الفنان الذى حوَّل سجن الواحات إلى لوحات اكتشف واحتضن المئات من نجوم الرسم والصحافة وترك بصمته على الجميع رسوماته لشخصيات رواية «الأرض» منحتها الشهرة والنجاح اختار عمال التراحيل ليرسمهم على غلاف أول مجلة تصدرها ثورة يوليو
قصدت تأخير الحديث عن هذا الفنان مع سبق الإصرار والترصد، ليس تقليلا منه، بل تأكيدا لعبقريته، وإذا كانت كل "تأخيرة وفيها خيرة" أحيانا، فإن "التأخيرة" هنا كان هدفها خيرا بالفعل، وهو أن ترى بنفسك مقدار ما تركه من أثر عميق في ريشة ووجدان كل رسام في جيله والأجيال التالية، ومن أثر محفور في قلم وعقل كتاب جيله وأجيال لاحقة، فقد كان هو "الأسطى" الكبير الذي احتضن ورعى وفتح الباب وأضاء الطريق ومهده للقادمين خلفه من أصحاب المواهب.. حتى أنه -للإنصاف - كان يستحق أن نبدأ به ويكون فاتحة وطليعة ملوك الريشة.
إنه أثر وتأثير كان رفيق عمره مايسترو الصحافة صلاححافظ هو الأكثر بلاغة وصدقا وسحرا ووعيا وعذوبة وهو يكتب عنه ويصفه بكلماته
"لا يكاد يوجد ركن فى الضمير المصرى المعاصر لم يشارك في صياغته هذا الرجل .. فكل أداة تشكل الرأى العام والذوق العام كان له دور في تطويرها وتوجيهها وتربية الذين يستخدمونها.. وهو قد بدأ حياته فنانا تشكيليا يخاطب الناس بالريشة والألوان، لكنه لم يلبث أن اقتحم عالم الصحافة والقلم والسينما والإذاعة، وأنجب في كل من هذه العوالم زحاما من التلاميذ، ومعظم هؤلاء التلاميذ هم الذين يقودون الآن عقل الأمة المصرية، أو على الأقل يشاركون في قيادتها .. وإذا كانت أسماء بعضهم الآن ألمع كثيرا من اسمه، فلأنه كان مشغولا بهم عن نفسه، وكانت قضيته ومتعته الكبرى أن يؤهلهم للنجومية والقيادة".
(1)
إنه المعنى الذي ستجده حاضرا دائما وبقوة لدى كل من كتب عن حسن فؤاد، نهر الفن والعطاء كما أسماه صلاححافظ، وربما لا تجد لقبا له بهذا السحر الرومانسي، لكنك حتما ستجد معناه وشرحه وتأكيده وتفسيره..
قصده الكاتب العملاق أحمد بهاء الدين عندما قال عنه:
أعظم تركة خلفها حسن فؤاد لا يعرفها إلا الذين اقتربوا منه وعايشوه في السراء والضراء.. فأعظم تركته إنما تركها في عقول وقلوب وأذواق المئات من الذين مروا به أو مر بهم".
وعناه أمير المبدعين يوسف إدريس عندما كتب فيه:
حسن فؤاد موجود فينا كلنا، في جيلنا كله، وحتى في الأجيال التي تلته - ربما دون أن يعرفوا .. هو موجود فيهم وسحره باق، لأن الفنانين الذين خلقهم ووجههم باقون يتوارثون رؤاه .. يستوحون فنه وشخصه وخصاله وأفكاره خاصة وقد تحول من بشر على الأرض إلى نجم في السماء هوى إلى أعلى، وأصبح ضؤه أشد وأخلد وأقوى"...
وأكده رسام الكاريكاتير البارز عبد السميع" عندما حكى:
"أذكر أنني أعجبت بشخصية "وصيفة" بطلة رواية الأرض لعبد الرحمن الشرقاوى التي رسم حسن فؤاد شخصياتها ببراعة وقررت أن أرسم لها صورة زيتية، وحين فرغت من الصورة اكتشفت أنى تأثرت إلى حد بعيد برسم حسن فؤاد لها، وقد أعدت رسم الصورة عدة مرات، وكنت أكتشف في كل مرة تأثرى بحسن فؤاد حتى استطعت بمشقة الخروج من فنه ورسمت الشخصية بوجهة نظر مختلفة".
وصاغه الولد الشقى محمود السعدني بطريقته الساخرة الفذة
كان يقدر كل المواهب حتى الهشة والضعيفة، ويرى أن المواهب كالأقمشة، وأن الحرير له مكان وله مناسبة وللكستور مكان ومناسبة، وكلاهما ضرورى جدا لاستمرار الحياة.. ولم يكتب لحسن فؤاد أن يستمر أو يستقر في عمل، وعندما انشغل أبناء جيله كل منهم بعمله أو فنه انشغل حسن فؤاد بالحياة، ومن أجل الحياة تفرغ للبراعم الجديدة والمواهب الواعدة.. كانت له عين نفاذة ترى الجواهر المدفونة، وأنف حساسة تشم رائحة الموهبة على بعد مائة ميل".
ترك الرجل بصمة أو لمسة في وجدان كل من مر بهم أو مروا به، فنيا وإنسانيا، بل إن تأثيره الإنساني كان أحيانا لا يقل روعة وسحرا مثل ذلك الموقف الذي حكاه صديقه وزميله الرسام الكبير زهدى العدوى، والذي زامله يومها أيضا في سجن الواحات بين معتقلى اليسار الذين شاء حظهم العاثر أن يتجمعوا في هذا السجن الرهيب الذي كان يضرب به المثل فى القسوة والعذاب بين ١٩٥٩ و ١٩٦٣).. فما الذي فعله حسن فؤاد ليحول سجن الواحات إلى واحة ؟
لنسمع الإجابة من عم زهدى
كان الإنسان في حسن فؤاد هو كل شيء: رسومه وحكاياته وفكره وأستاذيته وعطاؤه الواسع العريض، كان حسن فؤاد أبا لكل هذه الدوائر، وما أظنني قادرا على الإحاطة بحياة إنسان كبير في سطور، وحسبى أن أذكر مثالا واحدا بسيطا إلا أن له دلالة كبيرة.. كنا نتشارك في مبنى واحد من سجن الواحات الخارجة عشرون عنبرا، حيث يتسع كل واحد منها لأكثر من خمسة عشر فردا، وكنا نغلق أبوابها في الساعة السادسة مساء كل يوم حتى الصباح.. وجاء يوم رجع فيه المعتقلون من مزرعة السجن، ودار الحرس على العنابر الإحصاء الأفراد تمهيدا لإغلاق الأبواب...
" وعندما أغلق باب عنبرنا ونظرنا إليه استولى علينا الانبهار جميعا، كانت المساحة الخشبية للباب من الداخل قد اختفى منها ما يدل على أنه مغلق، كانت عليه رسوم لمنظر ريفي جميل يمثل شاطئا فيه أشجار وبيوت فلاحين يمشى فوقه طابور من صبايا الفلاحات حاملات الجرار بتنسيق واقعى جميل، وتنعكس ظلال الشاطئ - بيوته وأشجاره وطابور حاملات الجرار - على صفحة الترعة التي تنبسط كالمرآة الصافية لا تتعرج فيها إلا تموجات خفيفة وراء سرب من الأوز الأبيض، وفوق كل هذا تعلو سماء صافية تضفى لرقتها على المشهد هدوءا وسكينة واطمئنانا لا مفر منه، ولقد بلغ هذا العمل غايته وحقق الغرض منه على الفور، وفى الصباح أصبحت هذه اللوحة مزار الجميع من زملاء إلى حراس.. إن إنسان حسن فؤاد أدرك أن النفوس التي تقيم هناك تعانى الكثير، وأدرك مدى الإصابة التي يتعرض لها الإنسان هناك، وكانوا خليطا من الفنانين والأدباء والأطباء والمهندسين والعلماء والعمال والطلبة.. وكان جميع هؤلاء معرضون لاصابة واحدة هي الشعور بالظلم لأنهم أصحاب رأى، ولأن حسن فؤاد - قبل أن يكون فنانا وأديبا ومفكرا - كان يحمل في ذاته إنسانا خالصا، أدرك هذا الخطر على النفوس الشريفة، وكان كل ما قدمه أن فتح في جدار السجن طاقة واسعة يشاهد منها المرء صورة من خارج السجن، هي صورة مصرية صميمة... تفيض رقة في كل شيء.. ولعل أبلغ تعبير سمعته من بعض الزملاء أنه عندما ينظر إلى هذه اللوحة يحس كأن موجات خفيفة من النسيم تهب عليه وتمسح على جبينه بمسحة رطبة في أشد فترات الصيف الصحراوي قيظا".
إن مروره يترك أثرا بديعا في النفوس، حتى ولو كان مرورا عابرا كحالة الناقد السينمائي البارز سامی السلامونی فرغم أنه لم يكن محسوبا على الحركة التشكيلية أو الأدبية ليتقاطع مع حسن فؤاد، ولكن واقعة واحدة في مقتبل حياته جمعتهما بالصدفة جعلته يذكره بالخير والتقدير طوال عمره.. كتب عنها وعنه
زمان عندما كتبت أول ما تصورت أنه قصة قصيرة أرسلتها إلى مجلة "الغد" التي كان يصدرها .. وعندما نشر ردا في سطرين على قصتى التى لم ينشرها أحسست بسعادة طاغية لمجرد ذكر اسمى.. وعندما أصدر مجلة صباح الخير" هو وأحمد بهاء الدين كنت أتردد على مكاتبها - رغم أنى لم أعمل بها لمجرد أن بها أمثال حسن فؤاد.. وتعود جيلى أن يناديه "الأستاذ حسن"، ثم وجدناه أبا وفنانا وبسيطا بحيث فضلنا أن نناديه "عم حسن" ففضلها هو أيضا ".
الغريب والمدهش أن عم حسن كان تقريبا في نفس جيل تلاميذه بل ربما أصغرهم سنا، لكنه - كما يقول لويس جريس أحد هؤلاء التلاميذ - استطاع بتصرفاته وسلوكه أن يصبح أبا روحيا للموهوبين - رسامين وكتابا - سواء من أبناء جيله أو الأجيال التالية...
فمن يكون هذا الرجل الذين تدين له أجيال من المبدعين بالمحبة والتقدير جزاء وفاقا لأياديه البيضاء عليهم وتأثيره الطيب وبصمته الحميدة في وجدانهم؟
و أتصور أن ملايين المصريين من قراء الصحف والمجلات الآن مدينون له كذلك عن تلك السلاسة واليسر ومسحة الجمال التي حولت قراءة الصحف والمجلات إلى متعة. خرمت منها أجيال سبقت، وكان هو سر تلك المتعة وسببها .. ومن صنع يديه وريشته وموهبته وعبقريته ...
من يكون "عم حسن " بوصف سامي السلاموني الحميمي البسيط.. أو نهر الفن والحياة بوصف صلاح حافظ الشاعري البليغ ؟
(2)
شحيحة هي المعلومات والحكايات التي تتناول مرحلة نشأته وطفولته وتكوينه، لعل أبرز ما فيها هو الرقم المميز لتاريخ ميلاده والذي يحتل فيه رقم ٢٦ دور البطولة، في اليوم والسنة معا، حيث ولد في ٢٦ من شهر يناير، في العام ٣٦ من القرن العشرين، كان والده إبراهيم أفندي الدسوقي" مدرسا بوزارة المعارف وترقى في درجاتها حتى وصل إلى درجة المفتش.
ذاق حسن الصغير مرارة اليتم مبكرا، حيث رحلت والدله وهو طفل لم يزل، وتزوج أبوه بزوجة جديدة، كان من حسن حظه أنها عاملته بحنو ورفق، وبحكم عمل الأب في وزارة المعارف (التعليم) كان يضطر مع الترقى إلى الانتقال إلى مدارس جديدة في محافظات مختلفة، وهكذا أتيحللطفل الصغير أن يطوف ويسكن ويعرف مدنا مختلفة باتساع خريطة مصر...
في سنوات دراسته الابتدائية والثانوية كان تلميذا نجيبا بمصطلحات تلك الأيام، ينجح بتفوق ويحصل على أعلى الدرجات، ويجد دائما بجوار ساعات المذاكرة الطويلة وقتا لهواياته المحببة الرسم والقراء.....
تميزه في الرسم شجعه على الالتحاق بمدرسة الفنون الجميلة عام ١٩٤٤، وفيها وجد نفسه وتفتحت موهبته وفي قسم "التصوير" الذي اختاره راح يشرب من خبرات ومحاضرات أساتذته الكبار بيكان أحمد صبري ويوسف كامل المدهش أن التأثير الأهم جاء من مدرس شاب بقسم الزخرفة، هو عبد السلام الشريف الذي قدر له أن يلعب دورا فارقا في مسيرة ومصير حسن فؤاد العملية .....
ففي العام ١٩٤٧ قررت مدرسة (كلية) الفنون الجميلة أن تصدر مجلة مدرسية للفنون الجميلة يحررها طلابها. وأسندت مهمة الإشراف عليها إلى عبد السلام الشريف والذي اختار بدوره مجموعة من الطلبة توسم فيهم النبوغ والموهبة والقدرة على الرسم والكتابة معا، وضمت هيئة تحرير المجلة الطلاب حسن فؤاد، مختار العطار، سمير رافع لويس جورجی کمال أمين ومراد القليوبي...
في هذه المجلة تفتحت موهبة حسن فؤاد وأشرقت و تركت تأثيرا بالغا في شخصيته الفنية، بفضل الملك الفرصة التي منحها وأتاحها له أستاذه الأول عبد السلام الشريف، فقد دلته وأثبتت له منذ وقت مبكر أن الصحافة هي مستقبله وميدان إبداعه بالريشة والقلم ولأهمية تلك التجربة المبكرة على حسن فواد نتوقف عندها، وتترك صاحب الفضل فيها ليحدثنا عنها، فماذا كتب عبد السلام الشريف في أوراقه ؟
كانت هذه هي الإشراقة الأولى والبداية الحقيقية لبزوع نجم حسن فؤاد في عالم الصحافة بفروعه المختلفة، من الكتابة إلى الرسم إلى الإخراج الفني، فقد كان هو محور الارتكاز بين زملائه في هيئة التحرير والدينامو" الفعال في التخطيط لاصدار هذه المجلة والاشراف على مراحل طباعتها وتنسيق أبوابها.. في هذه المجلة كانت بدايته. الفنية، وكانت بمثابة الأرض الطيبة التي أينعت فيها هذه الموهبة الفذة .. وفي هذه البداية التاريخية كتب حسن فؤاد في مجلة الفنون الجميلة ورسم وبرزت مواهبه منذ الخطوة الأولى.. وكان له أسلوبه الخاص في الكتابة والرسم وكانت أعماله تبشر بمولد فنان شامخ شامل يرسم بكلمات رشيقة لها جرس الشعر والموسيقى، ويكتب بريشة رسام تنبض خطوطه بالعذوبة والرقة وبكل وجدان الإنسان الفنان المصري الأصيل".
منحت هذه التجربة حسن فؤاد ثقة خاصة وجعلته يتجه يقلب جسور إلى عالم الصحافة وهو لم يتخرج بعد من كلية الفنون الجميلة، ولا بد أن نقف عند تجربته المدهشة في ديسمبر من العام ١٩٤٧، حيث أسندت له جريدة "الزمان". مهمة تغطية محاكمة المتهمين باغتيال وزير المالية أمين عثمان، ونقل جلساتها بريشته، وكان رئيس تحريرها جلال الدين الحمامصي يسعى لتميز خاص بين التغطيات الصحفية للمحاكمة التي تحظى باهتمام واسع في الشارع. المصري، وكتب الحمامصي يشيد ببراعة الرسام الصاعد حسن فؤاد الطالب بكلية الفنون الجميلة ..
ومن جديد بعد عبد السلام الشريف يده التلميذه البارع فيستعين به مساعدا لله في عدد من المجلات التي تولى مهمة إخراجها.. وأبرزها مجلة "الشهر .. لكنه حسن فؤاد في الوقت نفسه سعى لأن تكون له بصمته الخاصة والمستقلة، مثل رسوماته الشخصيات رواية عبد الرحمن الشرقاوي الشهيرة الأرض والتي صاحبت نشرها في حلقات مسلسلة على الصفحة الأخيرة الجريدة "المصري" أبرز صحف ذلك الزمان....
عاش مع الرواية وتفاعل مع أحداثها وتخيل شخصياتها وصيفة، محمد أبو سويلم، عبد الهادي الشيخ حسونة الشيخ يوسف خضرة... أعطى لكل شخصية ملامحها وروحها فكأنها كانت تتحرك على الورق وتنطق.. وكانت تلك الرسومات من أسباب نجاح الرواية وتعلق القراء بها... واعتبر ناقد تشکیلی مرموق مثل مختار العطار رسومات الأرض بأنها ترقى إلى مستوى الأعمال التعبيرية الكبرى شكلا وموضوعا ومضموناً.
وبعد مرحلة إثبات الذات وتأكيد الموهبة يمكننا أن تتوقف امام أربع تجارب كبري حملت بصمة وإبداع حسن فؤاد هي في تصوري العلامات الفارقة في مشواره الصحفي رساها وكاتبا ومخرجا فنيا ومبدعها....
أولها تجريده في "التحرير" أول مجلة تصدرها ثورة يوليو لتكون صوتها وتعبر عن مبادئها وشعاراتها... كان حسن فؤاد خارج مصر عندما قامت ثورة الضباط الأحرار ونجحت في إزاحة الملك وإسقاط الملكية.. اختاره استاذه عبد السلام الشريف ليكون بين وفد من المبدعين المصريين في رحلة إلى إيطاليا، منهم جمال كامل وأنيس منصور وعيد الفني أبو العينين...
من اللحظة الأولى أمن حسن فؤاد بالثورة ومبادئها واعتبر نفسه من جنودها المكلفين بتحقيق أحلامها، وعاد من روما. ليشارك في إصدار "التحرير" وكلفه رئيس تحريرها أحمد حمروش بالمسئولية الكاملة عن إخراجها يل ما هو أكبر وأخطر وهو ما يحكيه حمروش في مذكراته بالتفصيل
عندما انتصرت ثورة يوليو كان حسن فؤاد من أكثر الناس ابنهاجا، فقد تحققت بعض أحلامه، وبعد شهر واحد تقريبا كما تجتمع في دار الهلال التصدر أول مجلة تحمل فكر الثورة كان ذلك يوم أول سبتمبر ١٩٥٣ بالتحديد، ولم تكن قد حددنا بعد اسم المجلة أو شكلها، كل ما اعتمدنا عليه موافقة جمال عبد الناصر على صدور المجلة، وتكليفي بأن أكون رئيسا لتحريرها.. واجتمعنا مجموعة من الأصدقاء.
لم يكن أحد منا قد تجاوز بعد الثلاثين من العمر حسن فؤاد وعبد الرحمن الشرقاوى وعبد المنعم الصاوى وسعد لبيب ويوسف إدريس وصلاح حافظ.. وخلال ١٦ يوما فقط كان الرأي قد استقر على أن تحمل المجلة اسم "التحرير"، وكان الفنان حسن فؤاد قد تولى مسئولية الإخراج، وأمضى كل هذه الأيام في صالة التحرير.. ونحن من حوله نعد المقالات ونجمع الأخبار وتقدم الصور.. لم يغادر الدار مطلقا إلا إلى منزله بعد منتصف الليل ليعود في الصباح...
وفي يوم ١٦ سبتمبر ١٩٥٢ كانت المجلة بين يدى القراء وكنا قد قررنا أن نطبع منها ١٠٠ ألف نسخة، وهو رقم لم تكن الصحافة الأسبوعية قد جرؤت على الاقتراب منه، ويومها شاهدت حسن فؤاد يخرج إلى الشارع يتابع التوزيع، ثم يعود ليطلب منا أن نطيع مزيدا من الأعداد.. ولم يقتصر دور حسن فؤاد على إصدار المجلة، ولكنه رسم ما اتفقنا عليه من لوحات ارتفعت في شوارع القاهرة والإسكندرية... صحيح أن الذين أصدروا التحرير كانوا فريقا متجانسا ولكن حسن فؤاد كان يحمل لهم الوحى والإلهام ويوفر جوا هادنا للعمل".
نجحت "التحرير" تحريريا وأصبحت بعد أعدادها الأولى مجلة الثورة الأولى، وكان شكلها المتفرد سببا رئيسيا في هذا النجاح المدوى كانت مجلة الثورة بمثابة ثورة في الإخراج الصحفى، حملت لمسات وأفكار حسن فؤاد بداية من الغلاف، حيث فوجئ القراء في عددها الأول بغلاف لا يحمل صورة تقليدية اعتاد عليها قراء المجلات وقتها لفتاة جميلة، وإنما كان عبارة عن لوحة رسمها حسن فؤاد لمجموعة من عمال التراحيل حفاة الأقدام بجلاليبهم البالية، يحملون فؤوسهم ووجوههم المكدودة وأملهم في المستقبل.. وكان ذلك يحدث لأول مرة في تاريخ الصحافة المصرية...
وامتدت الثورة الإخراجية للصفحات الداخلية، فقد طالع القراء - بوصف الفنان محى الدين اللباد - بساطة وصراحة واختيارا ذكيا لصور ورسوم وكاريكاتير وخطوط وأشكال كلها من نوع جديد، ووظف حسن فؤاد كل هذا بذكاء وبذوق وثقافة، لإبراز توجه المجلة الفكرى والسياسي ولخلق لغة جديدة غير مكتوبة بصرية) عميقة التأثير في وجدان القارئ.
ورغم هذا الإبداع لم يكتب للتجربة أن تستمر سوى أسابيع قليلة، انتهت مع قدوم ثروت عكاشة ليتولى رئاسة تحرير "التحرير"، فترك حسن فؤاد موقعه كنوع من الالتزام الأخلاقي، وغادرها مع حمروش...
(3)
وبعد شهور قليلة من "اغتيال" نجاحه في مجلة "التحرير" قرر حسن فؤاد أن يُصدر مجلة على نفقته، يرأس تحريرها ويشرف على إخراجها، تحمل أفكاره ورؤيته وجنونه وتكون تجسيدا حيا للشعار الذي آمن به ودافع عنه وناضل من أجل رفع رايته: "الفن في سبيل الحياة"
ولذلك لا يبالغ صديقه ورفيقه صلاح حافظ عندما يصف "الغد" - مجلة حسن فؤاد - بأنها ابنته العزيزة والأثيرة :
فقد أنجب حسن فؤاد من بين ما أنجب مجلة تحمل اسمه، وتمثل أصدق تمثيل فكره وطبيعته وشخصيته... وعلى صفحاتها يمكن أن تراه وتتعرف عليه... مجلة اسمها "الغد".. أصدرها وعمره ٢٥ سنة، وأغلقتها الدولة، ثم أصدرها وعمره ٣٥ سنة وأغلقتها الدولة، ثم أصدرها قبل أن يرحل عن العالم بشهور، ورحل عن العالم وهي لم تغلق بعد.. ولم يكن إصرار حسن فؤاد على إصدار الغد - وتكرار إصدارها - صدفة، فقد كانت هذه المجلة هي النسخة
المكتوبة منه، وكانت ملامحها ملامحه، وفلسفتها فلسفته وموقفها من الفن والحياة موقفه، ولم يكن يميز بينهما سوى محل الميلاد: هو ولد فى البيت.. وهي ولدت في المطبعة !".
عن "الغد" وحسن فؤاد ورحلته المتفردة ما زال للحديث بقية.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...
الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى
ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية
أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد