السعى هو الحركة السريعة والمحسوبة بغية الوصول إلى الأهداف المرجوة
هو العمل و الاجتهاد فى محاولة للكسب فى الدنيا و أيضا الفوز فى الآخرة.. لذا كان السعى فى الآية المسماة «آية السعي» بسورة النجم بالقرآن الكريم "وأن ليس للإنسان إلا ما سعى و أن سعيه سوف يُرى" . تعنى الآية الكريمة هنا الدأب على العمل وتحديدا عمل الخير الذى لا بد و أن ينظر له الله تعالى فيكون أجر هذا متوقفا على ما نظر إليه، لذا تذكر بقية الآية الكريمة قوله "وإلى ربك المنتهى".. أى الجزاء سيكون دائما بيد الله وحده يأخذه الإنسان فى الدنيا و يجازى به فى الآخرة أيضا.
هذا ولما كان لكل منا طريقة وطريقته مختلفة فى العمل لنيل تلك المكاسب الدنيوية والأخروية فإن ما يبقى هو الأساس الواحد ألا وهو السعى بيقين أن سعينا سوف يرى و ستُجزى كل نفس أجر سعيها غير منقوص.
وعلى ذلك فإن هناك نوعين من السعى نوع يهدف للفساد والإفساد، والثانى للعمرة والإعمار وتحقيق الذات وكسب الرزق، وهو النوع الخير المضيء على الجانب المعاكس المظلم .. أما عن الآية الكريمة فى قوله تعالى "الذين ضل سعيهم فى الحياة الدنيا" فهى تصف هؤلاء المنتمون للنوع الأول الفاسد، ذلك أن سعيهم المفسد فى الأرض قد أبرز جانبهم الأخلاقى والدينى السىء فضلوا وأضلوا ما نتيجته بالضرورة الوقوع فى المهالك دنيا وآخرة؛ و بالطبع هناك من الصنف الأول نوع من البشر الذين ظنوا أنهم يحسنون صنعا كما تقول بقية الآية بسورة الكهف أى أن فعلهم السيء لم يكن فعلا متعمدا، و من هنا اختلفت الآراء فى الدنيا فى النظر إلى مفردات هذا النوع من السعى، وهل كان مجرد ظن بحسن نية أم فعلا متعمدا لكنه خفى عن الأنظار؟
ماهية السعى
وربما قاد هذا الشك فى مسألة السعى الى ضرورة تعريفه أكثر وبشكل محدد أدق فكان تعريف د. محمد هنداوى فى كتابه "مناهج الحياة" تعريفا علميا حين كتب أنه حركة الإنسان فى ظل الظروف المحيطة به زمنا و مكانا، وأن هذه الحركة يجب أن تكون لها أهداف، حيث ستختلف النتائج تبعا لذلك من شخص لشخص و من مكان و زمان لآخر مما يمكنا معه أن نعرف.. هل كان الساعى خاضعا فى سعيه لظروف قدرية تماما أو تبعا لطبيعة سعيه و النية من ورائه؛ وبالطبع يرجع ذلك أساسا لطبيعته الإنسانية الخاصة سواء النفسية أو الفكرية أو المادية أو الصحية.
و عل من هذا و ذاك قصد د. الهنداوى أن السعى حركة ناموس كونى فى الحياة فهى قدر الإنسان على الأرض، وقد كان هذا السعى فى البداية من أجل البقاء و مع الزمن أصبح للتطور و الارتقاء.
و مما لا شك فيه أن الله قد كتب على جميع خلقه هذا السعى.. أما لغير العاقل منها فهو للبقاء فقط، وأما بالنسبة للبشر فهو الخاضع للاثنين البقاء و كذا التطور و النمو مما خلق بطبيعة الأشياء ذلك التنافس بين الناس فحدث التدافع الذى يخبرنا المولى عز و جل عنه بأنه تدافع قدرى حيث يقول فى محكم آياته "لولا دفع الناس بعضهم لبعض لفسدت الأرض".
و لا شك أن هدف الإنسان الأول كان هو حب البقاء، و لذا كانت طبيعة سعيه فى هذا الزمان مختلفة تماما عن طبيعة سعيه من أجل التطور و الارتقاء.. رغم أن الهدفين المختلفين يجمعهما فقط كلمة العمل و هو خاتمة السعي، حيث المشاهد من حولنا تؤكد لنا هذا كل يوم فأبسط الناس إن ترك المطرقة والسندان مات جوعا.
التقادير و التدابير
وقد حدث أن تطرق بعض الناس فى أمر السعى فربطوه بمبدأ التسليم لقضاء و قدر الله منكرين بذلك فعل هذا السعى بدون إرادة الله جاهلين بالمقصد من ورائه.. إذ أن هذا الاعتقاد قد ارتبط من جهة أخرى بموضوع يسأل فيه حتى اليوم الإنسان و هو مصير أم الخير بما احتمل سؤال ثانى هل ولد شقيا أم سعيدا فكلامها مرهون إلى قدر الله و إرادته الكاملة فينا، وبذلك تصبح المساعــى والوسائط كلها عبثا فى هذا المعتقد.
ولعل هذا التقدير هنا ما يقول به أهل التقادير الذين أرجأوا الأمر برمته لله وحده دون حاجة للإنسان الأصيلة للسعى؛ أما أصحاب التدابير فقد أخذوا بحديث الرسول "صل الله عليه وسلــم" الذى قــال "اعقلهـــا وتوكل".. التوكل بالطبع غير الاتكال فمن زرع حصد، والطقس فى هذه الحالة لا يحابى أحدا، و لعل وجه التشابه هنا أن الطقس قدرى طبعا لكن الأمر يرجع بيد الزارع الفطن الذى عليه أن يستثمر هذا الطقس فيعلم متى يزرع و كيف يحصد.
السعد والنحس
ولا شك أيضا أن كثيرا من الناس أمام الفرص التى تأتيهم يعتقدون أن مدى الاستفادة منها تخضع لثنائية الحظ و النحس و السعد وخيبة الأمل، و أن هذه الثنائية - التى لا تختفى عن عقول الناس بشكل عام – تؤكد أن هناك من يجتهد و لا يدرك مع ذلك سوى القليل.. بينما يجتهد آخرون و لو بقدر بسيط فيعم عليهم الســعد و الهنــاء، والمقصود أن النتيجه فى الحالتين حتمية فالانسان إما محظوظا أو منحوسا مهما فعل.
وللحق أن الناظرين الى تلك الرؤية محقين الى حد ما.. فالله قد أوحى إلى ملائكته أن يكتبوا فى صحفنا بأم الكتاب أن فلانا قد ولد فاكتبوه سعيدا أو شقيا، و مع هذا فإن الله الذى أمر بذلك قد يرد قضائه بالدعاء، و بالطبع فى ذلك حكمة تدعونا لتدبرها فالله يحب أن يسمع صوت بعض عباده المستغيثين به، فقد علموا أن لهم ربا موجودا و سيجيب لهم سؤالهم، و لعل هذه القدرية الأزلية هى ما تحير القلوب و العقول و أحيانا الألسنة التى تهدج بالدعاء و تتأخر إجابة الله، لكن الله لا يرد أبدا طلب الداعى لكنه سبحانه قد يؤخره لعلة أو لسبب فلا يستجيب له فى الدنيا و يعطيه سؤاله فى الآخرة التى هى أبقى وأطول عمرا، كما أن الله يعطى دائما بقدر فيوسع على بعض خلقه ليختبرهم و يضيق إن شاء على البعض الآخر ليبتليهم فيرى إن كان سيكفر به أم لا، والأمر كما يتضح يتدخل فيه أكثر من عامل ليس من ضمنه فكرة رفض السعى.
أركان السعى
هذا ويبقى دائما أن هناك أركانا وعوامل تساعد الإنسان فى أى أمر ومنه السعى، فبعد أن أثبتنا أن قضاء الله الأزلى لا يمثل عقبة أمام الساعى فحالة الإنسان لا تعزى إذا إلى التقادير بل إلى التدابير، والأمر هنا متوقف على طبائع الإنسان و حسن تدبيره، و اغتنامه للفرص المتاحة، وكذا حجم كفاءته و مدى استعداده و ذكائه، مع استصغار صعاب المواضيع وتكبير حجم الاستفادة من الظروف التى قد يلجأ المرء فى بعض الأحيان إلى تحديها والمرور عليها، كما يتوقف الأمر أيضا على معرفة النفس جيدا و مدى صدقها و عزمها و إيمانها بنفسها، بالإضافة إلى حجم طموحها وارتفاع سقف أحلامها، وربما كل ذلك مربوط بالعلم والعمل على كسب ثقة الناس وكسب القلوب.
قانون السعى
إذا السعى هو الحركة السريعة والمحسوبة بغية الوصول إلى الأهداف المرجوة، حيث يقول الرسول "صل الله عليه وسلم" رواه الطبرانى أن النية من وراء السعى هنا إما تؤدى الى المآل الحسن أو واليعوذ بالله إلى التهلكة فيقول "إن كان الإنسان قد خرج يسعى على ولده صغارا فهو فى سبيل الله، ومن خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو فى سبيل الله، ومن خرج يسعى ليعف نفسه عن سؤال الناس فهو فى سبيل الناس، ومن خرج يسعى مفاخرة و رياء فهو فى سبيل الشيطان "لذا كانت النية المبيتة هنا هى أول قانون للسعى، أما الثانى فهو ضرورة الحركة بالخروج من منطقة الراحة إلى حيث مواجهة الحياة وصعابها وضغوطها مع عدم الرجوع مرة أخرى الى المنطقة الآمنة مكتفين بعدم الدخول فى صراعات ومعارك و معترك الحياة.. لذا يخبرنا قانون السعى أن المبدأ القانونى فى الحركة و عدم الثبات هذا ما يحدد الإجراءات الضرورية المتبعة لتحقيق الهدف.. لذا فإن المثابرة و التفانى والإصرار والإرادة الصلبة هم القانون الثالث الذى يحدد مدى التوفيق والتفوق.
و لعل بالنظر إلى قانون السعى من منظور آخر يمكنا أن نرى كيف يؤثر هذا القانون على حياتنا حيث تقول أحد مواده أن الأفكار والفرص بل والموارد التى نحتاج إليها جميعا لا بد وأنها ستظهر أمامنا بطريقة غير متوقعة، وهذا يعنى أن نتحرك نحو أهدافنا بشغف و حماس و حينها لا بد وأن يستجيب القدر و يرسم لنا سبلا كانت مغلقة فى الأساس.
علاوة على ذلك فإن من قوانين السعى أيضا هو ما يشير إلى وجوب السعى بشكل واع ومستمر ملتزمين فى ذلك بالدوام من أجل الحصول على قوة الوصول فوق رقبة الصعاب و ما قد نواجه من تحديات.. لذا ربما ينظر إلى قانون السعى بأنه قانون عملى، حيوى، ديناميكى ينطوى على معنى أعمق من مجرد العمل و بذل الجهد .. ذلك إنه يحث الفرد على التطور فتتعزز ثقته بحاله، كما أن حالة الإصرار والعند الإيجابى التى لا بد وأن يتوافر بطريق السعى تمكنا من أن نصل إلى الدرجات الأعلى من التى كانت مقدرة منذ البداية.
طريقة عمل قانون السعى
هذا ولكل قانون حين تنفيذه سبلا تساعدنا للوصول حتى لا نضل الطريق.. ربما أحد هذه السبل لقانون السعى طريقة التحفيز المرتبطة هنا بنظرية الجذب حيث تقول الطريقة.. كلما سعينا مع إيمان كامل أننا سنصل لأهدافنا فإن الأشياء التى نسعى من أجلها تنجذب نحونا أتوماتيكيا، و تقود تلك الطريقة المحفزة إلى بذل الجهد اللائق، و بالتالى رفض فكرة الاستسلام من أول الطريق أو حتى أوسطه فرفع الراية البيضاء مرفوض تماما تبعا لهذه الطريقة مهما واجهنا من صعوبات وعقبات مما يجعلنا بشكل آلى أقوى وبالتالى أكثر نجاحا على المستوى النفسى.
قانون السعى وعلم الطاقة
يعتبر علم الطاقة واحدا من العلوم الحديثة و المهمة التى تعتنى بقانون السعى من أكثر من منظور إذ بحسب هذا العلم يمكن تفسير هذا القانون بأنه تدفق للطاقة الإيجابية وضخها فى الحياة، وأن هذه الطاقة ستحركنا و تدفعنا للأمام مما يساعدنا بلا شك على النجاح والاستمرار فيه ثم تطوير أنفسنا لتحسين وضعنا العام أكثر وأكثر.
كما أن وبحسب هذا العلم أيضا يمكن أن نحلل طاقة الإنسان إلى خارجية و داخلية و ذلك فى سعينا نحو أهدافنا.. فالإنسان حين يتعامل مع محيطه الخارجى يكون معه ما يخلق حالة التفكير الإيجابى والتحفيز الذاتى التى يحتاجه مما سيخلق هذا التكوين الجديد أو التوليفة الأزمة لدخول الدفقة الإيجابية الداخلية إلى مجالنا المعنوى ما يؤدى فى النهاية انسجام النفس مع خارجها المحيط بها وبالتالى يكون طريقنا للنجاح مرسوما بشكل أوضح.
قانون السعى قانون إلهى
وأخير فإنه يمكن اعتبار قانون السعى جزءا رئيسيا من التجربة الإنسانية فى العموم.. بمعنى أنه قانون إلهى يقول عنه المولى عز وجل "نحن قسمنا معيشتهم فى الحياة الدنيا" أى قدرنا هذا السعى على الإنسان منذ أن خلق، وهكذا يبدو وكأن السعى هو الأصل الغائب عن الكثيرين، ورغم هذا يعتبر الناس المجهود المبذول فيه شكواهم الرئيسية فى كل زمان ومكان والتى لا تتوقف ولن تتوقف إلا إذا قررنا إعادة النظر فى ثقتنا بالرزاق الوهاب والفتاح العليم فهو القادر الباسط الكريم.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...
الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى
ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية
أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد