على كل باحث أن يخلع انتماءاته قبل البحث / فى بلاد الشرق لا يتعلم الناس من الماضى / أستبشع ما يفتخر به البعض فى تاريخنا الحديث
"أنصح الشباب بقراءة الأغيار والخصوم، ورفض تصور أننا كنا دائما على صواب"، بهذه الكلمات عبر الكاتب والروائى والمترجم مصطفى عبيد فى حواره عن ما يكتبه وما يترجمه من كتب نالت حظا كبيرا من الشيوع، وهى تحمل جودة وصدقا، بل مدرسة من الموضوعية والتدقيق يجسدها مصطفى عبيد.
ما سر انشغالك بالتاريخ عموما؟ ولِمَ الكتابة عن التاريخ الاجتماعى للعائلات؟
التاريخ هو سيرة الإنسان عموما. ما يفعله وما سيفعله هو تتابع طبيعى لما فعله مسبقا. لا شىء ينبت من العدم. كل فعل آنى مبنى على فعل سابق، وكل ما نراه ونسمعه ونعيشه هو تتابع لما سبق أن رآه وعايشه آخرون سبقونا، فتلك مسيرة البشرية حتى تزول الأرض. أجيال وراء أجيال تعيش وتتفاعل وتعمل وتتفق وتختلف وتتصارع. من هنا فإن التاريخ محاولة لتفكيك الحاضر، واستقراء المستقبل. وفى بلاد الشرق عموما لا يتعلم الناس من الماضى، لذا فإن التاريخ يُكرر نفسه دوما، وكثير من الأحداث الكبرى تمر علينا شبيهة بأحداث كبرى سابقات، ولا تتبدل سوى الأسماء. وهذا ما جعلنى أنشغل بالتاريخ عموما. صحيح أن الماضى مضى، وأن علينا أن ننساه لأننا لا نملك تغييره، لكن ينبغى أن نتعلم منه لما هو قادم.
وبالنسبة للتاريخ الاجتماعى فهو غائب تماما عن بلادنا. لأننا لو ذكرنا كلمة تاريخ لأى شخص وطلبنا منه أن يقول ما تستدعيه ذاكرته لحدثنا عن محمد على، وجمال عبد الناصر وسعد زغلول. فما يذكره الناس هو التاريخ السياسى فقط، أى تاريخ السلطة، لكن تاريخ العامة، الشعب، منسى كما هو الحال فى حاضرهم، لا يلتفت إليه كثيرون. إننا مثلا لا نعرف شيئا عن أساليب الغرام السائدة لدى المصريين فى عام 1900، لا نعرف كيف كان الناس يتفاكهون سنة 1850، ليس لدينا صور حقيقية عن حزن البشر فى القاهرة سنة 1870 أو 1880، ليس لدينا ذكر لرؤى الناس للفن والثقافة سنة 1920. ما كُتب وتُرك لدينا هو تاريخ السلطة ونحن فى حاجة لتاريخ الشعب، والعامة. وقطعا تاريخ العائلات جزء من التاريخ الاجتماعى لمصر، وهذا ما حفزنى لإنجاز دراسة مبدئية عن واحدة من العائلات العريقة فى مصر، وهى عائلة محيى الدين، والتى أنجبت رغم عدم ثرائها عددا كبيرا من الوزراء والساسة.
هل التاريخ يحتاج إلى إعادة قراءة؟
ليس التاريخ وحده. كل شىء حولنا ولدينا يحتاج إعادة قراءة، الدين والفلسفة والسياسة. إننا فى حاجة ماسة لحراك، ومراجعات، وافتراضات جديدة. وما لم نفعل فإننا لن نبارح ما نحن فيه من تأخر وتخلف وسكون. التاريخ مزور. هذا حكم صحيح، لكنه خطأ أيضا. لأنه لا توجد رواية واحدة فى التاريخ. كل شىء قابل لإعادة الطرح، وإعادة الاستقراء، وإعادة التفكير. لا يُمكن لأمة أن تتقدم وهى تفعل ما فعله السابقون، وتقرأ مثلما قرأوا، وتفترض الافتراضات ذاتها. إن علينا أن نفكر بطرق جديدة. ليس فى التاريخ فقط، وإنما فى كل أمر.
"أبناء محيى الدين" لماذا اخترت هذه العائلة تحديدا للكتابة عنها؟
أبناء محيى الدين فؤاد، أحدث كتبى البحثية، ويتناول تاريخ عائلة محيى الدين منذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى وقتنا الحاضر. واخترت هذه العائلة للكتابة عنها لعدة أسباب: أولا هى العائلة الوحيدة فى مصر التى خرج منها رئيسا وزراء هما زكريا محيى الدين وفؤاد محيى الدين، والوحيدة التى أخرجت وزراء للداخلية والصحة والحكم المحلى والاستثمار والتعليم العالى والبحث العلمى، كما أخرجت عُمدا ونوابا بالبرلمان ومفكرين اقتصاديين وغير ذلك، رغم أنها ليست عائلة ثرية.
ثانيا صعود العائلة اجتماعيا وسياسيا ارتبط بصعود طبقة جديدة من المصريين فى نهايات القرن التاسع عشر الميلادى، لا تنتمى إلى رجال السلطة، وذلك بفضل مهارة بعض الأفراد مثل الرجل المؤسس محيى الدين فؤاد الذى كان تاجرا بسيطا، لكنه استفاد من تجارة القطن وبرع فيها وصعد مع ميلاد سمعة القطن المصرى عالميا وأسس عائلة ضخمة، وعلم أبناءه بالخارج، مبدلا حاله الاجتماعى فى زمن شديد الصعوبة.
ثالثا: هذه العائلة ارتبطت ارتباطا غريبا بتحول هام ودرامى فى تاريخ مصر الحديث وهو ما حدث فى ثورة يوليو 1952، ذلك أن اثنين من أعضاء مجلس قيادة الثورة أو الحركة الجديدة ينتميان للعائلة، ورغم ذلك كانا من المتحفظين والناقدين لكثير مما شهده التحول من سقطات.
أيضا التاريخ عمود من أعمدة أعمالك الروائية والمترجمة.. لماذا؟
لأن التاريخ هو رواية الروايات. ففيه حكايات لا تنتهى، مُدهشة، وعجيبة، ومعلمة، وكثيرا ما يتجاوز الواقع الحقيقى حدود الخيال فى بلادنا. أما أعمالى المترجمة فإنها تنطلق من فكرة إتاحة علم وطرح جديد للبشر من خلال نص ما لم يعرفه قراء العربية. وهذا لإيمانى المطلق بأننى كاتب ميت لم يعلن بعد نبأ وفاته، وأن عليّ أن أترك شيئا ينتفع به باحث ما أو طالب معرفة، وأنه كلما كان ما أتركه مفيدا ونافعا، فإننى أقاوم موتى الحتمى.
اكشف لنا عن بدايتك مع القراءة كقارئ وتأثير التنشئة على حبك لها؟
أنتمى لأسرة متوسطة اهتم عائلها بالعلم كونه أستاذا جامعيا، وولدت ولدينا مكتبة كبيرة فى البيت أدهشتنى. لكن مثل كثير من العائلات التى تمتلك مكتبة، كان معظم الكتب دينية وموسوعات علمية، ونمت لدىّ الرغبة فى المخالفة، وبدأت القراءة مبكرا وأنا طالب بالابتدائى، وكانت كتب مصطفى محمود تمثل الاختلاف الواضح عن كتب المكتبة العائلية، وكنت أشتريها من سور الأزبكية بوسط القاهرة، ثم فتح لى مصطفى محمود الباب لأعرف أن هناك مسرحيات وروايات وكتب فلسفة، فتمردت على كتاباته وانتقدتها، وقرأت نجيب محفوظ، إحسان عبد القدوس، مصطفى أمين، ثُم هيكل، والعقاد، ثم شعرت أن هناك حاجة ماسة لقراءة العالم، فقرأت تشارلز ديكنز، وليم شكسبير، وإليوت، ثم تعرفت على ماركيز وأنا فى الجامعة، وفتنت به. وتوالت الزيارات للمفكرين والمبدعين وتطور التفاعل.
أعمالك المترجمة تعد كشفا تاريخيا أيضا.. فكيف تختار أعمالا بعينها لترجمتها؟
أركز على الإشارات المعنية بمصر فيما يكتبه الآخرون عنها، وأقرأ باللغة الإنجليزية، لذا فإن بعض النصوص تُدهشنى وتدفعنى لطرح السؤال المهم: لماذا لا تتاح هذه النصوص للقراء بالعربية. فيما يخص مذكرات توماس راسل، كنت أبحث عن مادة مكتوبة عن الأوضاع الاجتماعية فى مصر بدايات القرن العشرين، لأننى كنت أكتب رواية "ليل المحروسة" وفيها إشارات لذلك الوقت، وصدمت من قوة وفرادة الشهادة المقدمة من توماس راسل، واندهشت أنها لم تترجم رغم مرور أكثر من سبعين سنة على صدورها. وقررت القيام بذلك.
وبشكل مشابه، كنت أقرأ عن جريمة ريا وسكينة وعرفت أن سيدنى سميث طبيب التشريح الإنجليزى هو الذى كتب تقارير تشريح جثث الضحايا، ثم وجدت اسمه يتكرر فى حكايات مصطفى أمين عن ثورة 1919، باعتباره الطبيب الذى قام بتشريح جثمان السير لى ستاك سنة 1924، وبحثت عن سيرته، وفوجئت أنه كتبها قبل ستين عاما فى كتاب بعنوان "على الأرجح قتل"، وبحثت عنه وجاءت المفاجأة مفرحة كما توقعت، حيث تضمن حكايات مثيرة وشهادات غائبة.
"لا تكتب التاريخ شعرا فالسلاح هو المؤرخ" ما رأيك فى تلك المقولة؟
هذا بيت شعر فاتن للشاعر العظيم محمود درويش، وأنا مُتيم بدرويش وغزله الساحر للغة، وأراه أجدر من كتب بالعربية فى العصر الحديث. وهنا فإنه يريد أن يقول إن التاريخ يكتبه الأقوياء، والسلاح هو المؤرخ، لأن من ينتصر يفرض روايته. لكنى أتصور أن ذلك حكم شاعرى وعاطفى وانفعالى، لأن هناك حركات لإعادة كتابة التاريخ فى كافة دول العالم، وفى إسرائيل نفسها نشأت قبل عقدين أو أقل قليلا حركة لإعادة كتابة التاريخ، كان أحد رموزها المفكر الإسرائيلى إيلان بابيه، والذى دحض الرواية الإسرائيلية الرسمية عن تأسيس الدولة، وأعاد بعث وثائق مستبعدة تكشف اغتصاب إسرائيل للأرض وتأسيس الدولة الصهيونية على جثث الفلسطينيين.
كيف تقرأ التاريخ؟
أقرأ التاريخ بشكل معاكس، بمعنى أن أفترض أن ما حدث لم يحدث، وأتخيل نتائج ذلك، وغالبا أهتم بالمراجع الأجنبية والمستبعدة، إما لأنها بلغة أخرى أو لأنها تمثل رأى الخصم. وأتصور أن أى باحث تاريخى عليه أن يقاوم الفكرة الأساسية الحاكمة لكثير من كتاباتنا التاريخية، وهى افتراض أننا دوما كنا الأخيار، أو كنا على صواب. كل باحث موضوعى يجب أن يخلع إنتماءه تماما، وتماما هنا تعنى الإنتماء الوطنى، والعرقى، والدينى عند استقراء أمر ما. لذا، أستبشع ما يفتخر به البعض فى تاريخ مصر الحديث مثل مذابح محمد على للوهابيين فى الحجاز، وقمعه للثورات فى الشام، واستعباده للبشر باسم مصر فى السودان. كما أتصور أن تورط مصر فى حرب اليمن لنصرة انقلاب ضد الحكم فى الستينات كان جريمة إنسانية يجب التبرؤ من كل المتورطين فيها.
هل الصحافة ساعدتك كروائى ومترجم أم العكس؟
الصحافة يسرت كثيرا من أساليب البحث، وساهمت فى صناعة علاقات قوية بشهود جدد، وأثرت ثقافتى ونفعتنى كثيرا.
كيف تختار ما تقرأ؟ وهل لديك روشتة خاصة للقارئ المبتدئ؟
أحب الأدب انطلاقا من محبتى للغة، وأحب التاريخ انطلاقا من اهتمامى بالحاضر والمستقبل. كما أحب الشعر والفن والفلسفة والسير. الآن، ومع تقدم السن، أحاول دائما أن أقتصد فى قراءاتى استثمارا للوقت. ومع ذلك لا أستطيع أن أتجاهل ما يقدمه أصدقائى، فللصداقة ألف حق وحق. وأتصور أن كل كتاب مفيد ومهم، لكن علينا أن ننظم قراءتنا بما ينفع، فإن قرأنا مثلا عن حدث ما من طرف معين، فإن علينا تعلم نقده، وهذا لا يتأتى إلا من خلال قراءة الأطراف الأخرى، وكثيرا ما أنصح الباحثين الشباب بقراءة الآخرين. أقول لهم دوما: اقرأوا الأغيار. اقرأوا الخصوم. انظروا للطرف الآخر. فليس من الصواب أن نفترض أننا كنا نحن الصائبين. علينا تعلم أن العالم أرحب من حدود مدينتنا. هناك أجناس أخرى وأقوام أخرى، وثقافات أخرى، والتطور التكنولوجى فتح لنا طاقات نور عظيمة وأزال حواجز وحدودا ويسر لنا الاطلاع على الآخرين وهذا ما نحتاج إليه.
رحلتك من الشعر إلى الرواية كيف بدأت؟ وهل نعيش عصر الرواية؟
نعيش عصر الرواية حتى خارج الرواية. فالسير العظيمة هى التى تروى لنا حكايات عظيمة. والعلوم التجريبية ذاتها أصبحت الآن تعتمد على الحكاية بشكل كبير. أتصور أن الدنيا مجموعة حكايات مثلما هو الحال فى السياسة حكايات وحكايات. ولم يكن انتقالى من الشعر إلى الكتابات النثرية سوى عن إيمان حقيقى بضعف كفاءتى الفنية، فلقد تعلمت النقد مبكرا، وكنت ومازلت أنقد سلوكى وفكرى ونفسى كل حين، وأشعر أننى فى حاجة دائمة لمراجعة وتغيير. وأتصور الآن أن ما كتبته من شعر كان أشبه بنظم موسيقى أقل من العادى، حتى أننى لا أذكر منه سوى أبيات قليلة ما زالت عالقة فى الذاكرة. والآن أتصور أن هناك شعراء كبارا غاصوا فى المعانى، ونحتوا اللغة، ورسموا لنا جمالا أعظم وأطيب من مجرد النظم التقليدى، ويبهروننى دائما بما يكتبون.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
شارك الباحث عبدالبصير حسن عبدالباقي، المحرر والمترجم السابق بالإذاعة المصرية، وكبير مراسلين في بي بي سي عربي بالقاهرة حاليًا، والحاصل...
نظمت مجلة علاء الدين، ندوة حول مناقشة التأثيرات المتزايدة لإعلام الإنترنت على سلوكيات النشء، وسبل حماية الأطفال من المحتوى المضلل...
ربما تبدو الصورة للوهلة الأولى غامضة، ربما ستحتاج للحظات إلى أن تستوضحتفاصيلها وطبيعة الكتلة التي تتوسطها، لكنك فور أن تفعل،...
شخصيات لها تاريخ «92» من مواليد مدينة ليون فى فرنسا وحارب تحت قيادة نابليون بونابرت ومنحه رتبة الملازم ثانٍ تقديراً...