في شارع صبرى أبو علم... وهما هيوصلوها لي.

وبالفعل ذهبت للدار وسلمت لهم الرواية وبعد أسبوع كلمته وجاء صوته ممزوجا بضحكة جميلة.. وكان يضحك لجزء في الرواية ذكره بشخص يعرفه، ثم تكلم عن ذكريات له مع هذا الشخص وهنا أحسست کم هذا العملاق بسيط وسهل، تكلم معى وكأنه يعرفني منذ سنوات.. وقبل أن يغلق الخط قال كلمني الأسبوع الجاي

واتصلت به في الموعد ولم يكن هناك وسيط يوصلني به؛ فما إن اتصل به حتى يرد علي مباشرة.. وكما ذكرت كان يحب الكلام عن الكتابة؛ لذا كنت أطمع في كل مرة أتحدث إليه فيها؛ فسألته في إحدى المرات عما يطلق عليه الأسلوب التقريري

فقال ببساطة إن الرواية لا يجب أن تكون مسلية بل يجب أن تكون صادمة مزلزلة والأسلوب التقريري يضع القارئ في قلب الحقيقة، وهذه تقنية مقصودة واستخدمها كتاب كثيرون.

ويواصل عليوة الجميل في الأستاذ هو قدرته على أن يجعلك تأخذ راحتك معه في الكلام؛ إذ ينقل لك بساطته فيجبرك على التحدث معه بانسيابية، وأتذكر أنه سألني عن سعر الرواية فقلت له السعر فقال كتير.. الكتب هي الحاجة الوحيدة إللى المفروض تكون بالمجان، فقلت له الحكمة القديمة بأن الحياة لها تكاليفها... تذكرت هذا الكلام عندما وجدت أنه ذكره في مقدمة رواياته على موقع هنداوى وأنه أيضا كان يتمنى أن يكون "الباص" بالمجان.. كم أنت جميل يا عم صنع الله.

ويقول عليوة عندما صدرت له رواية ۱۹۷۰ اتصلت به وهنأته على صدور الرواية وقلت له إنني أقرأها الآن؛ فقال بصوت لا يمكن أن أنساه أبدا فيه سعادة غامرة وكأنه في بداية طريقه: "منتظر رأيك.. ضروري.. في هذه اللحظة ارتبكت جدا؛ فكيف لهذا الكاتب الكبير أن ينتظر رأى أحد في عمل له.. هذا هو الأستاذ صنع الله المتواضع الطيب والشجاع صاحب المواقف النبيلة. وبمناسبة مواقفه أو بالأحرى الموقف الخاص بالجائزة ذات مرة حاولت أن أكلمه في هذا الأمر إلا أنه لم يهتم وكأنه لا يحب أن يتذكر مواقف خاصة يكون فيها البطل المتفرد.. وكان يفضل أن يتكلم عن ذكريات أخرى.. خاصة عن الأدب. رحمة الله عليك يا عم صنع الله.

شريف الجيار: مثقف عضوى رأى فى الأدب وسيلة للمقاومة

الناقد الدكتور شريف الجيار يقول: صنع الله إبراهيم أحد أبرز أيقونات الخطاب السردي العربي المعاصر؛ فقد صاغ مشروعًا إبداعيًا متميزا، يتسم بالتجريب والمغامرة، والتمرد على الأنماط السردية المألوفة، وطرح نضا يساريًا، يهدف إلى التوثيق السياسي والاجتماعي ويتعلق بحدود العلاقة بين الإبداع والأيديولوجيا، إيمانا من الكاتب بأن يكون "ضميرًا ثقافيا"، يرفض التهميش والاستلاب من خلال بنية سردية، دائما ما تثير الجدل والنقاش مفتوحة على التأويل والنقد، قائمة على التوتر بين الرؤية الأيديولوجية، والسؤال الجمالي فنحن حيال مبدع يمتلك تجريبا ووعيا عميقا بشكل الكتابة الروائية، معلنا رفضه للمقولات الجاهزة، ومؤمنا بأن الشكل لا يقل أهمية عن المضمون، في حمل الرسالة النقدية، فهو لا يطرح أدب موقف فحسب بل يقدم هندسة سردية، تحول آليات السيطرة من ملف وتقرير ونشرة وإحصاء) إلى شعرية متخيلة، وجماليات تنتج معرفة مضادة، بهدف ترسيخ مسار معاصر في البناء الروائي، يتجسد في الواقعية التفكيكية الناقدة، التي تحاكم التاريخ بخطاباته، لا بأحداثه وحدها.

ويضيف: منذ بروز "صنع الله إبراهيم" في المشهد الأدبي المصري في الستينات شكل حالة فريدة في الكتابة الروائية العربية، فلم يكن مجرد كاتب، يعبر عن رؤى شخصية، أو هواجس فنية، بل قدم نموذجا للمثقف العضوي، الذي يرى في الأدب وسيلة للمقاومة، ووسيطا لكشف تناقضات المجتمع والسلطة على حد سواء، وقد ارتبط اسمه بما يمكن تسميته بالسردية الناقدة وهي مقاربة أدبية لا تكتفى برصد الظواهر الاجتماعية، كما تفعل الواقعية التقليدية، بل تسعى إلى تفكيكها، وتحليل أبعادها البنيوية، فهو يطرح مشروعا تتقاطع فيه الشعرية السردية مع السياق السياسي والاجتماعي، ويقدم نصوصًا تجسد مرايا متعددة الأوجه تعيد طرح أسئلة المثقف عن الحرية والتاريخ، والهوية، ومن ثم فإن السرد لدى "صنع الله" ليس مجرد "حكاية"، بل خطاب سیاسی اجتماعي، يملك قدرة على التشكيك، وكشف التناقضات، وطرحالأسئلة المؤجلة.

ويكمل الجيار من أبرز سمات مشروعه الروائی، تمرکزه حول سؤال المثقف الملتزم بقضايا مجتمعه، فهو لا يقدم المثقف بوصفه بطلا مثاليا، بل ككائن هش مأزوم، محاصر بين الرغبة في التغيير، والخوف من الانكسار، وهذا التوتر يظهر بوضوح في روايات مثل "اللجنة"، و "ذات"، و"شرف"، و"التلصص":

حيث يتخذ السرد طابعًا تأمليا، يغوص في الذات الفردية، لكنه لا ينفصل عن قضايا المجتمع حيث يوظف الكاتب الوثائق والتقارير الصحفية، والنصوص الرسمية، ضمن نسيج السرد، ليعيد إنتاج التاريخ المعاصر من وجهة نظر ناقدة ففي "اللجنة"، يعزى البيروقراطية، من خلال سرد غرائبي رمزي يعتمد أسلوبا بوليفونيا غامضا، يخلو من أسماء الشخصيات، ويعتمد على الحوار الذهني بما يجعل الرواية أشبه بـ "محنة وجودية"، يعيشها القارئ، وتعكس السلطة بوصفها منظومة غامضة، فيما تتقاطع في "ذات" اليوميات الشخصية للبطلة مع يوميات الأمة؛ حيث تمزج أخبار الصحف اليومية بسرد الحياة الشخصية، في تقنية تؤكد اندماج الخاص في العام والفردي في الجمعي.

ويختتم الجيار قائلا: هذه الرؤية تتكامل مع سيرته الذاتية، خاصة في رواية "يوميات الواحات"، التي كتبها عن فترة سجنه في الستينيات، حيث يتجلى التوتر الدائم بين قناعة المثقف ومسؤولية الكتابة، فهو بذلك يسهم بمتخيل سردى يؤصل للرواية التوثيقية العربية، التي تبلور نقدًا بناءً للإعلام بإعادة تدويره للأخبار، لا يوصفها مرجعا بل مادة فنية، فضلا عن قدرته على توسيع أفق الشخصية الروائية، لتشمل الذوات الهامشية واليومية، بوصفها عدسة للتاريخ.

محمد سليم شوشة: كتب إبداعه الروائى بمنطق البحث العلمى

الروائي والناقد الدكتور محمد سليم شوشة، يقول: كان صنع الله إبراهيم صوتا روائيا متميزا بعدد من السمات والميزات، أهمها أنه كان دووبا مؤمنا بقدرات الفن الروائي خصوصا، والأدب بشكل عام على التعبير عن الإنسان بصورة أفضل، وأن يكون السرد مجالا للتأمل والتفكير، والتناول الجاد للأسئلة والقضايا الملحة والضاغطة، سواء محلية أو عالمية، أو ذات طابع إنساني عام فقد جمع في تصوراته للفن الروائي بين القيمة الجمالية والقيمة الفكرية، وهذا ما انعكس على إنتاجه الروائي الممتد لعقود، شهد فيها تحولات عديدة، وكان إبداعه الروائي ساحة لاستكشاف هذه التحولات، وتأمل المصائر والمآلات الإنسانية للبشر في مجتمعه.

ويضيف: كان يمارس إبداعه الروائي بمنطق البحث العلمي، أي أنه كان يبذل جهدا كبيرا في الإعداد لأعماله، بأن يجمع لها مادة علمية وفيرة من مصادر متخصصة، وكان يطلع على بعضها في اللغات الأخرى، ثم يتحول بعد مرحلة الإعداد إلى مرحلة الصياغة الجمالية وتشكيل البناء السردى، بنوع من التحرر الفنى، ليكون العقل اللاواعي هو الماسك بزمام العملية الإبداعية، وقد دار بيننا حوار حول هذه الفنيات وتفاصيل الممارسة الإبداعية الخاصة به، ولذلك سنجد أن رواياته، خاصة المتأخرة أكثر ثراء، من حيث الحمولات المعرفية والمعلومات التي أجاد دمجها في تفاصيل عالمه الروائى، وتحقق هذا مثلا في رواية "وردة" وفي "بيروت بيروت" وفى رواية "أمريكانلي".

ويختتم شوشة قائلا: صنع الله إبراهيم واحد من أهم الروائيين العرب الذين ثبتوا على إيمانهم بأهمية الإبداع الروائى، وقدراته الفكرية والعلمية، بمثل ما له من القدرات الجمالية، وتناول في إبداعه أهم القضايا العربية الملحة، مثل الحرب الطائفية والأهلية في لبنان وكذلك قضايا تخص الجوانب العلمية والتطور الفكرى للمجتمع، وغيرها الكثير من القضايا والأسئلة. وكان يتميز كذلك بالقدرة على بناء تشكيلات درامية غير تقليدية، ويتجاوب مع التغيرات السياقية لحالات التلقى للإنسان العربي المتفاعل مع الخطاب الروائي.

محمد رفيع: ظل وفيًا لمفهوم المثقف الملتزم

قال الروائي محمد رفيع صنع الله إبراهيم واحد من أبرز الروائيين المصريين والعرب في النصف الثاني من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، ليس فقط بما قدمه من إبداع أدبى متميز، بل أيضا بمواقفه السياسية والفكرية التي حافظت على اتساقها مع مبادئه طوال مسيرته، ويمتاز أدب صنع الله إبراهيم بقدرته على المزج بين الوثيقة والخيال بين السرد الفنى والبعد التسجيلي، ليخلق نصوصًا قادرة على التقاط نبض اللحظة التاريخية وكشف تناقضات الواقع السياسي والاجتماعي رواياته مثل "اللجنة" و "ذات" و "شرف" ليست مجرد حکایات، بل نصوص تفضحآليات القمع والفساد، وتفتح المجال أمام القارئ للتساؤل والنقد.. لغته تميل إلى الاقتصاد الشديد، لكنها محملة بالدلالة كما يوظف تقنيات الكولاج والمونتاج الأدبى، مستفيدا من تقاليد الرواية الحديثة ومن عناصر الصحافة والسينما الوثائقية.

ويضيف رفيع موقفه من الأدب ليس معزولا عن مواقفه من القضايا العامة إذ ظل طوال حياته منحازا للفقراء والمهمشين، ومعارضا لأى شكل من أشكال الاستبداد أو التبعية. هذه النزعة المبدئية ظهرت جلية في لحظات فارقة كان أبرزها في عام ۲۰۰۳، حين رفض تسلم جائزة الرواية العربية، كان سبب الرفض موقفا سياسيا صريحًا، وجاءت لحظة الرفض في أوج الغزو الأمريكي للعراق، ما منحها رمزية إضافية باعتبارها احتجاجا على السياسات الرسمية العربية في ذلك الوقت.

ويكمل هذا الموقف لم يكن مجرد استعراض إعلامي، بل امتداد لخط متصل في حياته، إذ سبق له أن دفع ثمن مواقفه الشخصية من حريته، وأن اختار العيش فترات طويلة خارج مصر أو على هامش الوسط الأدبي الرسمي، بعيدًا عن الجوائز والمؤسسات التي لا تتوافق مع قناعاته. وربما كانت هذه النزاهة الأخلاقية والفكرية من أهم أسباب احترامه في الأوساط الثقافية، حتى بين من يختلفون معه فكريا.

ويختتم رفيع كتب صنع الله إبراهيم رواية التحقيقات، مثل "أمريكانلي" و "وردة"، وفيها يعيد تفكيك لحظات سياسية حساسة من تاريخ العالم العربي والعالم، من منظور يربط بين العام والخاص في كل أعماله، يظهر وعيه الحاد بالتاريخ كعامل حاسم في تشكيل الحاضر، وإيمانه بأن الأدب لا ينفصل عن السياسة، وأن دور الكاتب يتجاوز الترفيه إلى المشاركة في تشكيل الوعى الجمعي.

إن قيمة الراحل تكمن في أنه ظل وفيا المفهوم المثقف الملتزم، الذي يرى الكتابة ساحة للنضال بالوعى والكلمة، لا وسيلة للمجاملات أو التسويق الشخصي أدبه ومواقفه معًا يقدمان نموذجا نادرًا في زمن اختلطت فيه الحدود بين المبدأ والمصلحة، وبين الإبداع والمشهدية الزائفة. رفضه لجائزة الرواية لم يكن موقفا ضد الجائزة نفسها بقدر ما كان إعلانا عن أن الكرامة الفكرية أهم من أي تكريم، وأن الكاتب الحقيقي هو الذي يحافظ على مسافة نقدية من السلطة أيا كانت بهذا المعنى، فإن إرثه لا يتمثل فقط فى كتبه التي ستظل شاهدة على مرحلة حافلة بالتحولات، بل أيضا في مثاله الحي على أن الكلمة يمكن أن تكون صادقة ومؤثرة حين تخرج من ضمير يقظ، مؤمن بقدرة الأدب على المقاومة والتغيير.

حنان سليمان: لم يكتب لإرضاء سلطة.. ولم يجامل ذوق السوق

الروائية حنان سليمان، تقول: لست ممن قرأ لهم الأستاذ، أو حصلوا على دعمه في كتاباتهم، ومع ذلك كان بيننا تواصل من نوع آخر قبل أن ألتقيه لأول مرة منذ ثلاث سنوات في ۲۰۱۸، حين كنت أكتب روايتي الأولى "الراعي"، ومعارفي الشخصية في الجماعة الأدبية لا تتعدى أصابع اليد الواحدة وجدت ملاذي في برنامج تليفزیونی جميل، قدمه الكاتب عمر طاهر عن الكتابة وأهلها. جاء البرنامج رفيقا طيبا لرحلتي الفردية، كان الأستاذ صنع الله إبراهيم ضيف الحلقة الأولى من وصفوا لى الصبر". وباعتبار هذا أول لقاء أشاهده له، لفتتنى بساطته، كما لفتني جنونه وصدقه في نفس الوقت.

ضحكت لما سمعته يذكر كيف يفتعل خلافات وقتية مع زوجته وابنته، حتى تتركانه وحده فيستطيع الكتابة دون إزعاج أو طلبات. وقتها كنت أفعل الشيء نفسه مع أهلى، بل أحرص على دفعهم إلى أي مكان خارج المنزل، حتى أستقر في هدوء وأكتب.

وتضيف: بنهاية ۲۰۲۲، قابلته في لقاء مفتوح له في رحاب دار نشر بالمعادي أحسب أنه كان الأخير. رأيته في مناسبات لاحقة ضمن الحضور أو المكرمين، لكن ربما كان هذا لقاءه الأخير مع قرائه جمع غفير احتشد للندوة، ثم بعدها للتصوير، وأخذ التوقيع، وانتظرته أنا حتى انفض الناس لأحييه كان هزيلا وقد تقدم به العمر. شيء في نفسى قال: لا تطيلى عليه اكتفيت بابتسامة طويلة نحوه رافقته وهو يسير إلينا، بعكاز، محاطا بمن يساعده، بينما خصنى هو بنظرة طويلة بعينيه المتسعتين، ثم مد يده للسلام حين وصل.

وتكمل الكلمة ليست ترفا بل موقف وشرف. هكذا يؤمن الإنسان صنع الله. لم ينا بقلمه عن قضايا وقته بل انغمس فيها. لم يكتب لإرضاء سلطة ولم يجامل ذوق السوق وما يطلبه القراء، ولم يهادن في الحق بل عاش ومات صوت ضميره. واجه السلطة وعزى القمع، سألها في زمن الخوف ولم يتراجع بل دفع الثمن راضيا دون ندم کتب معترضا بكل بهاء، وتحمل عواقب "لا" وخسائرها وإن غرد منفردًا، وإن واجه الهجوم أو الإقصاء ولم يحن قلمه. "لا" التي اعتبرها كامو تمردا نحو الحرية ورآها غوركي أساس الخليقة. جمع صنع الله بين عالمی الصحافة والأدب. اتخذ من الكتابة سلاحًا للمقاومة من الرواية إلى السيرة الذاتية إلى أدب الرحلات.

و تختتم حنان تبقى كتاباته ورائعته "اللجنة" لتذكرنا أن الحرية تبدأ من الكلمة، وأن القلم يهابه الفاسدون لعل بموت هذا الضمير الصادق المخلص للوطن والإنسان، والذي يفرض احترامه على خصومه الشرفاء فليكن أثره كأثر الفراشة، لنقول هذا صنع الله الذي لا يخون نفسه، أو يبيع ضميره الصالح سلطة أو أضواء.

خليل الجيزاوى: كواليس رفض جائزة ملتقى القاهرة للرواية عام 2003

يقول الروائي خليل الجيزاوى صنع الله إبراهيم لا أحد يختلف على قيمته الأدبية أو على مشروعه الروائي الذي زاوج من خلاله بين السرد الواقعي والتوثيق التاريخي للأحداث لكني سأغرد خارج السرب عن صنع الله إبراهيم بشهادة أدبية حول كواليس ملتقى القاهرة للرواية، وهذه شهادتي لله والوطن والحركة الأدبية: كنث قريبا من فعاليات ملتقى القاهرة للرواية الذي جرت فعالياته خلال شهر أكتوبر عام ٢٠٠٣، يحكم عملى السابق في إدارة النشر بالمجلس الأعلى للثقافة، التي طبعت عدة كتب تزامن صدورها مع فعاليات ملتقى الرواية، الذي استمرت ندواته ثلاثة أيام قبل أن نتوجه جميعا إلى المسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية، وكنت بعد الظهر أمارس عملي الصحفي، كمراسل صحفي المجلة ثقافية عربية من القاهرة، وبالطبع اطلعت على بعض تفاصيل فوز صنع الله إبراهيم بجائزة ملتقى الرواية بحكم عملي بالمجلس وتفاصيل تحرير شيك الجائزة الذي تمت كتابته ربما مرتين؛ لأن اسمه الأخير التبس على مدير الحسابات فكتبه صنع الله إبراهيم القرنفلي، ولا أزال أذكر أن الدكتور جابر عصفور راجع بنفسه تحریر شيك الجائزة مع صنع الله إبراهيم، حتى يتم كتابة الاسم بطريقة صحيحة، ويسهل صرف الشيك؛ لأن أي حرف غلط يمنع صرفه، وكتب الدكتور جابر الاسم الصحيحمن خلال مكالمة تليفونية معه، هكذا صنع الله إبراهيم الأرفلي، كما هو مكتوب في البطاقة العائلية آنذاك، فلم تكن بطاقة الرقم القومى ظهرت في ذلك الوقت.

ويضيف الجيزاوي حضرت فعاليات الحفل النهائي مع مئات المثقفين وعشرات الصحفيين، وصعد صنع الله إبراهيم فوق منصة المسرح الكبير، وتبادلت السلامات والأحضان والقبلات والصور التذكارية بين صنع الله إبراهيم من ناحية، وبين الفنان فاروق حسنى وزير الثقافة، والدكتور جابر عصفور أمين عام المجلس الأعلى للثقافة، والناقد محمود أمين العالم رئيس لجنة تحكيم جائزة ملتقى القاهرة للرواية أكتوبر عام ٢٠٠٣ ، من ناحية أخرى، وبقية المشهد معروف، والسؤال الشائك الذي لا يزال يبحث عن إجابة: لماذا وافق صنع الله إبراهيم على قبول الجائزة، وأملى اسمه بالحروف كاملة قبل تحرير شيك الجائزة؟! ولماذا أعلن عدم قبول جائزة ملتقى القاهرة للرواية عندما صعد على مسرح الاحتفالية ؟! وقد تردد سؤال: هل كانت جبهة اليسار المصرى وراء قرار صنع الله برفض الجائزة ؟! كان هذا السؤال يدور همسًا في كواليس قاعة المسرح الكبير بدار الأوبرا بعد مغادرة صنع الله إبراهيم، الذي ألقى على مجموعة الصحفيين بيانا جاهزا ومكتوبا على الكمبيوتر ومصورًا بعشرات النسخ، وهل تم التخطيط المسرحة عدم قبول صنع الله الجائزة ؟! الذي رفض من قبل جائزة نجيب محفوظ للرواية التي تمنحها إدارة النشر بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، وقد جاء رفض صنع الله جائزة الجامعة الأمريكية هادئا، بلا تبعات صحفية فهل أراد أن يكون رفضه وعدم قبوله جائزة ملتقى القاهرة للرواية عام ٢٠٠٣ عاصفة مدوية أمام عشرات الصحفيين والإعلاميين ؟! هذه أسئلة مشروعة لا تزال تبحث عن إجابات محددة، ربما نجد عند مؤرخ الحركة الأدبية إجابة ذات يوم ؟!

 	 هانم الشربينى

هانم الشربينى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

صنع

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - صلاة الطفولة

  ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...

سهيلة الرملى: «اتكلمى» ركزت على المسكـوت عنه فى كتب التاريخ

الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى

«السيد فى حقل الأدب».. شهادات وقـراءات كاشفة لعالم صبرى موسى

ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية

خالد أمين: وقعت فى غرام الـرعب والغموض

أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد