«منتصف الليل فى القاهرة»: التاريخ كما يكتبه صُناع المزاج!

رشيد رضا يكتب عن «الحانة الإسلامية» الوحيدة فى مصر لماذا تدخلت هدى شعراوى لتحرم ابنها من طفلته وأمها فاطمة رشدى قصة المايوه الساخن الذى دفع طلعت حرب لطرد «روزا اليوسف» من فرقته المسرحية

أعتقد أن كتاب رفاييل كورماك "منتصف الليل فى القاهرة.. نجمات مصر فى العشرينات الصاخبة" لا يسد ـ فقط ـ فجوة واسعة فى تاريخنا الثقافى المصرى، بشأن لحظة تغيّر اجتماعى وسياسى حاسمة فى تاريخنا، عاشتها الثقافة المصرية ـ أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين ـ لكنه يجيب على أسئلة كثيرة عن تلك الفترة التى لم نستطع أبداً أن نتخلص من آثارها حتى اليوم، ربما لأننا لم نتمكن من فهمها على الوجه الصحيح.

على أن الظروف شاءت أن يأتى "رفاييل كورماك" الحاصل على الدكتوراه فى المسرح المصرى من جامعة "أدنبرة" الشهيرة فى اسكتلندا، والذى يعمل حالياً باحثاً زائراً فى جامعة كولومبيا، ليكتب لنا هذا الجزء الضائع من ماضينا، مستغلاً فى ذلك أرشيف الصحف والمجلات الأجنبية التى كانت تصدر فى مصر أوائل القرن، ومستطلعاً مذكرات كثير من الفنانين الأجانب عن حياتهم الفنية فى مصر، ليلفت أنظارنا إلى تلك الصفحات المجهولة من حياتنا الليلية، التى لا يحب كثيرٌ من مثقفينا "المحافظين" الإشارة إليها أو الاهتمام بها، كأنها لعنة يجب أن نداريها أو خطأ يجب أن نتستّر عليه، لكنه يبقى فى الحقيقة ماضينا، الذى يعتبر جزءاً لا يتجزّأ من تكويننا وعلينا أن نتوقف طويلاً أمامه، سواء شئنا ذلك أم أبينا.

وربما بسبب كل ذلك، قلّت أو انعدمت الكتاباتُ التى تسجِّل وتحلل أفراحَ المصريين وأتراحَهم، تجاه متغير كبير مثل "دخول جيوش الاستعمار البريطانى أرض مصر" العام 1882، على خلفية اندلاع ثورة كبرى هى "الثورة العرابية"، إحدى حركات التحرر المجتمعى الكبرى فى تاريخ العالم الحديث، والتى لم تأخذ بدورها حقها من الدرس والتحليل، حتى أن القوى التى عادث الثورة العرابية أطلقت عليها "هوجة عرابى" للتقليل من شأنها ولتضليل الرأى العام المصرى بشأن واحدة من اللحظات الخالدة التى يستحق كل مصرى أن يفخر بها، فقد كانت "ثورة عرابى" تمهيداً مثالياً وفذاً لحراك اجتماعى أشمل وأنجح، وقع بعدها بأكثر من ثلاثة عقود وعُرف باسم "ثورة 1919".

على أن المؤلف اختار فى كتابه "منتصف الليل فى القاهرة" ـ الصادر عن دار "كتب خان" بترجمة علاء الدين محمود ـ أن يكتب قصتين لا قصة واحدة الأولى: قصة "حى الأزبكية" فى وسط القاهرة، الذى بنى فيه نابليون بونابرت 1798 مسرحاً مؤقتاً للترفيه عن جنود "الحملة الفرنسية" بعروض من بينها "موت قيصر" لفولتير، لكنه لا يكتب فقط عن حى شهير من أحياء الملاهى الليلية والمراقص ومحلات "الضوء الأحمر"، أما القصة الثانية فهى عن كفاح "الحركة النسوية المصرية" من زاوية المرأة نفسِها، وعبر الاستماع إلى حكايات وأصوات فنانات عملن فى مختلف مجالات إبداعية شتى، وأسَّسن لفنون المسرح والسينما والغناء، مثل منيرة المهدية، وشفيقة القبطية، وروزا اليوسف، وأم كلثوم وفاطمة رشدى وبديعة مصابنى وتحية كاريوكا وغيرهن.

يذكرنا الكاتب أن أحداً لم يُنتصت إلى مشوار الفنانات الأوائل الصعب، حيث كن يحاولن فى هذا الزمن المبكر ـ الذى يعتبر أواخر العصور الوسطى ـ صياغة رؤية جديدة للمرأة خصوصاً العاملة فى مجالات الفن، مدافعات عن أدوارهن فى المجتمع ولا يخجلن من عملهن، وقد حاول المؤلف تقديم صورة غير تقليدية عن تلك الفنانات، باعتبارهن متمردات يتحدين المجتمع، وينخرطن فى علاقات الحب العابرة والحفلات الصاخبة"، بغية "إظهار مدى حجم تأثيرهن على تيار التنوير بشكل عام والفن بشكل خاص فى مصر".

يروى الكاتب قصة "حى الأزبكية" بوصفه مجتمعاً كوزموبوليتانياً متعدد الطوائف والأعراق، والذى مر بتغير كبير بعد الانهيار الاقتصادى لأوربا الذى أعقب الحرب العالمية الأولى، الأمر الذى جعل كثيراً من المغامرين والمغامرات الأوربيات يندفعن للبحث عن فــرصة نجــاح فــى مصــر، وكــان حى الأزبكية هو المرفأ والملاذ.

 صالة ألدورادو

وعلى عكس تاريخ النسوية المصرية التقليدى بناشطاته المعروفة أوائل القرن العشرين، وبرموزه من النساء القادمات من خلفيات الطبقة المتوسطة والعليا، يعتقد الكاتب محقاً أنه كان هناك تاريخ آخر للنسوية المصرية يُكتب فى الملاهى الليلية والمسارح والكباريهات فى القاهرة، وأنه فى العادة لا ينظر إلى الحركة النسوية المصرية من منظور مغنيات التياترات وراقصتها وممثلاتها، يقول: "عاش هؤلاء على هوامش ما تسمى بالآداب العامة، ولا يكاد أى شخص يرى نفسها محترماً يرغب أن يرتبط بهن، أو يُحسب عليهن فى العلن".

يلفت الكاتب إلى التحديات التى خضنها، فقد كان أمامهن الكثير ليقاتلن ضده، من رفض المجتمع المحافظ لهن، إلى الرجال الذين اعتقدوا أنهم يستطيعون فعل ما يريدونه مع ممثلة أو مغنية فى ملهى ليلى، لكن المحظوظات منهن اللائى استطعن شق طريق لهن عبر هذا العالم حققن استقلالية ومالية كبيرة.

فى المقابل، حظيت بعض المغنيات بجماهيرية كبيرة، وكان الطلب كبيراً على الممثلات، وامتلكت النساء صالات للرقص وكتبن وأخرجن الأفلام وسجلن الأغانى الناحجة، وفى 1915 أى قبل ثمانى سنوات من تأسيس الاتحاد النسوى المصرى شكلت المغنية والممثلة منيرة المهدية فرقتها المسرحية. وبالتالى يقول الكاتب:

"يستحيل سرد تاريخ الثقافة المصرى بل تاريخ مصر نفسها بدونهن، اخترن ما سيؤدينه لمصر التى أردن إظهارها، هذه قصة حركة نسائية موازية، حدثت فى طبقة النساء المشبوهات، فى وقت متأخر من الليل بعد أن خَلَد نقاد الطبقة العليا إلى النوم".

فى كثيرٍ من صفحات الكتاب وقصصه المثيرة إشاراتٌ واضحة إلى معاناة الفنانات من النظرة التقليدية القديمة المزدرية لهن، وقدرتهن المفاوتة على مقاومة هذه النظرة، فكثير من ممثلات المسرح الأوائل مطلع القرن العشرين فى مصر رفضن أن يعاملن باستخفاف، أو أنهن من فئة "العوالم"، فقد كن صاحبات مواقف بطولية ووطنية، وقد كافحن لترسيخ المسرح فى الوجدان المصرى، وفى الفصل الأول "أنا سكرانة.. لامؤاخذة" يتوقف أمام حياة ممثلة تكاد تكون غير معروفة بالنسبة إلينا الآن هى "مريم سماط"، التى نشرت الأهرام عام 1915 سيرتها الذاتية، وقد كانت واحدة من أكبر نجمات أوائل المسرح المصرى، ومنهن: لبيبة مانولى وميليا ديان و"الاختين ستاتى" وإبريز وألمظ. كما يشير إلى صالة رقص شهيرة وذائعة الصيت فى الأزبكية أواخر القرن التاسع عشر هى "صالة ألدورادو"، التى كانت تضم من نوع الراقصات بعضاً ممن حكى عنهن الرحالة البريطانى ادوارد لين، الذى زار مصر خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر وكتب عنها فى كتابه "المصريون المحدثون.. عاداتهم وتقاليدهم".

فى فصل بعنوان "لو لم أكن سيدةً لوددت أن أكون سيدة" يحكى الكاتب قصة كفاح فنانة شُجاعة مثل روز اليوسف ـ صاحبة العبارة السابقة ـ ضد نظرة الازدراء التقليدية المحافظة للفنانات، وقد كانت روز واحدة من المشاغبات فى زمن مبكر جداً مطلع القرن العشرين، حيث عملت ممثلة فى فرق عدة قبل أن تنضم لفرقة مسرحية ينفق عليها السياسى القومى المحافظ والاقتصادى طلعت باشا حرب، وفى زيارة الفرقة للإسكندرية لتقديم بعض العروض قررت روزاليوسف ارتداء المايوه للسباحة خلال أوقات الراحة، لكن المعضلة التى عانت منها هى أن طلعت حرب صُدم حين رأى بعينيه إحدى عضوات الفرقة ترتدى المايوه، فما كان منه إلا أن انفعل وقرر تعنيفها مهدداً إياها بالطرد من الفرقة، ورغم أن بعض أعضاء الفرقة حاول تهدئة الموقف، إلا أن روز العنيدة رفضت الاعتذار، وخرجت من الفرقة فوراً، بل وظلت تنزل البحر بالمايوه لعدة أيام ـ على نفقتها الخاصة ـ وعلى مرآى من طلعت حرب نفسه لإغاظته.

 الحانة الإسلامية

الأمر الأكثر فداحة فى هذا الكتاب أن تكون المرأة ـ لا الرجل ـ هى عدوة المرأة الأولى، وأن تكون هذه المرأة هى نفسها صاحبة الشعارات المدافعة عن النساء، وهو ما نراه فى فصل بعنوان "المغنية والبيبى والبيه"، وهى قصة تمتلىء بالمواعظ حدثت مع نجمة هذا الزمن فاطمة رشدى، وتحكى عن تعارض المصالح بين النسوية الشهيرة هدى شعراوى والمغنية الشابة فى ذلك الوقت، حينما أحب محمد بيه شعراوى نجل المناضلة النسوية فاطمة رشدى، وظل لشهور يطاردها فى المسارح ويتقرب إليها، إلى أن استطاع أن يملأ قلبها، وهى علاقة ستمتد إلى أن تصبح زواجاً يسفر عن وجود طفلة تدعى "ليلى"، ثم تتحول العلاقة إلى عداء حاد ودعوى قضائية، طالبت فيها فاطمة ابن الحسب والنسب بسداد النفقة، فقد كانت أسرة شعراوى ترفض زواج ابنها من مُغنية، واعتقدت فاطمة ابنة الأسرة البسيطة أن النسوية هدى شعراوى شجَّعت ابنها على ترك أم طفلته، واستبدالهما باحتضان طبقته. يقول الكاتب: "كانت هدى شعراوى مناضلة مشهورة من أجل حقوق المرأة لكنها كانت نتاج طبقة تنظر بازدراء للنساء فى مجال الترفيه".

فى الفصل المخصص لـ "كازينو مدام بديعة" إشارة إلى الراقصة ومغنية التياترات الليلية "توحيدة"، والتى امتازت منذ أواخر القرن التاسع عشر بأنها صاغت تراثاً موسيقياً عربياً كلاسيكياً لنفسها، من خلال إخبار الناس بأنها "رغم كونها مسيحية لكن أصولها تنحدر من الرازى "أبو بَكر مُحَمَّد بن يَحْيَى بن زَكَرِيّا الرَّازِيّ" الطبيب والفيلسوف والكيميائى المسلم ذى الأصول الفارسية، وتلك مفارقة مدهشة جداً لو كانت المعلومة صحيحة بالفعل.

استطالت النظرة التقليدية المزدرية للفنانات حتى وصلت إلى السينما، فى النصف الثانى من عشرينيات القرن العشرين، وفى فصل بعنوان "ايزيس فيلم" أشار الكاتب إلى الأصول الأرستقراطية للنجمة الشابة أواخر العشرينيات بهيجة حافظ، التى شاءت الأقدار المتعاكسة أن تلعب هى بالذات دور فلاحة مصرية فى أول عمل سينمائى روائى طويل، على الرغم من أصولها الأرستقراطية وإجادتها اللغتين الفرنسية والتركية، وأقصد هنا النسخة الأولى لفيلم "زينب" 1930 الصامت، للمخرج محمد كريم، الذى اعترف بدوره فى مذكراته أنه حينما اختار قرية مصرية لتكون مكاناً ملائماً للتصوير كانت تلك هى المرة الأولى له التى يرى فيه بعينيه قرية مصرية، بينما كانت الممثلة بهيجة حافظ لا تستطيع نطق كثير من الكلمات بالعربية فى فيلم "أولاد الذوات" مع الفنان يوسف وهبى، والذى طردها كمنتج من الفيلم لهذا السبب، لكن ذلك لم يمنع بهيجة حافظ من مواصلة التحدى واستكمال عملها بالسينما، حتى أنها سرعان ما افتتحت شركة انتاج سينمائى خاصة "المنار فيلم" وبدأت تنتج أفلاماً باسمها.

ولكى نفهم السياق الذى نمت فيه هذه النظرة المزدرية للنساء فى مجال الترفيه، لا ينسى الكاتب الإشارة إلى دور البارات والمقاهى فى دعم الأنشطة الفنية لفرق مسرحية فى "حى الأزبكية"، خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن التاسع عشر، حيث كان لعب القمار من أشهر الهوايات الجديدة لتمضية الوقت، وكانت الصحافة مليئة بالقصص والتحذيرات عن الأشخاص الذين فقدوا أموالاً طائلة بعد قضاء ليالٍ ممتعة فى الأزبكية، حتى إن البعض كتب قصائد يحث الناس فيها على عدم الإلقاء بأموالهم فى ملذات حياة الليل:

كثير شاهدنا من أعيان

كانوا عُمد وأصحاب شُهره

رهنو العقارات والأطيان

والخَبْص صبَّحــــــــهم فقرا

ياما عُمد باعوا الأملاك

وتمنــــــها راح فى خراره

صرفوا على شرب الكونياك

وفى الملاهى يا خسارة.

لكن أغرب ما يرويه الكتاب عن بارات مصر قبل مائة عام، هو ما رواه نقلاً عن الباحث الإسلامى رشيد رضا فى مجلته الدينية "المنار"، حيث نشر فى 5 أغسطس عام 1902 قصةً غريبةً زعم فيها أنه مر بحانة وصفت نفسها بأنها "الحانة الإسلامية الوحيدة" فى مصر. خارج الحانة رأى رجلاً يشرب نخب القطب الصوفى الشهير "السيد البدوى"، وعندما سأل رضا الرجل إذا كــان الـــرسول قــد أمــره بفعل هذا، فأجاب الرجل: "هو يغفر لى".

 	محمود خير الله

محمود خير الله

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - صلاة الطفولة

  ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...

سهيلة الرملى: «اتكلمى» ركزت على المسكـوت عنه فى كتب التاريخ

الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى

«السيد فى حقل الأدب».. شهادات وقـراءات كاشفة لعالم صبرى موسى

ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية

خالد أمين: وقعت فى غرام الـرعب والغموض

أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد