«أوديب فى الطائرة».. الواقعية السحرية على طريقة محمد سلماوى

رواية تستدعى أشهر أسطورة إغريقية لترصد ما حدث فى «يناير»/ فى الرواية تتداخل الأزمنة والعصور والأحداث من آلهة الأولمب إلى معهد السينما/ هل استخدم المؤلف «الرمز» خوفًا من الكتابة فى موضوع شائك ومثير للجدل؟

فى زمن مضى كان المبدع يضطر إلى الرمز، إذا ما قرر أن ينتقد بحدة دون أن يطوله عقاب السلطة وبطشها، فيلجأ إلى حِيل مبدعة يقول فيها رأيه ويعلن موقفه وهو يتخفى وراء ستار، مراهنا على وعى المتلقى وفطنته فى فك الشفرة وقراءة الرسالة المشفرة..

وهكذا حملت العديد من الأعمال الأدبية تفسيرات سياسية، بل كانت تلك التفسيرات المتضاربة لما حملته من رموز وشفرات سببا فى شهرتها وذيوعها.. ويمكننا أن نكتفى بأمثلة سريعة مثل مسرحية "السلطان الحائر" لتوفيق الحكيم، ورواية "شىء من الخوف" لثروت أباظة، وقصة "سائق القطار" لنجيب محفوظ، وقصيدة "عودة ذى الوجه الكئيب" لصلاح عبد الصبور، وأغنية "طول ما أنت فى العالى يا لسمر" للأبنودى، وجميعهم قيل إنهـــم كـــانـــوا فـــى نقد سلطة عبد الناصر وسطوته وديكتاتوريته..

صحيح أن بعضهم مثل نجيب محفوظ والأبنودى أنكر التفسير السياسى لعمله، لكنه بقى - رغم الإنكار-  ضمن قائمة طويلة من ما سمى بأدب الرمز..

(1)

إذا كانت تلك الحيلة مقبولة ولها ما يبررها فى زمن مضى، فما الذى يدفع كاتبا مرموقا بقيمة محمد سلماوى لأن يلجأ إليها فى عصر لم يعد فيه سر ولا رمز، خاصة وأنه – سلماوى – معروف بجسارته كمبدع، ودفع أثمانا غالية لمواقفه التى سار فيها عكس التيار، وكلفته تجربة اعتقال وأزمات مع الرقابة وعواصف سياسية وأدبية خاضها بشرف ولم يتراجع أو يتنازل عن ما يعتقد أنه الصواب والحق.. وهو ما كاد يكلفه حياته نفسها بعد معركته مع الجماعات المتطرفة فى مسرحيته "الجنزير" التى كتبها فى عز سطوة تلك الجماعات الإرهابية وتنبأ فيها بسيطرة التيار المتأسلم على الشارع ووقوع مصر رهينة لتلك الجماعات.. فلماذا لا يسمى سلماوى الأشياء بأسمائها فى روايته الجديدة كما اعتاد وتعوّد؟

إنه السؤال الذى يطل من اللحظة الأولى التى تبدأ فيها فى قراءة روايته الجديدة "أوديب فى الطائرة" (الصادرة عن دار الكرمة فى معرض الكتاب الأخير).. فهل كان سلماوى يخشى من كتابة رواية مباشرة عن ثورة يناير، وهو الذى تنبأ بها فى روايته "أجنحة الفراشة"، وقال فيها صراحة إن هذا الوضع المتأزم فى أخريات زمن مبارك لن يستمر، وستنفجر الأمور وسيخرج الناس للتظاهر فى ميدان التحرير، وهو المشهد الذى حدث بعدها بالفعل وكأنه كان يقرأ من كتاب الغيب، أو قل إنه إبداع الفنان عندما يقرأ ما وراء الواقع ويتحول إلى زرقاء اليمامة.. فيرى العاصفة قبل هبوبها..

فهل كان سلماوى يخشى من الكتابة عن الثورة التى تنبأ بها؟

عندما تنتهى من قراءة الرواية ستضحك من سذاجة السؤال، بل ومن سذاجتك، وستدرك أنك وقعت فى فخ مدهش من الإتقان والإبداع دبره لك المؤلف ببراعة!

فحتى مع تغيّر الأسماء، وتداخل الأزمنة والعصور، واختلاط الوقائع بالأساطير، ستكتشف أنك تقرأ عن أحداث عشتها وشخصيات تعرفها وصراعات عاصرتها ومصائر كنت شاهدا عليها، فى حالة مدهشة من الواقعية السحرية أدخلنا فيها سلماوى، وجعلنا نلهث وراءه، نتابع الأحداث بشغف، ونمارس تلك الخدعة الممتعة.. ونصدق أنه يحكى عن "أوديب" و"جوكاستا" و"كريون" وأبطال أسطورة  "سوفوكليس"  الإغريقية، وليس "اللى بالك بالك" من شخصيات ثورة يناير المصرية..

(2)

أجمل ما فى تلك الرواية أنها تجعل عقلك مستيقظا طوال الوقت، ومؤشر التركيز عند مستواه الأعلى، فذلك الإيقاع اللاهث للأحداث، وتلك النقلات الحادة من زمن الإغريق إلى زمن يناير، وتداخل أسطورة "أوديب" ومأساته فى ذلك الزمن الغابر مع وقائع ما جرى فى مصر قبل سنوات حاضرة فى الأذهان.. كلها أسباب تجعل عينيك فى وسط رأسك حتى تربط الأحداث وتفك الشفرات وتدرك المعانى..

لكن هذا الربط يقتضى منك أن تكون عارفا بالأسطورة الأغريقية وتفاصيلها، وهو ما يجعلنا لا نراهن على ثقافة القارئ، ويقتضى منا أن نفكك الأسطورة لندرك كيف أبدع سلماوى فى استغلالها ليقدم من خلالها وقائع ثورة يناير وأحداثها..

تقول الأسطورة إن أحد كهنة الملك "لايوس" تنبأ بأن زوجته الجميلة الملكة "جوكاستا" ستلد غلاما سيقتل والده ويتزوج أمه، وتعامل الملك مع النبوءة بجدية شديدة، فلما ولدت زوجته الغلام أمر أحد الرعاة بأن يحمله إلى قمة الجبل ويقيد قدميه ويتركه لحتفه، لكن من حسن حظه أن يعثر عليه أحد الأشخاص ويحمله إلى قصر "بوليب" ملك "كورنثة"، وتتبناه زوجته الملكة "موريب" وتمنحه حبها ورعايتها خاصة أنها محرومة من الإنجاب، وتسميه "أوديب"، أى متورم القدمين، ويشب الطفل ويكبر وهو يعتقد أنه ابن الملك والملكة، إلى أن يكتشف الحقيقة الصادمة، ويخبره الكاهن أنه ابن اللعنة التى ستجعله يقتل أباه ويتزوج أمه، فيقرر أن يغادر "كورنثة"، المملكة التى قضى بها أغلب عمره، ظنا أنه يهرب من لعنته وقدره، وفى طريقه لدخول مدينة "طيبة" يدخل فى معركة مع أحد الأشخاص ويقتله، وعلى أبواب المدينة يفاجأ بذلك الوحش المرعب الذى يُفزع الناس ويمنعهم من الدخول إلا بعد أن يجيبوا على سؤال لغز، لم يستطع أحد حله، ولم يستطع أحد أن ينجو منه، وتكون فرحتهم غامرة عندما يتمكن "أوديب" من إجابته ويزول كابوس الكائن المرعب ومكافأة له ينصبونه ملكا على مدينتهم ويزوجونه من ملكتهم الجميلة..

ويعيش أوديب سنوات من الهناء إلى أن تتكشف له المأساة، ويدرك أن الرجل الذى قتله على أبواب المدينة لم يكن سوى أبيه الملك "لايوس" وأن الملكة التى تزوجها وأنجب منها بناته لم تكن سوى أمه الملكة "جوكاستا".. وتحل عليه اللعنة التى هرب منها.. وتحل على المدينة التى هرب إليها..!

ولا يكون خلاص له ولمدينته إلا بالخلاص منه..

(3)

بحرفية شديدة وظّف سلماوى تلك الأسطورة الشهيرة ليحكى من خلالها قصة "أوديب " الجديد، ملك مصر المعاصر الذى لا يدرك لعنته إلا متأخرا وبعد فوات الأوان كما حدث لأوديب.. اليونانى.

تبدأ أحداث رواية "أوديب فى الطائرة" بأوديب فى الطائرة التى هبطت به إلى مطار السجن، ويكون فى استقباله على باب الطائرة رئيس أركان المملكة، ليصحبه بنفسه – تقديرا لمكانته وتاريخه – إلى باب زنزانته، تنفيذا لنبوءة "زيوس" المقدسة، والتى قضت بتنازله عن العرش وإيداعه السجن بعدما تبين أنه سبب اللعنة التى حلت بالبلاد، وثورة الشعب ضده، ولكن أوديب يرفض النزول من الطائرة، فحتى هذه اللحظة كان لا يستطيع تصديق ما حدث ولا استيعاب تلك النهاية البائسة التى هبطت به من العرش إلى "البُرش"..

ولن تمنع نفسك من الابتسام عندما تقرأ كلمات الملك المخلوع أوديب وهو يدافع عن نفسه وتاريخه: "لقد بذلت عمرى فى خدمة هذا البلد، فى الحرب وفى السلم، وحين حلت الكارثة وألّبوا الناس ضدى.. رفضت أن أترك طيبة وأهرب إلى الخارج، هذا بلدى الذى ولدت به وأخلصت فى خدمته.. لقد رفضت دعوات الاستضافة التى جاءتنى من ملوك العالم وحكامه، ولم أفعل هذا لينتهى بى الأمر فى السجن كالمجرمين.. قد هرمت وفعلت بى السنون فعلها لكنى ما زلت قويا، وتاريخى المجيد لن يذهب سدى، هل نسيتم الانتصار فى الحرب على أسبرطة، لقد جلبت لكم النصر بعد سنوات الهوان، كانت ضربتى القاضية هى التى حققت النصر لقواتنا..".

إنها كلمات نعرفها وسبق أن سمعناها بل نكاد نحفظها عن ظهر قلب، وهى لا تخص أوديب الملك بطل الأسطورة اليونانية، بل أوديب حقيقى وحاكم مصرى اشتهر بأنه صاحب الضربة الجوية الأولى..

الرواية إذن تتناول ما جرى فى يناير 2011، وسرعان ما ستدرك ذلك بوضوح فى ما تلى ذلك من فصول وأحداث، وستتعرف بسهولة على الشخصيات الحقيقية والوقائع الحقيقية التى حاول سلماوى أن يخفيها لدرجة الفضيحة!

إنه إخفاء على طريقة صديقنا الكاتب والسينارست د. عصام الشماع، عندما قدم فيلمه عن حياة الشاعر الفاجومى أحمد فؤاد نجم (عام 2011)، وحتى لا يدخل فى متاهات الورثة والحقوق الفكرية والتصاريح الرقابية قرر أن يسمى البطل "نسر" ومنح رفيق رحلته الشيخ إمام اسم "همام".. أما الفيلم من أوله لآخره فهو عن سيرة نجم وحياته ويحمل اللقب الذى اشتهر به.. الفاجومى، فاعتقد أنه بذلك ضحك على الجمهور.. والرقابة على طريقة "اللى بالى بالك"!

فى "أوديب فى الطائرة" يوظف سلماوى الأسطورة الإغريقية ويستخدمها ببراعة فى سرد الأحداث وبناء الشخصيات ونسج الصراعات، ولكنه طوال الوقت ينبهك إلى أن الأسطورة مجرد قالب قديم لحدث معاصر، حدث محفور فى الأذهان بوقائعه وتطوراته ونهاياته، تعرف شخوصه وتفاصيله ومآلاته، وحتى لو استخدم سلماوى أسماء يونانية قديمة لشخصيات روايته مثل "توبيا" رئيس مجلس الشيوخ والثعلب العجوز الماكر، و"ميناندر" رئيس حرس القصر وحافظ الأمن العام.. فأنت حتما تعرف الأسماء الحقيقية بما فيها بطل الرواية أوديب الملك..

لكن التنبيه يتحول إلى ما يشبه الفانتازيا عندما ينسج سلماوى شخصيات خيالية، أبرزها "هيباتيا" و"بترو".."هيباتيا" الشابة الجميلة الغنية التى يتمناها كل شباب طيبة، فتتركهم جميعا وتقع فى غرام "بترو" الشاب الثورى الحالم، الذى يتخرج فى معهد السينما وتضيع عليه فرصة تعيين مستحقة كمعيد فى المعهد لأنها محجوزة مسبقا لزميله ابن العميد، فيضطر لممارسة مهن لا تتفق مع دراسته ولا طموحه، ومن أجل لقمة العيش يعمل كمندوب مبيعات وسائق "أوبر"، لكنه لا يتخلى عن حلمه الكبير فى صناعة أفلام وثائقية وتسجيلية مصرية بمعايير عالمية، وتشاركه "هيباتيا" أحلامه: حلمه السينمائى، وحلمه الوطنى فى بناء وطن أجمل..

وعندما تحل اللعنة بالبلاد، ويعجز "أوديب" عن حلها، وتتفاقم الأمور يكون بترو وهيباتيا فى طليعة الشباب الثورى، ويتعرض بترو للاعتقال ولكن هيباتيا تواصل تحقيق حلمه بتصوير وقائع الثورة بكاميرته خلال فترة اعتقاله، ويخرج لاستكمال الحلم وصناعة فيلم وثائقى عما جرى فى "طيبة"، ولما يشاهد "ليون" صاحب واحد من أكبر ستديوهات التصوير السينمائى بعض مشاهد الفيلم تعجبه موهبة بترو ويتبنى حلمه ويضع كل إمكانيات الاستديو تحت أمره حتى ينجز فيلمه الأول، بل ينجح فى وصوله إلى المسابقة الرسمية لمهرجان امستردام، أكبر مهرجان للأفلام الوثائقية فى العالم..

يذهب بترو إلى حلمه.. ويذهب أوديب إلى سجنه..

ولا تسأل كيف اختلطت الأزمنة وتداخلت العصور، وسافر معهد السينما ومهرجان امستردام السينمائى إلى زمن الأغريق، أو كيف انتقل "أوديب" إلى زماننا، عليك فقط أن تعيش فى الأحداث والوقائع والمصائر.. والرسائل التى بين السطور.

(4)

لكنك لن تمنع نفسك من التساؤل: لماذا انتظر سلماوى 13 سنة ليصدر رواية عن ما جرى فى يناير 2011؟

وتأتيك إجابته: أحداث التاريخ الكبرى تحتاج إلى فترة زمنية حتى تفهمها وتدركها، وكتابة رواية عن يناير لم يكن ممكنا لها أن تتم فى حينها، فرأيى فيها تشكّل مع الأحداث، حتى اكتمل فى هذه الرواية.. واللجوء للأسطورة فيها ليس هروبا من إعلان موقفى الواضح، فالربط كان ضروريا ومنطقيا، فكما كان أوديب فى الأسطورة القديمة غير مدرك لخطئه الذى جلب عليه اللعنة بقتله لأبيه وزواجه من أمه، كذلك كان الحال عندنا، لم يدرك المسئول أنه مسئول عما آلت إليه الأمور وأنه كان مُغيبا إلا بعد فوات الآوان.. هذا ما تقوله الرواية ببساطة ووضوح.

 	أيمن الحكيم

أيمن الحكيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

«عيد الثقافة».. مصر تحتفل برمـوز قوتها الناعمة
"زهرة النار

المزيد من ثقافة

أول رسالة دكتوراه مصرية عن "خصوصية طفل التماس مع القانون"

شارك الباحث عبدالبصير حسن عبدالباقي، المحرر والمترجم السابق بالإذاعة المصرية، وكبير مراسلين في بي بي سي عربي بالقاهرة حاليًا، والحاصل...

مجلة "علاء الدين" تعقد ندوة عن النشء والاستخدام المسئول لأدوات الاعلام الرقمي

نظمت مجلة علاء الدين، ندوة حول مناقشة التأثيرات المتزايدة لإعلام الإنترنت على سلوكيات النشء، وسبل حماية الأطفال من المحتوى المضلل...

قصة مصورة - خير جليس

ربما تبدو الصورة للوهلة الأولى غامضة، ربما ستحتاج للحظات إلى أن تستوضحتفاصيلها وطبيعة الكتلة التي تتوسطها، لكنك فور أن تفعل،...

سليمان باشا الفرنساوى.. أول معلم عسكرى فى الجيش المصرى

شخصيات لها تاريخ «92» من مواليد مدينة ليون فى فرنسا وحارب تحت قيادة نابليون بونابرت ومنحه رتبة الملازم ثانٍ تقديراً...