«رحلة إلى الشرق القديم».. مصر وجيرانها فى 3 آلاف عام

شريف شعبان يقدمها بالقلم والصورة والخرائط المفصلة الكتاب يوضح أهمية المنطقة وبذرة الصراعات التى نعيشها حتى اليوم المؤلف استغرق 15 عامًا فى جمع المادة.. واستعان بأكثر من 600 مرجع ومصدر عربى وأجنبى

للماضى سحره الخاص، يأخذنا الفضول دائما لنسأل عن ما حدث فيه، وكيف سطر من سبقونا التاريخ.. يعيش الكثيرون فى حالة تعطش لمعرفة أحداث التاريخ وكواليسه وكيف تكونت الحضارات، ومن كانت له بصمات واضحة فى سطور التاريخ، فالشعف يحركنا تجاه المجهول. هذا ما تفهمه الكاتب والباحث التاريخى د. شريف شعبان، ليقدم كتابه "رحلة إلى الشرق القديم: مصر وجيرانها فى 3 آلاف عام" لعشاق قراءة التاريخ وفهم أسراره وحكاياته.

نحن الآن مع موعد مع رحلة خاصة عمرها أكثر من ٣ آلاف عام، سيكون المرشد لنا فيها الكاتب والباحث التاريخى د. شريف شعبان، الذى يقول: رحلة طويلة خاضتها البشرية عبر عدة محطات مفصلية فى منطقة الشرق القديم، تلك البقعة المحورية من العالم، والتى كانت مركزًا لحضارات عظمى كان لها تأثيرها العميق فى الفكر الإنسانى بالعالم كله. فتبدأ الرحلة بالجدال الدائر بين العديد من العلماء حول نشأة الحضارة والفن والكتابة، ما بين مصر وبلاد النهرين، ووجود تبادل تجارى بين الحضارتين، نتج عنه تأثير وتأثر حضارى. ثم المرور بقصة الطوفان العظيم ما بين التاريخ فى ضوء الطوفان السومرى والطوفان البابلى، وبين ذكر طوفان النبى نوح عليه السلام، فيما ذكر بالكتب المقدسة من وجهة النظر اليهودية والإسلامية.

وهنا نبدأ الرحلة، وتأتى المحطة الأولى وهى حضارة بلاد الرافدين، حيث بزوغ حضارة المدن السومرية وإمبراطورية أكد، أول إمبراطورية فى التاريخ، وتناول الأدب والفكر السومرى وتأثيره على البشرية من حيث الخط المسمارى العجيب، والفكر العقائدى لبلاد الرافدين، وأسطورة جلجامش الخالدة، وبداية التشريعات مثل ممالك إشنونا فى الشمال وأسرتى لارسا وإيسين فى الجنوب.

ثم تأتى المحطة الثانية متمثلة فى نشأة الحضارة المصرية القديمة، حيث توحيد قطرى الشمال والجنوب، وتأسيس أول حكومة مركزية فى التاريخ صاحبها تكوين الهوية المصرية القديمة من حيث اللغة والفن والفكر، ثم عصر بناة الأهرام وهو ذروة قوة الدولة المصرية إبان الدولة القديمة، يصحبها تداعيات اقتصادية وسياسية، لتصل البلاد إلى مرحلة الضعف لتسجل مصر أول ثورة اجتماعية فى التاريخ، يعقبها عودة الروح والصحوة من جديد خلال الدولة الوسطى.

أما المحطة الثالثة، وهى عودة إلى بلاد الرافدين، حيث امبراطورية بابل الأولى وظهور أحد أعظم ملوكها حمورابى، وسرد وتحليل لقوانينه الخالدة، كما تستعرض فى فصل خاص السحر وكهنة بابل ودورهم فى العقيدة والمجتمع، وسمعة السحر البابلى فى الأديان السماوية كالمسيحية والإسلام. وفى نفس الوقت نهبط إلى مصر حيث اضمحلال الدولة الوسطى وتسلل القبائل الرعوية القادمة من الشمال والشرق والتى نجحت فى السيطرة على مصر والمعروفة باسم الهكسوس، واستعراض مفردات عصرهم، بداية من الاحتلال مرورا بالمقاومة وحتى حرب التحرير على يد الملك المصرى سقنن رع وولديه كاموس وأحمس.   

وتستمر الرحلة إلى المحطة الرابعة وهى بنو إسرائيل، ورحلة الإيمان بداية من ظهور النبى إبراهيم، وارتحاله بمنطقة الشرق الأدنى ما بين بلاد الرافدين ومصر والشام والحجاز، وأولاده من بعده أنبياء الله اسماعيل وظهور الاسماعيليين ونسل العرب واسحق ويعقوب ويوسف وموسى عليهم السلام، وعلاقة بنى إسرائيل بمصر وبلاد الشام والخروج الأول، حتى تأسيس عصر القضاة بأرض كنعان. 

أما المحطة الخامسة فتستعرض عصر الإمبراطوريات الكبرى، بالشرق حيث قمة الإمبراطورية المصرية، وتوسعاتها على يد تحتمس الثالث وأمنحتب الثانى، وسيطرة أمنحتب الثالث على العالم الخارجى، ثم من بعده أولى خطوات الانحدار على يد ولده أخناتون، رغم ثورته الفكرية والدينية، وعودة الدولة فى يد قادة الجيش وأهمهم سيتى الأول وابنه الملك الأشهر رمسيس الثانى. ونمر بمرحلة حرجة حيث الحرب بين رمسيس الثانى وملوك الحيثيين، ومعركة قادش الشهيرة وما تلاها من معاهدة السلام التى تعد هى الأشهر فى تاريخ البشرية.

وتستمر الرحلة عبر المحطة السادسة حين تغير شكل العالم مع انهيار العصر البرونزى ومعه انهيار الحضارات الكبرى فى الشرق، عندما اجتاحت قبائل بربرية تعرف باسم شعوب البحر أغلب مدن العالم القديم، حتى تصدى لها الملك المصرى رمسيس الثالث، لتصمد مصر وتحافظ على دورها الريادى والحضارى من عصر الظلام. وننتقل إلى بقعة أخرى وهى تأسيس مملكة إسرائيل على يد شاؤول ومن بعده الملك داوود وولده الملك سليمان ثم التفكك، وهى الفترة التى شهدت عصر الاضمحلال الثالث لمصر القديمة، وانفصال الشمال عن الجنوب لأول مرة منذ مئات السنين، وتولى ملوك ضعاف ليسوا ذوى أصل مصرى. فى نفس الوقت ظهرت على الساحة الدولية امبراطورية هى الأقوى والأعنف، وهى امبراطورية آشور الكبرى التى سيطرت على الشرق القديم ووصلت بحدودها حتى احتلت مصر لعدة سنوات، ومع ضعفها حلت محلها الامبراطورية البابلية العظيمة، ويستعرض فصل خاص وضع اليهود السياسى والاقتصادى والثقافى فى بابل، وبداية كتابة التوراة مقارنة بوجودهم فى مصر القديمة، فى ضوء برديات إلفنتين الشهيرة. 

ثم تأتى المحطة السابعة، ومعها ينطلق الوحش الفارسى من أقصى الشرق الأدنى، مع اتحاد القبائل الفارسية وتأسيس الامبراطورية الأخمينية، لتجتاح الشرق كله، وتضع مصر ولاية ضمن ولاياتها، ليعانى المصريون القدماء مرارة الاحتلال ويشعلون نيران المقاومة والاستقلال. ويتناول فصل خاص فى هذا الباب ظهور زرادشت وحياته وفكره، والعقيدة الزرادشتية وانتشارها فى الهضبة الفارسية. وتصطدم الامبراطورية الفارسية بنجم جديد بازغ فى الغرب متمثل فى الحضارة الإغريقية، وقيام سلسلة من الحروب العنيفة بين الطرفين عرفت بالحروب اليوناينة الفارسية لتنتهى بضعف امبراطورية فارس.

وننتقل إلى المحطة الثامنة مع ظهور الإسكندر الأكبر، الذى قضى على الامبراطورية الفارسية، ويدور العالم القديم كله فى الفلك الإغريقى، من حيث الفكر واللغة والتقاليد ويتحول ميزان القوى نحو الغرب، بعد انقسام دولة الإسكندر بين قادته وتقسيم إرثه إلى مملكة البطالمة فى مصر، والسلوقيين فى الشام، وبلاد الرافدين وفارس، ومملكة الانتيجونيين فى الأناضول، فى الوقت الذى تتأسس فيه امبراطورية غربية قوية وهى حضارة قرطاج صاحبة القوة الاقتصادية والعسكرية المهيبة. وتصطدم قرطاج بالقوى الناشئة فى أوروبا، وهى روما، حيث خاضتا ثلاثة حروب طاحنة عرفت بالحروب البونيقية، ظهر خلالها القائد القرطاجى الشهير حنبعل. وتنتهى تلك الحروب بانتصار روما وسيطرتها على غرب البحر المتوسط، مع ضعف ممالك شرق المتوسط، لتنجح روما فى القضاء عليها وجعل العالم كله رومانيا. 

وفى بقعة موازية، تنتقل رياح الحضارة نحو الجزيرة العربية، حيث حضارة مدينة ددان أو لحيان، وحضارة الأنباط، ومن بعدهم تدمر، وصدامها مع الرومان، وظهور الملكة زنوبيا الشهيرة واحتلالها لمصر.

ثم حطت الرحلة إلى محطتها الأخيرة مع ظهور المسيحية وصدامها مع الدولة الرومانية الوثنية، وانتصارها فى عهد الامبراطور قسطنطين، وتحول الدولة الرومانية إلى الطابع المسيحى، ثم انقسامها بين غربية لاتينية وبيزنطية شرقية، لتنهار دولة الغرب على يد قبائل القوط البربرية، بينما تبقى الامبراطورية البيزنطية وحيدة بالشرق، لتواجه انقساما كنسيا بين التيار اليعقوبى متمثلا فى مصر والشام وأرمينيا، والتيار الملكانى أو النسطورى فى القسطنطينية.

لم يكن هذا هو الصراع الوحيد الذى صدم الدولة البيزنطية، ففى بقعة موازية تواجه تلك الدولة امبراطورية قديمة جديدة، وهى الدولة الفارسية الساسانية، ليدخل العالم من جديد فى مواجهة بين الشرق والغرب أو الفرس والروم، فى عدة حروب تحمل الطابع الدينى، وخاصة فى الجزيرة العربية باعتبارها مسرحا مصغرا للعالم القديم، وظهور دولتى الغساسنة والمناذرة بأطراف الجزيرة العربية، وانتشار اليهودية والمسيحية، والاجتياح الساسانى للشرق بما فيه مصر، واحتلالها طيلة 10 سنوات، فى الوقت الذى استقطبت فيه الدولة البيزنطية ودولة الحبشة حضارة اليمن القديم وأبرهة الأشرم، وتعود الدولة البيزنطية فى الانتصار بالشرق. لتنتهى الرحلة بظهور دعوة الإسلام فى الجزيرة العربية، ومعه ينتهى العصر القديم وتبدأ العصور الوسطى.

ويوضح المؤلف أنه تتجلى أهمية تاريخ الشرق لاستقباله ذروة الفكر الإنسانى، متمثلا فى الفلسفة وسن القوانين ورحلة الإيمان بالعقائد الوضعية، ثم الرسالات السماوية، وهو ما كان له أثره فى وجدان العالم وفكره. لذلك جاء هذا العمل الموسوعى وهو الأول والأكبر من نوعه بالمكتبة العربية لسرد قصة تاريخ الشرق القديم، منذ الألف الرابع قبل الميلاد وعبر رحلة تمتد نحو ثلاثة آلاف عام وأكثر، بالقلم والصورة والخرائط المفصلة على مساحة أكثر من 400 صفحة والاستعانة بما يزيد على 600 مرجع ومصدر عربى وأجنبى متضمنة تعريفات من الشرق الأدنى القديم وقائمة لكل ملوك وأباطرة الشرق الأدنى القديم وخط زمنى محتمل لأحداث الشرق الأدنى القديم، لتعرف الأجيال القادمة أهمية تلك الأرض وما مر عليها من حضارات عظمى، وبذرة صراعات المنطقة التى نعيشها حتى اليوم.

ويقول د. شعبان: استغرقت فى كتابة هذا العمل الموسوعى نحو عام ونصف العام، بينما قضيت فى جمع المادة العلمية نحو 15 عاما، حيث الاعتماد على العديد من المصادر والمراجع، والتنقل بين المكتبات المتخصصة والمعاهد الثقافية والكتب النادرة على الإنترنت. وقد استوحيت هذا العمل من موسوعة قصة الحضارة للمؤرخ الأمريكى ويل ديورانت، وموسوعة مختصر دراسة للتاريخ للمؤرخ الإنجليزى أرنولد توينبى، حيث وجدت أن المكتبة العربية ينقصها عمل عربى أصيل يتناول تاريخ الشرق الأدنى كله، وأردت أن يكون العمل فى عدة مجلدات، ولكن إشفاقا على القارئ العربى من حيث ارتفاع التكلفة والحجم تم ضغط العمل إلى مجلد واحد مكثف. وكان لى الحظ بأن أكون المراجع التاريخى للعمل الوثائقى "أم الدنيا" الموسم الثانى من إنتاج شبكة WATCH IT  فوجدت تقاربا فى المعلومات بين العملين، وهو ما زاد حماسى فى إنتاج الكتاب، لتكون المعلومة لدى المتلقى مرئية ومكتوبة.  

 	 سارة جمال

سارة جمال

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - صلاة الطفولة

  ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...

سهيلة الرملى: «اتكلمى» ركزت على المسكـوت عنه فى كتب التاريخ

الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى

«السيد فى حقل الأدب».. شهادات وقـراءات كاشفة لعالم صبرى موسى

ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية

خالد أمين: وقعت فى غرام الـرعب والغموض

أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد