شخصيات لها تاريخ «74» دكتور محمد حسين هيكل.. صاحب أول رواية فى الأدب العربى

تربى فى مدرسة أحمد لطفى السيد والشيخ محمد عبده وآمن بالفكر الليبرالى وحصل على دكتوراه فى القانون من جامعة باريس فى العام 1912 تولى منصب رئيس التحرير فى جريدة «السياسة» الناطقة بلسان حال حزب الأحرار الدستوريين.. وتولى منصب رئيس مجلس الشيوخ وشغل مناصب وزارية منها وزارة المعارف رواية زينب التى كتبها فى باريس ولندن وجنيف تأثر فيها بالرواية الرومانسية فى فرنسا حتى أنه جعل الفلاحة بطلة الرواية تموت بالسُّل لتكون قريبة من الرواية الفرنسية

دكتور محمد حسين هيكل، حصل على دكتوراه فى القانون من جامعة باريس في العام 1912، وكان من كتاب جريدة "الجريدة" التي كانت تصدر عن حزب الأمة، وبعدها تأسس حزب الأحرار الدستوريين وأصبح من قادته، واختاروه رئيسا لتحرير جريدة الحزب، وكان اسمها "السياسة". وكان خطابها يدعو إلى الحرية ويدافع عن كبار أصحاب الأطيان الذين أطلق عليهم آنذاك كبراء البلاد، أبناء البيوتات العريقة، أصحاب المصلحة الحقيقية، وعمل "هيكل" بالمحاماة وكتب رواية "زينب"، وهي أول رواية في الأدب العربي، فتحت الطريق للساردين الكبار طه حسين وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ ويحيى حقى وغيرهم، وتحولت إلى فيلم سينمائي صدر في نسخة صامتة قامت بالبطولة فيها الفنانة بهيجة حافظ، ونسخة ناطقة قامت ببطولتها راقية إبراهيم، وأخرج النسختين المخرج السينمائي محمد كريم، وكان دكتور هيكل موجودا على خريطة المشهد السياسي النيابي والحكومى فتولى مناصب وزارية مثل "وزير المعارف" وتولى مناصب برلمانية - رئيس مجلس الشيوخ . وكان عضوا في مجلس البلاط الملكي بحكم موقعه وكتب مذكراته في ثلاثة أجزاء تحت عنوان: مذكرات في السياسة المصرية، وعمل بالمحاماة وكتب القصة القصيرة وكتب في التاريخ الإسلامي.

كان "دكتور محمد حسين هيكل من الذين لا يحبون الثقافة البدوية العربية، ويهوى "الفرعونية"، وهي من آثار ثورة ۱۹۱۹ التي وحدت المصريين أقباطا ومسلمين وكان اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون يغرى المثقف الثائر باعتناق فكرة الانتساب العرقى الحضارة المصريين القدماء الذين تعارف الناس على تسميتهم "الفراعنة".

ومن يراجع جغرافية كفر غنام ، وتاريخ العائلات فيها سوف يتبين له أن أحمد لطفى السيد - الموجه الروحي للدكتور هيكل - صاحب دعوة "المصرية الخالصة". وهي دعوة تبرأ فيها من العثمانيين وغيرهم، واعتبر مصر مصرية من فرع لا يقارب العرب أو الأتراك، وكذلك فعل تلميذه حسين هيكل" الذي كتب في مذكراته مذكرات في السياسة المصرية"، أن مصر كانت تعيش عيش البداوة قبل ثورة ۱۹۱۹ سوف يكتشف أنه وأحمد لطفى السيد ينتميان إلى الحزام البدوي في شرق الدلتا الأول "هيكل" ينتمى إلى "كفر غنام، والكفر يدل على موطن غربان التحقوا بقرية قديمة، وغنام اسم دال على البداوة، والثاني لطفى السيد حكى عن مهرة جمحت به في سنوات شبابه وكانت مهداة إليه من والده، اشتراها الوالد من بز الشام، وقريته التي ولد فيها تسمى "برقين". وليس الاسم بعيدا عن برقة والبرقيين وفي المكان ذاته قبيلة "الهنادي" وفروع منها: الطحاوية، ومن أمثال هذه القبيلة البدوية ما يقول: "بعيدة برقة على المرسال"، وهو عنوان كتاب للروائية ميرال الطحاوي"، تناولت فيه تراث الحب والمحبة عند المرأة البدوية، ولو عدنا إلى تاريخ الفتح الإسلامي العربي لوجدنا أن "السنبلاوين" التي هي قاعدة القريتين كفر غنام وبرقين، تأثرت بالعربان الفاتحين، وديرب نجم التي تجاورها موطن عربان، وهذا الإقليم الشرقي كله كان يسمى في كتب المصريين والمؤرخين الإقليم العربي"، لأن قبائل العرب كانت تأتى وتعيش فيه كلما نزل القحط في بلاد نجد والحجاز وبادية الشام، لكن الانتساب الثقافي إلى فرنسا وأوربا على وجه العموم، جعل دكتور محمد حسين هيكل يقضى شطر حياته الأول معاديا للعروبة، معتنقا الفرعونية، وفي الشطر الثاني من حياته كتب وتغنى بالعروبة والإسلام، وكان من أعماله في منزل الوحي حياة محمد الصديق أبوبكر، وغيرها من المؤلفات التي تفاخرت وتباهت بالعرب ورسالة الإسلام وفرسان العروبة وحملة الدعوة الإسلامية.

السفر إلى فرنسا

أنهى "محمد حسین هیکل دراسته في مدرسة الحقوق في القاهرة، وأرسله والده ليدرس في جامعة باريس وقضى ثلاث سنوات عاكفا على دراسة القانون، ولكن قبل الحديث عن القانون في حياته من المهم أن نتوقف أمام رواية "زينب"، فهى منجز كبير تخطى الزمان والمكان ووضع "هيكل" في خانة الرواد، رغم اتساع مساحة عطائه الصحفي والسياسي، فهو تولى مسئولية تحرير جريدة "السياسة"، الناطقة بلسان الليبراليين الأغنياء الذين سماهم "أحمد لطفى السيد" تسمية دالة على الثراء والقوة، فهم أصحاب المصلحة الحقيقية، ملاك الأطيان والعقارات المتنفذون عند الباشا والسلطان والمعتمد البريطاني وجلالة الملك، ومن يراجع الإهداء الذي كتبه "دكتور هيكل" في صدر روايته "زينب"، يستطيع معرفة منابع المعرفة والسياق الثقافي والاجتماعي الذي ساهم في تكوينه النفسي والسياسي والإبداعي، ونقرأ الإهداء لتستطيع التعرف إلى قلب "هيكل" وروحه

إلى هذه الطبيعة الهادئة المتشابهة اللذيذة، إلى هؤلاء الذين أحببت وأحب إلى بلاد بها ولها عشت وأموت... إلى مهبط وحى الشعر والحكمة أول الأزل.. إليك يا مصر ولأختى أهدى هذه الرواية، من أجلك كتبتها، وكانت عزائي عن الألم، ولاكتبها عشت، ولولاها لقضيت على حياة ما أغناني عنها، فهل أنت تقبلين هذه الهدية الضئيلة من ابن معذب عيشه مملوء بالهموم ولكنه يحبه حباً فيك، وأنت يا أخت أنت أول من أحببت من شباب مصر ولمن أحب اهدى هذا القسم من نفسي، والذي احتل سنى شبابي الأولى، أهديها لك بعد أن أهديتها لمصر، ولعلك أنت الأخرى تقبلينها فتبعثين في الأمل وحب المزيد.

ولمصر نفسى ووجودي، ولأختى قلبي وروحي

و یا عزیزی القارئ المثقف المهتم بتاريخ الرواية وتاريخ مصر المعاصر، اقرأ هذا الإهداء وسوف تجد فيه روحالزعيم الراحل مصطفى كامل " الذي تغزل في مصر وكتب أجمل العبارات والكلمات، فزرع في جيل "الهزيمة" روح العزة، كان الجيل الذي شهد هزيمة الثورة العرابية في حاجة إلى من يمنحه الثقة في النفس ويعيد إلى نفسه معنى الارتباط الروحي الذي يجعله فخورا بانتمائه للوطن المصرى، الذى كان ضحية مؤامرة قوى عظمي استولت على الأرض ودمرت الأحلام الوطنية، ولم يكن الكلام الجميل الذي أطلقه مصطفى كامل" مجرد خطبة في الهواء الطلق أو فى منتدى بل كان العلاج الروحي للجيل كله، وكان رحيل مصطفى كامل في العام ۱۹۰۸ وكان تخرج الشاب محمد حسين هيكل" في مدرسة الحقوق في العام ۱۹۰۹ وفي العام ذاته عبر البحر المتوسط وانتظم في جامعة باريس طالب "دكتوراه" وكان الأدب الفرنسي السردي، قد منحه المتعة والرؤية والرغبة في أن يكون مثل الذين كتبوا هذه الروايات التي قرأها باللغة الفرنسية، وكانت الرومانسية هي الفكرة المسيطرة على أدباء فرنسا، فقلدهم "هيكل" وجعل زينب الفلاحة تموت بالسل، لتكون نهاية حياتها مشابهة لنهايات شخصيات قرأها في روايات الفرنسيين، ومن المهم القول إن "محمد حسين هيكل" امتلك جرأة جعلته يعترف باللهجة العامية، فجعل فلاحي روايته يتكلمون بها، وهذه خطوة بالغة الأهمية، وجعل الريف مسرحا للأدب، وهذا منجز كبير في سياق زمانه، وعن روايته التي أسعدته في الغربة وأمتعته في وحدته وقربت إليه مصر التي يعشقها يقول دكتور هيكل

نشرت هذه القصة للمرة الأولى في سنة ١٩١٤ على أنها بقلم مصرى فلاح"، نشرتها بعد تردد غير قليل في نشرها، وفى وضع اسمى عليها، فلقد بدأت بكتابتها بباريس في أبريل سنة ۱۹۱۰ وفرغت منها في مارس سنة ۱۹۱۱، وكان حظ قسم منها أن كتب بلندن، وكما كتب قسم آخر بجنيف أثناء عطلة الجامعة في أشهر الصيف، وكنت فخورا بها حين كتابتها وبعد إتمامها، معتقدا أني فتحت في الأدب المصرى فتحا جديدا، وظل ذلك رأيي فيها طوال مدة وجودي طالبا للحصول على دكتوراه الحقوق بباريس، فلما عدت إلى مصر فى منتصف سنة ١٩١٢، ثم لما بدأت أشتغل بالمحاماة في الشهر الأخير من تلك السنة، بدأت أتردد في النشر، وكنت كلما مضت الشهور في عملي الجديد، ازددت ترددا خشية ما قد تجنى صفة الكاتب على اسم المحامى، لكن حبى الفتى لهذه الثمرة من ثمرات الشباب انتهى بالتغلب على ترددي، ودفع بي الأقدم الرواية إلى مطبعة "الجريدة" كي تنشرها، وإن أرجأت نشر اسم الرواية ومؤلفها وإهدائها إلى ما بعد الفراغ من طبعها، واستغرق الطبع أشهر، غلبت فيها صفة المحامى ما سواها، وجعلتنى لذلك اكتفى بوضع كلمتن مصرى فلاح" بديلا عن اسمى، ولقد دفعني لاختيار هاتين الكلمتين شعور شباب لا يخلو من غرابة، وهذا هو الشعور الذي جعلني أقدم كلمة "مصري" حتى لا تكون صفة للفلاح إذا هي أخرت، فصارت "فلاح مصرى" ذلك أني إلى ما قبل الحرب العالمية الأولى " كنت أحس كما يحس غيري من المصريين ومن الفلاحين بصفة خاصة بأن أبناء "الذوات" وغيرهم ممن يزعمون لأنفسهم حق حكم مصر، ينظرون إلينا "جماعة المصريين وجماعة الفلاحين" بغير ما يجب من الاحترام، فأردت أن أستظهر على غلاف الرواية التي قدمتها للجمهور يومئذ، والتي قصصت فيها صورا لمناظر ريف مصر وأخلاق أهله أن المصري الفلاح يشعر في أعماق نفسه بمكانته وبما هو أهل له من الاحترام وأنه لا يألف أن يجعل المصرية والفلاحة شعارا له يتقدم به للجمهور يتيه به ويطالب الغير بإجلاله واحترامه، وظهرت طبعة "زينب الأولى" قبل الحرب، وتناولها الكتاب بالنقد زمنا، والسبوها إلى وراها بعضهم جديرة بالاعتبار والتقدين ثم أنست الحرب ما سواها، وأنستني أنا أيضا قصتي، فلما انتهت الحرب وقامت الحركة الوطنية، وظهرت فكرة "المصرية" واضحة محترمة كما صورت لنفسي على غلاف "زينب" ثم لما تركت المحاماة إلى الصحافة، وشغلت بالتحرير وبالكتابة، طلب جماعة من أصدقائي إلى أن أعيد طبع زينب " ليطلع عليها ناشئة هذا الجيل الجديد، وليروا فيها قصة مصرية تصف لهم ناحية من حياة بلادهم. وتدلهم على صور من الجمال فيها.

زينب وثورة 1919

في السطور السابقة تحدث دكتور محمد حسين هيكل حديث المؤرخ عن عمله، وعمله رائد فريد في بابه. فالناس في ذلك الزمان قبل الحرب العالمية الأولى" كانوا يعرفون السجع والزخارف اللفظية الموروثة. ومصدرها كتب الفقه والأدب القديم، وهذا محفوظ في قلوب الأزهريين والصحف كانت قريبة من هذه البش تنهل منها، ولم يكن الناس عرفوا من السرد غير ما كتبة المنفلوطي" وكان الشعر هو محل الاهتمام ودليل الموهبة ومبرر التقدير فكانت قصيدة "أحمد شوقي" لها مكانتها الكبرى، وقصيدة "حافظ إبراهيم وهنا كانت مغامرة "زينب" جديرة بالتوقف أمامها، فهي العكاس الثقافة فرنسا في نفس "هيكل" الذي تعلم الفرنسية في باريس، وقرأ الروايات لتعينه على تعلم اللغة التي يدرس بها القانون، وميوله الفطرية نحو الأدب جعلته يستلهم "الرواية" ويجعلها القالب الذي يصب فيه أشواقه للقرية. فكما ذكر في مقدمة الرواية أنه كتب الرواية تحت سطوة الحنين إلى الوطن . والريف موطنه وقلب الوطن. الذي يعشقه . وكان من الرواية غريبا عن الذائقة العربية. فأطلق على روايته اسم "مناظر وأخلاق ريفية"، ومن المهم التوقف أمام العلاقة بين رواية "زينب" وثورة ١٩١٩ ذلك لأن ثورة شعبية جمعت بين القبط والمسلمين - بعد شقاق - غيرت الثقافة والمعنى، فهي كانت ثورة ثقافية وجدانية تحقق فيها الخلاص من القيود التركية في الموسيقى، وظهرت الثقافة القومية "المصرية" واستقبل الناس ما غناه ولحته السيد درويش" بروح من عثر على ذاته بعد ضياع، فالأتراك الذين احتلوا مصر منذ القرن السادس عشر، وهزموا " المماليك" حكام مصر السابقين عليهم قضوا على منجزها الثقافي سرقوا الصناع المهرة. وأودعوهم في عاصمة الخلافة - الأستانة، وقضوا على روح الأزهر الشريف وجعلوه موقعا للترديد والشرحوالحفظ لكل ما انتجه الأقدمون، وقضوا على التفكير العلمي، وقضوا على روح الاعتزاز بالوطنية، وغلبوا الأخوة الدينية، وتحول "القوات"، إلى سلطة قامعة، تقهر الفلاحين والمصريين المسيحيين والمسلمين ، أي الذين من أصول قبطية وأصول عربية - ومصطلح "النوات". مقصود به الترك والشركس وبقايا المماليك الذين تحالفوا فرقوا ثورة الفلاحين والعربان في ١٨٠٥ واستطاع محمد على الألباني الجندي في الحامية العثمانية أن يعيد رسم خريطة الواقع الاجتماعي والاقتصادي المصري، ويسرق الثورة، ويحلم حلم الإمبراطورية. ويستعين بالذوات ليكونوا ظهيره الشعبي في مواجهة الجماعات والقوى المنظمة في المجتمع المصري وكانت الثورة العرابية أول مواجهة - مصرية الروحتقدمية البرنامج - بين المصريين والذوات والأوربيين والعائلة الحاكمة، وفشلت الثورة العرابية، وجاءت ثورة ۱۹۱۹ لتتحول إلى نهضة قومية" وهذا هو الاسم الذي أطلقه عليها صانعوها، فهم يسمونها "نهضة" والمؤرخون والباحثون يسمونها "ثورة" والمعنى واحد، لكن "النهضة" فيها معنى الصعود بعد الانكسار، والثورة فيها الرفض لكل ما يعطل الروح والعقل والقلب، وكان من ضمن برنامج ثورة ۱۹۱۹ استلهام حياة الناس والطبيعة المصرية في الأدب، وكان "دكتور هيكل" هو من دعا بهذه الدعوى وسبق الجميع بروايته "زينب" التي كانت رواية على غرار الروايات الفرنسية من حيث الشكل والأسلوب، لكن جوهرها وعالمها مصرى أصيل.

جريدة السياسة

كانت ثورة ۱۹۱۹ ثمرة نضال نخبة من الريف، تملك المال والقدرة على طرح برنامج الاستقلال والتحرر من قبضة الاستبداد البريطاني التركي، وانقسمت النخبة إلى جماعة تؤيد سعد زغلول وأخرى تؤيد عدلى يكن، وكانت النتيجة على هيئة تنازل شكلى تنازلته بريطانيا - صاحبة السلطة الواقعية - لصالح جماعة عدلي يكن، فكان تصريح۲۸ فبراير ۱۹۲۲ الذي حصل عليه عبد الخالق ثروت، رئيس الحكومة آنذاك، وبناء على هذا التصريح صدر - دستور ۱۹۲۳ الذي سمح للسلطان فؤاد أن يحمل لقب – جلالة الملك - وسمح لرجال النخبة بالترشح في انتخابات عامة استهدفت تشكيل مجلس النواب ومجلس الشيوخ وفي تلك الفترة كان حزب الوفد الذي يتزعمه "سعد زغلول" قد أصبح الحزب الشعبى، وكان حزب الأحرار الدستوريين حزب النخبة التي تملك آلاف الأفدنة، ولا تؤمن بالثورة، بل تؤمن بالإصلاح والتفاوض والتدرج في المطالبة بالاستقلال والحرية، وفي العام ۱۹۲۳ كان "دكتور محمد حسين هيكل رئيس تحرير جريدة "السياسة" الناطقة بسم حزب الأحرار الدستوريين يخوض الحرب في خندق ضمه ومحمد محمود باشا ومحمد على علوبة وحافظ عفيفي وعبد العزيز فهمى وتوفيق دوس ومحمود عبد الرازق، ضد سعد زغلول والذين معه، وكانت انتخابات العام ١٩٢٤ هي الأولى بعد كتابة الدستور، ونجح فيها سعد زغلول وامتلك حزبه الأغلبية في البرلمان، وألغى فوز "محمد محمود باشا" في دائرة "البربا" في أسيوط، وتوالت المقالات الساخنة التي ندد فيها "هيكل" بالحكومة الوفدية، وخاض معارك قانونية محورها حرية الرأى وأدواتها المقالات والتعليقات المنشورة على صفحات "السياسة"، وفي خضم هذه الحرب الدائرة بين جناحي الطبقة البرجوازية المصرية، شهدت تركيا مولد البطل الوطني مصطفى كمال أتاتورك" الذي استطاع طرد اليونانيين من الأراضي التي استولوا عليها من الأتراك، وألغى "الخلافة"، وهو الأمر الذي فتح شهية الملك فؤاد ليكون هو الخليفة ولكن الشيخ على عبد الرازق القاضي الشرعي في محكمة المنصورة أصدر كتابه المشهور "الإسلام وأصول الحكم".

وفيه رد على كل دعاة الخلافة، وكان هذا الكتاب هو القشة التي قصمت ظهر البعير، وأخرجت وزراء حزب الأحرار الدستوريين الثلاثة الذين كانوا في حكومة "أحمد زيور" رئيس الوزراء الذي جاء في ظرف حرج ظرف خروج "سعد زغلول" من رئاسة الحكومة بعد مقتل سردار الجيش المصرى سير لى ستاك" بأيدي مجموعة من الشبان، قالت عنهم بريطانيا إنهم من أنصار "سعد" وكان طلبها وهي صاحبة القوة الواقعية في مصر هو سحب الجيش المصرى من السودان، واستقال سعد، وجاء "زيور" على رأس حكومة ضمت الأحرار الدستوريين وحزب الاتحاد الذي هو حزب القصر، وأصل الخلاف هو إقالة "الملك فؤاد لوزير الحقانية الدستوري عبد العزيز فهمى" لأنه اتبع الطريق القانونية في مسألة فصل الشيخ على عبد الرازق من محكمة المنصورة، واعتبر الملك هذا السلوك تمردا يستوجب عقاب الوزير "الحر الدستورى" وتضامن الوزيران الآخران مع زميلهما، واجتمع مجلس إدارة الحزب وفرض الاستقالة على رئيس الوزراء والملك، وكانت جريدة "السياسة" هي التي أدارت معركة كتاب "الإسلام وأصول الحكم"، على مستوى الفكر وعلى مستوى السياسة، وكان دكتور هيكل" من مؤيدي رأي الشيخ على عبد الرازق " لأنه حسب ما أورد في مذكراته أنه تربى على آراء الشيخ الإمام محمد عبده، وكان ليبرالي المذهب والتوجه، وقضى فى موقع رئيس تحرير "السياسة" خمسة عشر عاما، وخلال تلك الفترة أبدع في المقال الصحفى، وأبدع في تأليف الكتب ذات الصبغة الإسلامية العربية، وهجر الفكرة الفرعونية.

وعن تلك المعارك العنيفة قال دكتور هيكل في مذكراته

وقد حاول خصومنا أن يجدوا في دفاعنا عن حرية الرأى مطعنا علينا، فرمونا بالإلحاد في الدين، كما رمونا من قبل في السياسة بالمروق من الوطنية، ولم تعننا رميتهم هذه، بل احتقرناها كما احتقرنا اتهامهم إيانا في وطنيتنا، لأننا كنا نؤمن بأن الجمود في الدين هو الذي أدى إلى تأخر الشعوب الإسلامية في عصور تدهورها وأن الإيمان الحق بالله لا يكون إيمانا صادقا إلا إذا اقتنع به القلب والعقل عن بصيرة وبينة.

ومن مصادفات القدر أن تكون ابنته "دكتورة فايزة محمد حسين هيكل" أستاذة في علم الآثار في جامعة القاهرة وتكون ضمن الفريق الفنى الذي أشرف على إنقاذ آثار النوبة في سنوات بناء السد العالى، وأن يكون لها عطاؤها العلمي المعترف به محليا وعالميا، وفي يوم ٨ ديسمبر ١٩٥٦ رحل "دكتور" "هيكل" بعد مشوار حافل بالمعارك السياسية والفكرية، وقد ترك آثاره الإبداعية شاهدة على نضاله، وهو الذي تولى مناصب رفيعة في سنوات ما قبل ثورة يوليو ۱۹۵۲ منها: وزير المعارف، رئيس مجلس الشيوخ، وغيرها من المناصب الرفيعة، وأصبح رئيسا الحزب الأحرار الدستوريين حتى العام ١٩٥٣ وهو عام حل الأحزاب بقرار من مجلس قيادة الثورة.

Katen Doe

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

بهجت

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - جواهرجى القماش

يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...

المكر والمكيدة والحيلة وسائل الخداع القديمة.. تجدى فى الأوقات الصعبة

الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين

نسمة عودة: الأدب يعيش بقرائه.. وكل قراءة جائزة للكاتب

فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...

مريم العجمى: الجائزة هدهدة على كتف الكاتب

القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص