شخصيات لها تاريخ «19» رفاعة الطهطاوى.. مهندس النهضة فى عصر محمد على

وضع القواعد والأسس للصحافة والترجمة والقوانين والتربية الحديثة

الشيخ رفاعة رافع الطهطاوى، هو رائد النهضة وباعث التقدم وصوت العلم والمعرفة والمثقف الكبير والمعلم، فى عصر محمد على، هو الذى كتب فى كل مجال، ووضع أساس كل علم حديث، وهو الأب الروحى للجماعة الثقافية المصرية، وهو الذى كتب وترجم كل العلوم النافعة فى عصره، وكان موهوبا بين أبناء جيله، فاختاره شيخه "حسن العطار" ليكون إماماً وخطيباً، فى الجيش المصرى، وهو من رشحه للسفر إلى فرنسا، ضمن البعثة التى أرسلها محمد على، وبلغ عدد أفرادها أربعين، وكانت مهمة الشيخ رفاعة هى الصلاة بهم إماماً، ووعظهم العظات الدينية، لكن نبوغه جعله يدرس اللغة الفرنسية، فأصبح ضمن المبعوثين، ونال إجازة الترجمة عن الفرنسية، وعاد إلى الوطن لينفع الناس، وكان كتابه المشهور"تخليص الإبريز فى تلخيص باريز" بمثابة "الوسيط الحضارى" لتعريف المصريين بحياة الفرنسيين وما بلغوه من تقدم علمى وقانونى وسياسى وصناعى.

الشيخ الجليل "رفاعة بن رافع بن بدوى بن على بن محمد بن على بن رافع" هو من أحفاد "محمد الباقر" بن "على زين العابدين" بن الحسين بن على بن أبى طالب، وهو القائل فى كتابه "تخليص الإبريز فى تلخيص باريز" عن الأشراف:

"ـ وأشراف طهطا، من أولاد سيدى يحيى بن القطب الربانى سيدى أبى القاسم، وله ولد ثالث يسمى "سيدى على  البصير"، ذريته أهل "جزيرة شندويل"، وشهرة "أبى القاسم الطهطاوى" لا تخفى على من يعرفه، وإن لم يذكره سيدى عبدالوهاب الشعرانى فى الطبقات..

 الشريف الصعيدى

هذا النسب الشريف، جعله يجد العلم الدينى عند أخواله، وكانوا علماء وقضاة شرع، وهم الذين أحاطوه بالرعاية والعلم والتعليم، فصار مهيئا للحاق بالجامع الأزهر، فدخل الجامع وهو ابن ست عشرة سنة، ونبغ فى العلوم الشرعية والفقية، وصار شيخا فى الجامع، ودرس به مدة عامين، وهذا الانتساب إلى الدوحة الشريفة، جعله محل محبة الناس، فالناس يحبون "آل البيت" محبة كبرى، وكل من انتسب إليهم، نال حظه من الحب والتبجيل والإكبار، والشيخ رفاعة رافع الطهطاوى، ولد فى مدينة طهطا، فى العام 1801 وكان الشيخ "حسن العطار" أستاذه فى الأزهر، وراء تقديمه لأولى الأمر، ليكون خطيباً وإماماً فى الجيش المصرى، وكان هو من رشحه للبعثة المسافرة إلى فرنسا فى العام 1826، ورغم أن "رفاعة" كان مكلفا بالمهام الوعظية والإرشادية، تعلم اللغة الفرنسية، ودرس المجتمع الفرنسى من كافة جوانبه، وكأن القدر اختاره ليكون الشيخ الذى بعث أمة من رقادها، وأحيا العلم والفنون والآداب المهملة، ووضع القواعد والأسس للصحافة والترجمة والقوانين والتربية الحديثة.

ومما ذكره فى كتابه "تخليص الإبريز" نقتطف ما أعجبه فى المجتمع الفرنسى، فيقول عن الصحافة فى ذلك الزمان، بعد أن قرأ نصوص الدستور الفرنسى، ومن ضمن مواده، مادة تخص حرية الرأى:

"ـ وأما المادة الثامنة فإنها تقوى كل إنسان على أن يظهر رأيه وعلمه وسائر ما يخطر بباله، مما لا يضر غيره، فيعلم الإنسان سائر ما فى نفس صاحبه، خصوصا الورقات اليومية، المسماة بالجرنالات، والكازيطات، الأولى جمع "جرنال" والثانية جمع "كازيطة"، فإن الإنسان يعرف منها سائر الأخبار المتجددة، سواء كانت داخلية أو خارجية، أى داخل المملكة وخارجها، وإن كان قد يوجد فيها من الكذب ما لا يحصى، إلا أنها قد تتضمن أخباراً تتشوق نفس الإنسان إلى العلم بها، على أنها ربما تضمنت مسائل علمية جديدة التحقيق أو تنبيهات مفيدة أو نصائح نافعة، سواء كانت صادرة من الجليل أو الحقير، لأنه قد يخطر ببال الحقير، ما لا يخطر ببال العظيم، ومن فوائدها أن الإنسان إذا فعل فعلا عظيما أو رديئا، وكان من الأمور المهمة، كتبه أهل "الجرنال" ليكون معلوما للخاص والعام، لترغيب صاحب العمل الطيب، وليرتدع صاحب الفعلة الخبيثة، وكذلك إذا كان الإنسان مظلوماً من إنسان، كتب مظلمته فى هذه الورقات، فيطلع عليها الخاص والعام فيعرف قصة المظلوم والظالم، من غير عدول عما وقع فيها ولا تبديل، وتصل إلى محل الحكم، ويحكم فيها بحسب القوانين المقررة، فيكون مثل هذا الأمر عبرة لمن يعتبر".

ومن يقرأ هذا المجتزأ، سوف يجد فيه أهداف الصحافة، وهى تعريف الناس بالأخبار، وتعليمهم الدروس والخبرات، ونقل مظالم المظلومين إلى أهل الحكم ليتخذوا فيها القرارات المناسبة، والشيخ رفاعة، تحدث عن "الورقات اليومية" و"الجرنالات" و"الكازيطات" وهى تعنى الجرائد اليومية، والمجلات، ولم يكن عرفها فى مصر، قبل سفره إلى فرنسا، لكنه يحمل الوعى والذكاء والرغبة فى التعلم، الأمر الذى جعله يهتم بهذه "الجرنالات" ومضامينها، ويهتم بالربط بينها وبين مواد الدستور الفرنسى الذى كان يحكم حركة المجتمع وينظم العلاقة بين الحكام والمواطنين، وقد اخت ص الدستور الفرنسى، الصحافة وحرية الرأى بالمادة الثامنة، ورأى فيها رفاعة الطهطاوى "تقوية للناس" ودعما لكل صاحب رأى، ما دام لا يضر غيره، وهو الذى أسس الصحافة فى مصر، فكانت "الوقائع المصرية" أولى الصحف العربية التى تمارس وظيفة مثل الصحف الفرنسية، وفى ظل رئاسة "الشيخ رفاعة" لطاقم العمل بها، أضاف اللغة العربية، وأضاف المقالات والأخبارالرسمية، وكل ما يخص "محمد على" من قرارات جديدة، وتعليمات، وحوداث، وهذه الصحيفة الرائدة، فيها تخرج "الشيخ محمدعبده" ونشر رسالته التنويرية، وفيها تخرج "الشيخ سعد زغلول"، الذى قاد "ثورة 1919، وهذه الصحيفة هى التى عرفت "عبدالله النديم" خطورة الصحيفة وأهمية دورها فى تشكيل الرأى العام، وبهذه الصحف، قاوم المصريون الاحتلال البريطانى حتى تحقق الجلاء وامتلك المصريون الاستقلال.

 المعلم والمربى الأول

معروف لدى الباحثين والمؤرخين أن "الحملة الفرنسية" أحدثت صدمة حضارية لدى المصريين ومنحتهم معارف ما كانوا ليصلوا إليها لولا هذه الحملة التى قضت على "المماليك" ونظامهم السياسى، ولكن ما لم ينته بين يوم وليلة، هو المناخ الغيبى، فكل المعارف كانت فى تلك الفترة معلقة على "الطرق الصوفية" والمعجزات، والكرامات، ولم يكن فى مصر اتصال قوى بين التقدم الصناعى والعسكرى، لأن العثمانيين والمماليك، ثبتوا المشهد، وجعلوا علماء الأزهر يعيشون الجمود والتخلف، وكان المهم لدى السلطان العثمانى وأمراء المماليك هو تحصيل الأموال والضرائب من الفلاحين والتجار، وغرقت البلاد فى بحر الجهل، ولم يكن المواطنون المصريون، يشعرون بهذه المأساة، لأنهم لا يتواصلون مع الأمم المتقدمة، ولا يعرفون غير ما يقوله لهم "الشيخ" الأزهرى، وهو الذى يعرف العلم والتفسير والسيرة النبوية، فكان الناس فى غفلة، حتى رأوا، المدفع الفرنسى، يطلق طلقاته، فيهدم البيوت، ورأوا التجارب العلمية الحديثة، ورأوا هزيمة المماليك والعثمانيين، وامتلكوا الشجاعة والقدرة على المقاومة، فخلعوا "خورشيد باشا" وتولى "محمد على" حكم مصر، وكان لديه الحلم الكبير، لبناء إمبراطورية، وكان الطريق إلى بنائها، يمر من استيراد المعارف، واستقدام الخبرة، وبناء "الكوادر" القادرة على بناء المصانع وبناء العقول، وكانت البعثات العلمية، هى الخطوة الأولى لتحقيق الحلم، وكانت البعثات تخدم "الجيش" الذى هو الأداة المهمة لبناء الإمبراطورية، وكان القدر رحيما بالمصريين فجعل من بين رجال الأزهر، الشيخ المبدع "رفاعة الطهطاوى" الذى أصبح "المهندس" الذى تولى وضع أسس "النهضة" الحديثة، وكانت السنوات الخمس التى قضاها فى فرنسا، فرصة طيبة أفاد منها، وأفاد المجتمع، وكان مؤمنا بأهمية التربية وأهمية التعليم، فأنشأ "مدرسة الترجمة" وهى نفسها التى أصبحت "مدرسة الألسن"، وعند عودته من البعثة اشتغل بالترجمة فى مدرسة "الطب" وهو الذى أسس أقساما فى المدرسة لترجمة الرياضيات والطبيعيات والإنسانيات، وأنشأ مدرسة "المحاسبة" ومدرسة "الإدارة" التى هى نواة كلية الحقوق، والمحاسبة هى نواة كلية التجارة، وكان القصد هو تخريج "الكوادر" التى تتولى تنفيذ خطة اللحاق بالعصر والخروج من "القرون الوسطى"، ولم يتوقف الأمر بالشيخ رفاعة عند الترجمة، وافتتاح المدارس الحديثة، بل كان يترجم بنفسه، ويؤلف الكتب التى تعتبر من أمهات الكتب فى العلوم التربوية، وهو الذى أسس هذا كله فى عهد "محمد على" ثم فوجئ بانقلاب الأوضاع، لما تولى "عباس الأول" حفيد محمد على، حكم مصر، فهذا الحاكم كان يكره العلم والمعرفة، فأغلق المدارس، ونفى "رفاعة الطهطاوى" إلى السودان، ولــــم يتوقف ـ رفاعة ـ عن القيام بعمله المحبب إليه، فترجم الكتب عن الفرنسية فى منفاه، وعاد إلى مصر، بعد أن تولى "إسماعيل" حكم مصر، وواصل دوره الريادى، واستفاد من رغبة إسماعيل فى أن تكون مصر قطعة من أوربا، فافتتح الكتاتيب فى القرى، لتسهم فى محو الأمية، وافتتح "المدرسة السنية" لتعليم البنات، وأسس مجلة "روضة المدارس" وجعلها أقساما، وكل قسم يتولاه واحد من المتخصصين فى الطب والأدب وغير ذلك من فروع العلم، وجعل منها مجلة تثقيف للناس، وظل يؤدى دوره حتى الرمق الأخير، وانتقل إلى جوار ربه فى العام 1873 وترك وراءه تركة من الكتب والترجمات والمدارس والتلاميذ، وكان رائدا فتح الطريق أمام المصريين للتطور والتقدم العلمى، واستحق عن جدارة أن يكون "مهندس" النهضة المصرية.

 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

شعبان عيسى: الشيخ إمام مظلوم إعلاميًا رغم تأثيره

شهادات تذاع لأول مرة «11» ابن أخيه الذى جلس تحت قدميه طفلا وغنى معه فى دمشق عرفت من الصحافة أنه...

مشروع ذا سباين طلعت مصطفى The Spine TMG New Cairo

تطرح شركة طلعت مصطفى القابضة مشروعها الجديد في شرق القاهرة وهو مشروع ذا سباين طلعت مصطفى The Spine TMG New...

جرجس شكري: حلمي رفلة "صانع النجوم" كان ينتج ثُلث أفلام السينما المصرية

ناقشت اللجنة الثقافية والفنية بنقابة الصحفيين كتاب "صانع النجوم.. حلمي رفلة.. سيرة سينمائية بلا ماكياج" للناقد والكاتب الصحفي جرجس شكري،...

مزايا استخدام الشريحة الإلكترونية (eSIM) أثناء السفر

مع التطور السريع في عالم التكنولوجيا، أصبحت تجربة السفر أكثر سهولة وراحة بفضل الابتكارات الرقمية التي تهدف إلى تبسيط حياة...