حكايات عادية جداً - بنطلون كارجو باللون الأزرق

اصطحبت ابنتى لشراء ملابس العيد، كانت الرحلة استجابة لدعوة وشكوى من المدام بالمشاركة فى إتمام هذه المهمة قبل الزحمة،

 

سمعت كلمات من نوعية "أنا تعبت" و"غلبت" و"مفيش حاجة عجباها"، بعد يومين متتاليين من خروجهما والعودة بلا شىء،  تخيلت أن المشكلة بسيطة، وأن السبب يعود لأنهما لم تذهبا للمكان الأفضل، وضعت خطة تصورت أنها ستكون سريعة النتيجة، اخترت ثلاثة محال كبيرة ومتجاورة متخصصة فى ملابس الأطفال، كى أتجنب "فرهدة" الشراء المزعجة، ولكى يكون المعروض متنوعا فلا نعود دون إتمام المهمة.

خرجنا من المحل الأول بعد أن قضينا ساعة تقريبا، لم تنجح تـــرشيحـــاتـــى معهــا، كما أن البنطلون الـ"كارجو" ذا اللون الأزرق والذى ترغب فى اقتنائه غير موجود، فى المحل الثانى، ذى الأدوار الثلاث، استقبلتنا بائعة لطيفة، يمتلك البائعون فى الغالب قدرة كبيرة على الإقناع، هذه مهنتهم، عن نفسى كثيرا ما "تدبست" فى شراء أشياء لم أكن  أريدها بالضبط أمام تلك القدرة، قلت لنفسى "هذه البائعة هى المطلوبة، هتجيب من الآخر"، ثم سلمت إليها ابنتى كى تصاحبها فى جولة الاختيارات، وجلست على كرسى كان موضوعا فى أحد الجوانب، أخرجت الموبايل كى أنهى بعض الأعمال المعلقة، بعد 10 دقائق تقريبا، جاورنى شخص آخر، لمحته داخلا منذ ربع ساعة للمحل مع أسرته، فهمت أنه يعانى من نفس المشكلة، مشكلة الاختيار وصعوبة إرضاء الجيل الجديد بأى شىء، أنظر لكلمة "الجيل الجديد" الآن، بقليل من الاستغراب، على ذلك العمر الذى ينساب من بين أيدينا حتى يحولنا دون إنذار إلى جيل قديم، يحتاج وقتا ليفهم أن البنطلون الكارجو، هو بنطال ذو جيبين من الجانبين، الله يرحمك يا محمد آب إسماعيل.

***

قبل العيد بشهر تقريبا، كان يستدعينا محمد أب إسماعيل، جدى، بشكل مفاجئ، كى نذهب معه لتفصيل الجلاليب الجديدة، كانت فرحة الحدث أكبر من أى رغبات فى الاختيار، نمشى خلفه فى مجموعة، لا يقل عدد أفرادها عن 5، حتى نصل إلى درب النصارى، حيث دكاكين الخياطين، لا أعتقد جدى سأل أحدنا يوما ما "تحب تلبس إيه"، كان يدخل دكان "هادرس" الخياط، وبعد المراحب والسلامات ودعوات المجاملة و"نجيب قهوة"، يجلس ليأتى له "هادرس" بأتواب الأقمشة الموجودة لديه، من المهم أن تكون لفافة القماش كافية لعدد المجموعة، وبعد أن يتحسس محمد آب إسماعيل، نوع القماش من ملمسه، يعلن اختياراته بشكل واضح، لا علاقة له بأن القماش جديد على الموضة أو قديم، المهم أن يصلح للصيف والشتاء، وألا يتعرض للكشكشة بعد الغسيل، وأن يكون سعره الإجمالى معقولا.

نصطف أمام الترزى ليأخذ المقاسات، يقطع ورقة من شيكارة أسمنت فارغة ليدون عليها الأرقام، كل واحد باسمه ومقاسه، وبعد أن يقص قطعة القماش المناسبة، يضع فيها الورقة، وفور أن ينتهى، يتفق على مواعيد التسليم التى تكون فى الغالب قبل العيد بيوم أو يومين، ويؤكد على جدى وهو يشير إلينا: "محدش يعدى عليا قبل الميعاد".

ورغم تأكيدات عم هادرس وجدى من بعده، نجد أقدامنا بشكل شبه لا إرادى، تحملنا إلى دكان الخياط من اليوم التالى، لنسأله "الجلاليب خلصوا ولا لسه"، وأمام زياراتنا المتكررة وأسئلتنا يضطر فى الأسبوع الأخير  الذى يسبق العيد إلى غلق دكانه عليه، ليعمل فى الداخل بهدوء، هربا من إلحاحنا وإلحاح أقراننا من العائلات الأخرى، وحتى يتمكن من تسليم الأعمال المطلوبة منه، فى المواعيد المتفق عليها.

ومع أن "هادرس"، كان قد أخذ المقاسات ودونها فى الأوراق، وكتب على كل قطعة قماش اسم صاحبها، إلا أن النتائج النهائية للجلاليب لم تكن فى أى مرة مرضية، وكل واحد ونصيبه، قد يكون الخطأ فى نسيان "السيالة" أو الجيب الأمامى، أو فى طول الأكمام، وهى أمور نعتبرها فى النهاية قدرية، ففرحتنا بالجلاليب الجديدة أكبر من أن يعكر صفوها مثل تلك التفاهات.

وكان من السهل على أهالى القرية، معرفة أطفال كل عائلة من ألوان وأنواع أقشمة جلاليبهم الموحدة.

أظن أننى وجيلى من أبناء قريتى، لم يكن لنا حق الاختيار فى الملابس حتى التحاقنا بالثانوية العامة، لا تقتصر المسألة على جلاليب العيد، إنها تمتد لملابس المدرسة وأحذيتها، حتى الحلاقة، كان جمعة آب إسماعيل، شقيق جدى، يأتى لنا فى المندرة بـ "الأطرش" نهاية كل شهر أو فى المناسبات، ولأن "الأطرش" لا يسمع ولا يهتم بما تراه عيناه من دموع، تجد بصماته على آذاننا أو رؤوسنا حتى الآن، ندوب أو حفر، أثر "تعويرة" لابد منها، من ماكينته اليدوية أو الموس الذى يشبه الأمواس الموجودة فى أفلام الأبيض والأسود، والتى كان يحميها فى قطعة جلدية غريبة قبل دخول رأس جديدة تحت يديه ورحمته، بينما يجلس جدى جمعة على الدكة، وكان فى جلوسه رهبة تمنعنا من مجرد التفكير فى الاعتراض، والبكاء فى صمت أمام الأطرش الذى يفترش الأرض، حتى ينهى مهمته والوصول إلى "الزلبطة"، لقد أصبحنا منحرفين و"ناقصين رباية" فى الغالب حين عرفنا طريق دكان "حسين الحلاق" وبدأنا نحلق "البنك" و"البف"، وهى أنواع حلاقات تسللت إلينا من المدن وأفلام وكليبات التليفزيون فى التسعينات، بعد التحاقنا بالثانوية.

***

بعد ساعة من الانتظار، تتقدم ناحيتى ابنتى لتعلن أنها لم تجد الذى تبحث عنه، هزت البائعة رأسها بقليل من الامتعاض والتأكيد، وقبل أن يعلو صوتى اعتراضا، شد انتباهى مجىء زوجة الرجل الذى جلس على الكرسى المجاور، ومعها طفلة بالكاد تمشى، طفلة لم تتعلم الكلام بعد، وفى يد المرأة فستان صغير، تسأل زوجها: "هو دا بذمتك وحش؟"، يرد الزوج سريعا ودون حتى أن ينظر له جيدا وكأنه يريد أن يتخلص من الأمر "دا جميل جدا"، بينما الشبر والنص الذى أنجباه، تشير برأسها علامة على الرفض، فكرت للحظة أن أشوطها برجلى، وأنا أتذكر جدى محمد آب إسماعيل وشقيقه جمعة.

أعتقد أن الحكومات القادمة فى مصر، سيكون أمامها تحديات كبيرة متعلقة باختيارات أجيال جديدة صاعدة، لن يقنعها ما كان يقنعنا يوما ما، ففى النهاية نحن تربينا فى الاختيار بين نوعين من الأشياء فى أغلب الأحوال، القناة الأولى أو الثانية، التعليم العام أو الأزهرى، باتا أو كوتشى، قلم فرنساوى أو قلم بيك،.. أو...، أما الآن فقوائم الاختيار طويلة ومزعجة، والأصعب أنها ليست مرضية بسهولة.

***

على التليفون، تقترح المدام زيارة المحل الثالث، بينما أعلن لها وأنا فى طريق العودة، "أنا تعبت" و"غلبت" و"مفيش حاجة عجباها

 	أحمد عطا الله

أحمد عطا الله

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - صلاة الطفولة

  ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...

سهيلة الرملى: «اتكلمى» ركزت على المسكـوت عنه فى كتب التاريخ

الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى

«السيد فى حقل الأدب».. شهادات وقـراءات كاشفة لعالم صبرى موسى

ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية

خالد أمين: وقعت فى غرام الـرعب والغموض

أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد