أصبح «سيف الدين قلاوون» قائداً للجيش وسلطاناً حقيقياً رغم وجود الطفل «سُلامش» على العرش/ تولى السلطان قلاوون مطاردة ميمنة جيش المغول المهزوم وأحرق من أحتمى منهم فى أحراش نهر الفرات
هو سلطان مملوكى، حياته تفيض بالدراما، فيها القوة والوفاء والغدر والاهتمام بالفقراء ومحاربة أعداء الدين والحضارة، وفيها القمع والقهر والحيلة والقتل، وهو "أبو المعالى الملك المنصور سيف الدين قلاوون الألفى، العلائى، الصالحى، النجمى" الملقب بأبى الفتح، وهو من مشاهير المماليك البحرية وعميد أسرة مملوكية حكمت مصر والشام ما يزيد على قرن من الزمان، كان من مماليك الملك الصالح أيوب، وشارك فى معركة "المنصورة" ومن بعدها أصبح من المماليك البارزين، وفى سلطنة "الظاهر بيبرس" كان له حضور قوى، ولقب "الألفى" انفرد به لأن سيده الأول، اشتراه بألف دينار، وهو مبلغ كبير للغاية، ولكن المؤرخ شمس الدين الذهبى قدم المبررات التى جعلته فى مكانة رفيعة بقوله "كان المنصور قلاوون من أحسن الناس صورة فى صباه، كان ذا هيبة وفتوة" وشأنه شأن ـ المماليك ـ الذين مسهم الرق، لا تتوافر معلومات كثيرة عن مولده وموطنه الأول، غير أنه اختطف فى سن المراهقة، وبيع فى أسواق الرقيق، وانتهى به المطاف فى مصر، وعاش ومات ولم يتكلم اللغة العربية..
جاء "قلاوون" بلقب "آقون" من موطنه الأصلى فى آسيا، وانقلب على لسان العامة فى مصر إلى "قلاوون" ومعنى لقبه "آقون" هو "البطة" فى اللغة التركية، لأن كان مقوس الساقين يمشى كالبطة، ووصل القاهرة فى سن الرابعة عشر، واشتراه الأمير "علاء الدين آق سنقر" بألف دينار ومن استمد لقب "العلائى" ومات الأمير علاء، فانتقل إلى "الصالح نجم الدين أيوب" وأعتقه بعد أن برع فى الفنون العسكرية، وكان من أصدقاء "الظاهر بيبرس" المقربين، وصهره، فابنته كانت زوجا لولد الظاهر "الملك السعيد محمد" وهو من قتل زوج ابنته، وكان من المشاركين فى عزله من كرسى الحكم.
موت الظاهر بيبرس
قبل الحديث عن صعود "المنصور قلاوون" إلى كرسى "السلطنة" من المهم التعرف إلى الأحداث التى تلت وفاة "الظاهر بيبرس" فى الشام، والذى حدث أن "بدر الدين بيليك الخازندار" ـ مملوك الظاهر بيبرس ـ ونائب السلطنة، عاد من الشام بعد وفاة الظاهر بيبرس ومعه الأموال والعسكر، وصعد إلى القلعة، وسلم المال إلى "الملك السعيد محمد" ابن الظاهر بيبرس، فى السادس والعشرين من صفر سنة "676هجرية" وأعلن وفاة "الظاهر" وجدد الولاء للسلطان الجديد، وقام بعدها بتحليف الجميع ـ أى جعل الأمراء يحلفون قسم الولاء للسلطان ـ وبقى فى منصبه "نائب السلطنة" واستقرت الأمور للسلطان الشاب "كان عمره تسعة عشر عاماً" لفترة محدودة، ومات "بدر الدين بيليك الخازندار" فجأة فى السابع عشر من ربيع الأول سنة 676هجرية، وقيل إن والدة السلطان الشاب هى التى قتلته بالسم، خوفاً منه على عرش ولدها، وقام "الملك السعيد" بتقريب واحد من الأمراء الشبان واسمه "سيف الدين كوندك الظاهرى" وهو زميل دراسته، ولم يكتف بذلك بل قرب إليه فرقة من المماليك الشبان واعتبرهم "الحاشية" وهؤلاء كانوا يكرهون "كوندك" المقرب من السلطان، ومنح السلطان الإقطاعات والعطاءات للأمراء الشبان وتجاهل الأمراء الكبار، بل قبض على بعضهم وأودعه السجون، وكان شقيق والدته من بين الذين سجنوا، وعفا عنه بوساطة من والدته، وبعد فترة عفا عن المسجونين وحاول استرضاءهم وبذلك يكون قد خالف وصية والده الراحل "الظاهر بيبرس" الذى قال له قبل موته فى رسالة بعث بها إليه :
"ـ إنك صبى، وهؤلاء الأمراء الأكابر يرونك صبياً، فمن بلغك عنه مايشوش عليك ملكك فاضرب عنقه فى وقته ولا تعتقله ولا تستشر أحدا، وإلا ضاعت مصلحتك".
وسافر السلطان "الملك السعيد محمد "إلى دمشق ومعه والدته وحاشيته وعسكره ومن مقره فى دمشق أرسل "سيف الدين قلاوون" على رأس حملة لغزو "سيس" عاصمة أرمينيا، وأرسل الأمير "بدر الدين بيسرى" على رأس حملة إلى قلعة الروم، ومع كل واحد منهما عشرة آلاف من العسكر، وكان الأميران يعرفان أن السلطان قصد إبعادهما عن البلاد ليصفو له الجو، ولما رجع الأميران من حملتيهما، أخبرهما "كوندك" نائب السلطنة بما اعتزمه السلطان من تجريد لهما من الإقطاعات والمناصب التى كانا يشغلانها، فقررا عدم دخول "دمشق" وأظهرا التمرد، واتهما السلطان الشاب بنقص الخبرة وعدم إدراك معنى الحكم والمسئولية، وخشى السلطان على نفسه وسعى لترضيتهما، لكن الأميرين الغاضبين اشترطا عليه أن يسلمهما مماليك "الحاشية" الذين يفسدون عليه حكمه ويوغرون صدره على الأميرين وغيرهما من الأمراء الكبار.
خلع السلطان
توجه "سيف الدين قلاوون" ومعه "كوندك" و"بدرالدين بيسري" إلى "القاهرة" وحاول "السلطان" اللحاق بهما، ولم يستطع، فقد تخلى عنه عسكره، وتخلى عنه العربان، وتخلى عنه "سنقر الأشقر"، وتمكن ـ السلطان ـ من الصعود إلى "قلعة الجبل" مقر حكمه، وأصر الأميران الغاضبان على خلعه من الحكم، وحاصراه فى القلعة لمدة ثلاثة أيام، وانتهى الموقف بأن خلع السلطان نفسه عن العرش، على أن يسافر إلى الشام، ويستقر فى "الكرك" ويتولى أخوه "خضر" ولاية "الشوبك"، ولم يشفع للسلطان لدى ـ قلاوون ـ أنه زوج ابنته، ومضى "السلطان" إلى الشام، حسب الاتفاق، وجىء بشقيقه الطفل "سُلامش" البالغ من العمر سبع سنوات، وأجلس على العرش، وبذلك أصبح "قلاوون" هو السلطان الفعلى المتحكم فى شئون السلطنة، أما السلطان المخلوع "الملك السعيد" فأقام فى "الكرك" ومات بعد خلعه بستة شهور، وقيل إن "المنصور قلاوون" والد زوجته هو من دس له السم فى الطعام، أما أرملة السلطان، ابنة قلاوون، فحزنت على زوجها حزناً شديداً ورفضت الزواج، رغم صغر سنها وماتت بعده بعشر سنوات.
وأصبح "سيف الدين قلاوون" قائداً للجيش، وسلطاناً حقيقياً، رغم وجود الطفل "سُلامش" على العرش، وتخلص الأمير القوى من الأمراء الظاهرية "رجال الظاهر بيبرس" واستدعى أقرانه وزملاءه المعتزلين للعمل معه ومنحهم الإقطاعات وأنعم عليهم ليكونوا العون له فى إدارة المعركة، ضد من تبقى من رجال السلطان المخلوع ورجال والده "بيبرس"، وبعد مائة يوم مضت على تولية الطفل "سُلامش"، خلعه "قلاوون" وبايعه القضاة والأمراء وتلقب بلقب "الملك المنصور"، وذلك فى شهر رجب من سنة678 هجرية، وقال عنه المؤرخ "ابن تغرى بردى" نقلا عن "الحافظ شمس الدين" إنه كان بلغ الستين عاما قرب وفاته وتولى السلطنة فى سن الخمسين، وأصله من "القبجاق" وهى قبائل "تركية" تعيش فى جنوب روسيا، فى حوض نهر الفولجا، وانتقل إلى ملكية "الملك الصالح أيوب" فى العام "647 هجرى" وكان عمره دون العشرين، ولم يتعلم اللغة العربية حتى مات، وكان من "المماليك البحرية" الذين فروا إلى الشام مع "الظاهر بيبرس"، وعاد فى عهد "السلطان قطز"، وأصبح "أتابك العسكر" أى "قائد الجيش" فى عهد السلطان الطفل المخلوع "سُلامش" شقيق السلطان المخلوع "الملك السعيد"، وهما من ولد "الظاهر بيبرس" الذى تسلطن ستة عشر عاما كاملة ومات فى القصر الأبلق بالشام.
خليفة الظاهر بيبرس
كان الظاهر بيبرس سلطان الحرب والعمران، وكان محبوباً من الشعب فى مصر والشام، وكذلك كان "قلاوون"، فهو خليفة الظاهر بيبرس، ومضى على نهجه، رغم أن قضى على دولته، وأزاح ولديه "الملك السعيد محمد والملك الصالح الطفل سُلامش" عن عرش السلطنة ونقل الحكم إلى عياله وظل الحكم فيهم طوال قرن من الزمان، ولما تولى ـ الملك المنصور قلاوون ـ السلطنة، أعلن الأمير "سنقر الأشقر" ـ نائب الشام ـ العصيان، ورفض أن يحلف يمين الطاعة، وأعلن نفسه سلطاناً وتلقب بالملك الكامل، وجمع حوله شيوخ العربان فى الشام ومنهم "عيسى بن مهنّا" و"أحمد بن حجّى" وأصبح معظم بلاد الشام خارج سيطرة المنصور قلاوون، ولم يرض السلطان بما جرى من الأشقر، فأرسل جيشاً من مصر إلى الشام لقتاله، وتغلب عليه وهرب النائب العاصى إلى الصحراء وكان قائد جيش السلطان هو "سنجر الحموى" وعاد الشام إلى السلطنة، وتحصن الأشقر فى "حصن صهيون" فى شمال سورية، وأرسل السلطان كتاب أمانٍ إلى أهل دمشق، وأصدر العفو العام عن الأمراء والعربان الذين كانوا فى جيش الأشقر، وفى جمادى الآخرة من سنة 679 هجرية، وردت الأخبار عن مسير التتار إلى الشام فى ثلاث فرق، بقيادة "صمغار" و"بيدو" ـ حفيد هولاكوـ و"منكومتر" شقيق "الخان أبغا" واستولى الجيش التترى "المغولى" على مدينة "حلب" وعدة قلاع منها "عينتاب" و"بغراس" ثم انسحب الجيش الذى خرب "حلب" ولم تقع مواجهة بينه وبين جيش المماليك، وكان من أسباب قدوم "المغول" إلى الشام، مراسلات جرت بينهم وبين "سنقر الأشقر" وشيخ العربان "عيسى بن مهنّا" وفيها رغَّبا "الخان أبغا" فى احتلال الشام وأخبراه بوجود انقسام فى صفوف أمراء المماليك، وكان ـ قلاوون ـ هزم "سنقر الأشقر" وجاء المغول، فلم يجدوه، فخربوا مدينة "حلب" التى كانت فارغة من الناس، وان وانسحبوا لغياب ـ الأشقرـ وكانوا يظنونه مسيطراً فوجدوه مهزوما فارا إلى حصن صهيون فى أقصى الشمال، وعقد ـ السلطان قلاوون ـ الصلح مع "سنقر الأشقر" على أن يبقى فى "حصن صهيون" وتكون له بلدات محيطة بالحصن من دون لقب أمير أو ملك، وينضم الأشقر بقواته إلى جيش السلطان لقتال المغول، وعقد السلطان صلحاً مع "فرسان الاسبتارية" فى عكَّا، وصلحاً آخر مع "بهمند" أمير طرابلس مدته عشر سنوات وعشرة شهور وعشر أيام وعشر ساعات.
وغادر ـ قلاوون ـ القاهرة إلى الشام، وترك فيها ولده "الصالح على" شريكه فى السلطنة، ومعه نائب السلطنة "كتبغا"، وكان اكتشف قبل سفره، مؤامرة استهدفت اغتياله، دبرها "كوندك" نائب السلطنة السابق فى زمن "الملك السعيد" فأعدمه، وعاود ـ المغول ـ هجومهم على الشام، بجيش كبير، قدره المؤرخون بثمانين ألف رجل، نصفهم من المغول ونصفهم الآخر من الروم والفرنجة ومن جورجيا، وكان السلطان اشترى آلاف المماليك، وجهزهم للقتال وأسكنهم فى أبراج خاصة فى قلعة الجبل بالقاهرة ومنها استمدوا صفتهم "المماليك البرجيّة"
معركة حِمْص الكُبرى
شاءت الأقدار أن يكون "المنصور قلاوون" سلطانا ًعلى مصر والشام ويخوض مواجهة عسكرية ضد جيش المغول، فى معركة "حمص الكبرى" التى استعد لها بالصلح مع سنقر الأشقر، وحشد آلاف المماليك "البرجية" الذين كانوا جاهزين مدربين مقيمين فى أبراج قلعة الجبل بالقاهرة، وكان أبطال معركة "حِمْص الكبرى" ثلاثة أمراء هم "حسام الدين طرنطاى وسنقر الأشقر وبدر الدين بيسرى" وتولى "السلطان قلاوون" مطاردة ميمنة جيش المغول المهزوم، وأحرق من احتمى من المغول فى أحراش شاطئ نهر الفرات، وغرق منهم عدد كبير فى النهر، وسميت "حمص الكبرى" تمييزاً لها عن معركة "حمص الصغرى" التى وقعت فى زمن السلطان الظاهر بيبرس.
وخاض ـ المنصور قلاوون ـ حرباً ضد ملك بلاد النوبة، وغزاها فى حملتين ودخلت قواته "دنقلة" عاصمة النوبة وبعد معارك وكرّ وفرّ، خضع "سمامون" ملك النوبة وطلب العفو من "قلاوون" على أن يدفع الجزية، ويرسل الخراج كل عام إلى القاهرة باعتباره نائباً للسلطان وخاضعا لعرشه.
وتحقق الاستقرار للدولة فى الشمال، بالقضاء على المغول، وفى الجنوب بإخضاع ملك النوبة، وعقد قلاوون تحالفاً سياسياً مع ملك "القطيع الذهبى" المغولى، المعادى لمغول "فارس" حتى يستطيع شراء المماليك من البلاد الواقعة تحت سيطرته، ويذكر ـ المقريزى ـ أن "الخان" ملك القطيع الذهبى دخل دين الإسلام وطلب التحالف مع السلطان قلاوون.
أول مدرسة للطب
أنشأ ـ المنصور قلاوون ـ مجموعة معمارية مازالت باقية فى مدينة القاهرة فى شارع المعز، ولكن المنشأة الأكثر أهمية، هى "البيمارستان" وهو مستشفى ومدرسة للطب، كان فيه أطباء الأمراض الباطنة والجراحة والعظام والأمراض العقلية، وفيه أساتذه الطب، يدرسون للطلبة ويعالجون المرضى، وكل مريض يدخل البيماريستان، كان له فراش مخصوص وطعامه يأتيه من مطابخ مجهزة، ودواءه يأتيه من "الصيدلية" الملحقة بالبيمارستان، وعند موت المريض، تتولى إدارة ـ المستشفى ـ تجهيزه للدفن، وهذه الخدمة الطبية كانت بالمجان، ينفق عليها السلطان من "الأوقاف" المخصوصة، هذا البيمارستان، كان أول مدرسة للطب تحت رعاية سلطان مصر والشام فى العصور الوسطى، وكان من مشاهير الأطباء الذين درسوا الطب فيها "ابن النفيس" وهو مكتشف الدورة الدموية الصغرى، قبل اكتشافها تشريحياً فى أوربا فى عصر النهضة.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يبدو اللقب غريبا، وربما هذه هي المرة الأولى التي تسمعه فيها رغم أنه معروف تماماً في منطقة الدرب الأحمر..
المشهد الثقافى يشبه بوفيه مفتوح فى عرس صاخب.. والرواية وجبة جاهزة الأكاديميات تُخرّج موظفى نقد أوشارحى مناهج وليس نقادًا
تعلّق القراء بالجوائز شىء طبيعى لأنها تمثل «فلترة رسمية» الكتابة علّمتنى الإصغاء ومنحتنى مساحة نفسية للتعامل مع الإرهاق
يذكر ستيفن أن الحظ والقدر كليهما بات عنصرا واحدا وقد تشخصن مثلا عند الإغريق فأعطوه اسما مؤنثا «توشيه» نسبة إلى...