اعتنى به الصالح نجم الدين ايوب وتربى عسكرياً على يد عز الدين أيبك وتفوق على اقرانه من المماليك
الناس فى مصر يعرفون "سيف الدين قطز"، ويعرفون رواية "وا إسلاماه" التى روى فيها الكاتب "على أحمد باكثير" قصة هذا البطل، ابن ملوك الدولة الخوارزمية الإسلامية، الذى ألقت به الظروف فى قبضة "المغول" بعد سقوط المملكة، وتحول من "أمير" إلى "رقيق أبيض" يباع بالدينار ويخضع لمالكه الذى اشتراه، ولكن شهرة "الظاهر بيبرس" فى الفترة التى شهدت الحرب بين الصليبيين والمسلمين فى "المنصورة " و"دمياط" ووجود سيرة شعبية باسم الظاهر بيبرس، ووجود شعراء رواة لها ـ يسمون الظاهرية ـ لسنوات طويلة، كل هذا قلل من حضور "سيف الدين قطز" وجعله غائما، غير واضح فى عقول المهتمين بتاريخ مصر فى حقبة المواجهات العسكرية التى عاشتها فى العصور الوسطى وخاضت خلالها حروبا ضد القوى الهمجية والاستعمارية "المغول والصليبيين" الذين صدتهم القوة المملوكية بدعم الشعب وعلماء الأمة الأحرار.
منذ ظهـور فيلــم "وا إسلاماه" فى ستينيات القرن الماضى ـ وهو إنتاج مصرى إيطالى ـ وقبله، درس الرواية المأخوذ عنها الفيلم لطلبة المدارس الثانوية، أصبح "قطز" معروفا لدى قطاعات واسعة من الناس، لكن دوره الكبير فى قهر المغول وحماية الديار المصرية وإدارة معركة "عين جالوت" التى حررت بلاد الشام من الغزو المغولى الهمجى لايعرفه كثيرون، فهو "أمير" من أمراء "الدولة الخوارزمية " خاض تجربة حياة ثرية، مؤلمة، لكنه انتصر وعاش فى قلوب المسلمين والعرب، بفضل بطولاته ومواهبه العسكرية وقدراته غير العادية على إدارة الصراع السياسى فى فترة كانت دقيقة من تاريخ مصر وبلاد العرب فى العصور الوسطى.
الملك الخوارزمى
فى الوقت الذى كان فيه ـ المغول أو التتارـ يجتاحون الدول ويسيطرون على الشعوب المسلمة، كانت الدولة الخوارزمية بقيادة "علاء الدين بن محمد خوارزم" وولده "السلطان جلال الدين" تقاوم هذه الجيوش المغولية الهمجية التى لا تبقى ولا تذر، والخوارزميون سلالة تركية "سنية" المذهب، حكمت مناطق من آسيا الوسطى وغرب إيران فى الفترة من "1077ـ 1220" أى حوالى ما يزيد على الخمسين سنة، والخوارزميون فى بداياتهم كانوا تابعين للسلاجقة، ثم استقلوا فى القرن الحادى عشر الميلادى، وكان سقوط الدولة الخوارزمية ومقتل السلطان "جلال الدين بن محمد خوارزم شاه" فى "15 شوال 628 هجرى ـ الموافق 9 أكتوبر 1231 ميلادى"، وكان الأمير "ممدود الخوارزمى" ـ ابن عم السلطان جلال الدين وزوج شقيقته ـ شارك فى مقاومة المغول، وقتل فى معركة وترك ولده الطفل الرضيع "محمود"، وصور الكاتب ـ على أحمد باكثيرـ ماجرى للطفل "محمود بن ممدود" فى روايته "واإسلاماه" بقوله:
"مات الأمير ممدود شهيدا فى سبيل الله، ولم يتجاوز الثلاثين من عمره، تاركا وراءه زوجته البارة، وصبيا فى المهد لم يدر عليه الحول، ولم يتمتع برؤيته إلا أياما قلائل، إذ شغله عنه خروجه مع "جلال الدين" لجهاد "التتار" ولم يكن له وهو يودع هذه الحياة ونعيمها من عزاء إلا رجاؤه فيما أعد الله للشهداء المجاهدين من النعيم المقيم والرضوان الأكبر".
هذا هو "محمود بن ممدود" الذى سيصبح من أبطال التاريخ الإسلامى، وتكشف الأيام عن أصالة معدنه وجوهره النقى وإيمانه القوى، والمؤرخ "شمس الدين الجزرى" كتب سيرة "قطز" ومما كتبه عنه، سطور دالة قال فيها:
"لما كان "قطز" فى رق "موسى بن غانم المقدسى" بدمشق، ضربه وسبه بأبيه وجده، فبكى ولم يأكل شيئا سائر اليوم، فأمر ابن الزعيم أن يترضاه ويطعمه، فروى ـ الفراش ـ أنه جاءه بالطعام وقال له:
ـ كل هذا البكاء من لطمة!
فقال "قطز":
ـ إنما بكائى من سبه لأبى وجدى وهما خير منه..
فقلت:
ـ من أبوك.. واحد كافر..
فأجابنى:
ـ والله ما أنا إلا مسلم ابن مسلم، أنا "محمود بن ممدود" ابن أخت "خوارزم شاه" من أولاد الملوك.
هذا الاعتزاز بالذات، هو ما حمى "محمود بن ممدود" لما جارت عليه الظروف والأيام ووجد نفسه "عبدا" يباع فى سوق العبيد، وهو الذى عاش فى قصر المملكة فى رعاية خاله الملك، بعد مقتل والده فى معركة بين "المغول" و"الجيش الخوارزمى"، ولم يذكر المؤرخون السنة التى ولد فيها "محمود" ـ سيف الدين قطزـ ولكن بالتقريب هو من مواليد العام "628 هجرى" الموافق "1231 ميلادى"، ونشأ نشأة الأمراء، ولما بيع لواحد من أثرياء الشام، رباه تربية حسنة، فعلمه اللغة العربية والدين وحفظ القرآن الكريم، وبعد موت السيد الثرى، لم يدم بقاؤه مع ولد الثرى الراحل، وبيع لثرى مقرب من الفقيه الجليل "العز بن عبد السلام" فتربى تربية جديدة، وانشغل الناس فى ذلك الزمان بالحروب الصليبية على بلاد الشام، وما كان من تحالف بين الصليبيين و"الصالح إسماعيل" ونهوض من جانب "الملك الصالح نجم الدين أيوب" للدفاع عن ديار الإسلام، وطلب "قطز" من سيده أن يبيعه إلى الملك الصالح نجم الدين أيوب، وتم له ما أراد، وتولى تربيته العسكرية المملوكية فى مدرسة المماليك، الأمير "عز الدين أيبك" وفى المدرسة تلقى العلوم الدينية والعسكرية، ولأن لديه خبرة سابقة فى هذه المجالات، اكتسبها فى قصر خاله الملك الخوارزمى، تفوق على أقرانه من المماليك، وقبل أن نواصل الرحلة التاريخية مع هذا البطل المجاهد، نقول للقارئ الكريم إنه "محمود بن ممدود" المسمى "قطز" وقطز كلمة مغولية "تتارية" تعنى "الكلب الشرس"، لأنه منذ القبض عليه وإرساله إلى الشام ليباع فى سوق العبيد، بدت منه العداوة لهم وبدت عليه مظاهر القوة..
مع المماليك البحرية
انتقل ـ قطزـ من الشام إلى مصر وأصبح ضمن "المماليك البحرية" وهى مجموعة قتالية مدربة تدريبا رفيع المستوى، اعتنى بها الملك الصالح نجم الدين أيوب، وجعل مساكنها فى منيل الروضة، ومن "البحر" الذى هو "نهر النيل" اشتق اسمها لأنها تسكن بالقرب منه، وهذه المجموعة كان لها دور كبير فى التصدى للحملة الصليبية التى قادها "لويس التاسع" التى انتهت بهزيمته ووقوعه فى الأسر وإيداعه دار ابن لقمان فى المنصورة، وكانت معركة المنصورة بداية تحول فى مصائر "المماليك" وشعورهم بالقدرة العسكرية التى أغرتهم بالدخول فى السياسة من باب السيف والدرع، فكان موت "الصالح نجم الدين أيوب" أثناء المعركة بين "المماليك" المدعومين بالمقاومة الشعبية المصرية، ونجاح زوجته "شجر الدر" فى إخفاء خبر موته خوفا من انكسار الجيش، واستدعاؤها "توران شاه" ابن زوجها ليحكم البلاد، بعد أبيه، وفشل "توران شاه" فى الحكم، مقدمة لسقوط "الدولة الأيوبية" ومولد" الدولة المملوكية"، وجلست "شجر الدر" على عرش مصر، وسخر منها الخليفة العباسى فى بغداد، وهاجمها الشيوخ الذين رأوا أن تولى امرأة حكم المسلمين يخالف الشرع والعرف ولا يناسب الظرف، فتنحت عن السلطة بعد أن قضت على كرسى العرش ثمانين يوما، وتزوجت "عز الدين أيبك" أمير جند السلطنة، بعد مقتل "توران شاه" وعزله وهو"ابن الملك الصالح الأيوبى"، ووقع الصراع بين "أقطاى" الأمير المقرب من "الملك الصالح" فى حياته، و"أيبك" أمير الجنــد، وكــان "قطــز" منحــازا لأستــاذه "المـلك المعـز عز الدين أيبك" وكان ضمن القوة التى قتلت "فارس الدين أقطاى الجمدارى الصالحى" والجمدارى معناها، المسئول عن ملابس الملك، ومبعث العداوة بين "أقطاى" و"أيبك" هو الموقف الحرج الذى وجد فيه "أيبك" نفسه، فهو زوج "شجر الدر" الملكة المتنحية عن الحكم، ولكن المماليك يعرفون أنها تحكم من وراء ستار، والستار هو "الملك المعز عزالدين أيبك" و"أقطاى" من الأمراء البارزين، كان يجهز نفسه للزواج من امرأة تنتمى إلى الأيوبيين، لتمنحه القبول والشرعية، ويصبح سلطان مصر، ولهذا قتله "أيبك" بأيدى تلميذه "قطز"، وفى الوقت ذاته عرفت "شجر الدر" أن زوجها ـ الملك المعزـ يسعى للزواج من ابنة ملك الموصل "بدر الدين لؤلؤ"، فأمرت غلمانها بقتله فقتلوه وهو يستحم فى الحمام، وكان العداء بينهما كبيرا، لأنه أهملها وحكم منفردا، وجاءت رغبته فى الزواج من أخرى لتمنح الملكة الجريحة مبرر قتله، وكان مقتله فى العام "655 هجرى" الموافق للعام "1257 ميلادى"، وروجت ـ شجر الدر ـ شائعة مؤداها أن "الملك المعز" سقط من فوق جواده فمات، ولم يصدق "قطز" الشائعة وعزم على قتل "شجر الدر" باتفاق مع المماليك المعزية، تلاميذ الزوج القتيل الملك المعز أيبك، وتولت أم ولد القتيل تنفيذ المهمة، وقتلت "شجر الدر" فى الحمام أيضا، وألقيت جثتها للطيور الجارحة وبعد أيام جمع خدم القصر ما تبقى من جثتها ودفنوه فى القبة التى شيدتها قبل رحيلها، ومازالت القبة قائمة بجوار مسجد السيدة نفيسة بالقاهرة.
الحرب والسياسة
كان "سيف الدين قطز" مقربا من "عز الدين أيبك" ونائبا له وهو من ساعده فى تنفيذ خطة اغتيال "فارس الدين أقطاى" وهو الحادث الذى جعل "المماليك البحرية" تعتبر "قطز" العدو الأول لها، بعد قتله قائدهم وأستاذهم، ولكن هناك مرحلة مهمة من حياة "قطز" انشغل فيها بالحكم والسياسة، والحرب مع "المغول"، أما السياسة فهو فيها منذ انهيار عرش الدولة الخوارزمية على أيدى المغول، لكنه فى مرحلة حياته "المملوكية" كان الطرف الفاعل فى كل الصراعات بين "المعزية" و"البحرية"، وهو الذى دعم اختيار "المنصور على" ولد "عز الدين أيبك" ليكون السلطان على عرش مصر، وكان عمر المنصور خمسة عشر عاما، وكان يحب ركوب الحمير، واللعب بالحمام مع خدم القلعة، وكانت أمه تحكمه وتتحكم فيه، ورفض بعض المماليك الاعتراف به سلطانا، وسعى هذا البعض إلى "بنى أيوب" الذين كانت مصر فى ولايتهم قبل موت الملك الصالح ومقتل ولده توران شاه بأيدى المماليك، وحاول "المغيث عمر" أمير "الكرك" فى الشام أن يغزو مصر وفشل، وسعى "سنجر الحلبى" للجلوس على عرش البلاد، لكن "قطز" أودعه السجن، وأشاع السلطان المراهق الساذج "المنصور على" أنه يرغب فى خلع "قطز" من موقع نائب السلطنة، وجرت مصالحة بينه وبين "قطز" وفى الوقت ذاته كانت الأحوال متردية، نتيجة للفتن التى أثارتها طوائف المماليك فى القاهرة، وتمكن من القضاء على الخطر الأيوبى ودحر القوات التى رافقت "المغيث عمر" لاحتلال مصر، وقبض على المماليك الموالين للمغيث، وكان "المغول" احتلوا مدن الشام، فأرسل "الملك الناصر" رسالة استغاثة حملها المؤرخ والفقيه "كمال بن العديم" احتوت تحفيزا لعسكر مصر "المماليك" للجهاد ضد المغول فى الشام، وانعقد مجلس العسكر فى القلعة وحضره السلطان المراهق "المنصور نور الدين على" وحضره أيضا كبار القوم، والعلماء ومنهم قاضى القضاة "بدر الدين السنجارى" والشيخ "العز بن عبد السلام"، وتداول الحاضرون الواقع القاسى الذى تعيشه بلاد الشام تحت سطوة المغول الهمج الذين يقتلون الناس ويدمرون كل مظاهر الحضارة، وقال "قطز" ما معناه إن الوضع العسكرى والسياسى المستجد، يحتاج إلى سلطان قوى يحسن التدبير لمنازلة العدو ويجهز الجيش بالأسلحة والعتاد ويمنح العسكر الرواتب والأموال، وقررـ قطزـ خلع "المنصور على" من عرش السلطنة، وبالفعل اعتقله ومعه أمه وشقيق له "قاقان" وأودعهم أحد أبراج القلعة، ورفض المماليك القرار الذى اتخذه "قطز" فأخبرهم بما فعله المغول فى الشام، وأوضح لهم أنه لم يسع للسلطنة، بل يريد قتال المغول فى الشام ويجمع كلمة العسكر "المعزية" و"البحرية" ويشرك الشعب فى المعركة.
التجهيز للمعركة الكبرى
أصبح "قطز" سلطان مصر، فى الوقت الذى أصبح فيه "المغول" فى "غزة"، وقد سقطت غالبية مدن الشام فى قبضتهم، وكان الصليبيون يحتلون مناطق منها "عكا"، وأصدر أمره بالعفو عن "المماليك البحرية" الذين هربوا إلى الشام بعد مقتل "أقطاى"، واستقبل "الظاهر بيبرس" بحفاوة وأنزله دار الوزارة، ومنحه "قليوب" وما حولها من قرى، وكان الهدف الذى قصده قطز، توحيد صفوف العسكر، والاستعداد للمعركة الكبرى ضد المغول، وجمع السلطان مستشاريه ومنهم الشيخ "العز بن عبد السلام" وشرح للجميع الموقف المالى للسلطنة وما تفرضه ظروف الحرب ضد المغول واقترح جمع المال من الفلاحين والتجار، وطلب الفتوى من الشيخ "العز بن عبد السلام" لأن المسلمين لايدفعون غير"الزكاة" فأفتى الشيخ:
"إذا طرق العدو باب بلاد الإسلام، وجب على العالم كله قتالهم، وجاز لكم أن تأخذوا من الرعية ما تستعينون به على جهادكم بشرط أن لايبقى فى بيت المال شىء، وتبيعوا مالكم من الحوائص "حزام الرجل وحزام الدابة المذهب والآلات النفيسة" ويقتصر كل الجند على مركوبه وسلاحه ويتساوون هم والعامة وأما أخذ الأموال مع بقاء ما فى أيدى الجند من الأموال فلا.."
وقبل "قطز" الفتوى، وبدأ بنفسه، فباع كل ما يملك وأمر الوزراء والأمراء أن يفعلوا ذلك، فانصاع الجميع وامتثلوا لأمره، فقد أحضر الأمراء كافة ما يملكون من مال وحلى نسائهم، وجمعت كل هذه الأموال وأنفقت فى تجهيز الجيش، ولم تكف بالمطلوب، فقررـ قطزـ ضريبة على كل رأس من أهل مصر، دينار على كل رأس، وأجرة "الأملاك" أخذ منها ما يعادل أجرة شهر، وأخذ من الترك الأهلية ثلث المال، وجمع من كل الطوائف حوالى ستمائة ألف دينار..
وتلقى السلطان "سيف الدين قطز" رسالة من "هولاكو" حملت التهديد المباشر، ومما جاء فيها:
"......كثيركم عندنا قليل وعزيزكم عندنا ذليل، فلاتطيلوا الخطاب وأسرعوا برد الجواب، قبل أن تضرم الحرب نارها وترمى نحوكم شرارها فلاتجدون منا جاها ولا عزا وتدهون منا بأعظم داهية، فقد أنصفنا إذ راسلناكم .."
وقال "ركن الدين بيبرس" الذى هو نفسه "الظاهر بيبرس" فيما بعد، وأحد كبار المماليك البحرية مخاطبا السلطان سيف الدين قطز:
".....أرى أن نقتل الرسل الأربعة "رسل هولاكو" ونقصد "كتبغا" قائد المغول، متضامنين، فإذا انتصرنا أو هزمنا فسنكون فى كلتا الحالتين معذورين".
الطريق إلى عين جالوت
كان الطريق إلى لقاء "المغول" يمر بمدينة "عكا" الواقعة تحت سيطرة الصليبيين هى ومدينة "حيفا"، وكان من الضرورى عقد اتفاق يسمح لجيش المسلمين بالمرور الآمن، وجرى الاتفاق بين "قطز" والحاكم الصليبى فى عكا على السماح لجيش المسلمين بالعبور، وتأمين احتياجاته من الطعام والماء، على أن تباع الخيول المغولية التى يغنمها المسلمون فى الحرب بأسعار زهيدة للناس فى عكا، ووفى الصليبيون بوعدهم، ومر المسلمون من عكا إلى "عين جالوت"، وتحرك الجيش بخطة عسكرية وضعها "قطز" تقوم على، دخول "بيبرس" بمقدمة الجيش وحدها، حتى يرى "جواسيس المغول" عددها القليل فيخبرون قادتهم ويرتبون جيشهم على أن المقدمة هى كل الجيش، وبعد فترة يلحق به "قطز" على رأس بقية الجيش، ووقعت معركة فى "غزة" بين المسلمين بقيادة "قطز" والمغول بقيادة "كتبغا"، وواصل المسلمون تقدمهم نحو عسقلان ويافا وحيفا، حتى بلغوا "عكا" ومنها اتجه إلى الجنوب الشرقى، بحثا عن موضع يصلح للقاء المغول، فى الوقت ذاته تحركت قوات المغول من "سهل البقاع " ـ فى لبنان حاليا ـ باتجاه الجنوب، وبدأ القتال، ونزل "قطز" أرض المعركة، فرمى خوذته وأخذ يصرخ "وا إسلاماه، وا إسلاماه"، واحتدم القتال فى سهل عين جالوت، وبدأت الكفة تميل لصالح المسلمين، وتقدم أمير من أمراء المماليك "جمال الدين آقوشى الشمسى" واخترق صفوف المغول، ودار بينه و"كتبغا " قتال، فقتل قائد المغول، وضعفت عزائمهم، وأصبحوا يقاتلون ليتمكنوا من الهرب، واستطاعوا فتح ثغرة فى المدخل الشمالى، وخرجت أعداد كبيرة منهم باتجاه الشمال وهناك وقعت معركة فى "بيسان" وفعل "قطز" مثل ما فعل فى "عين جالوت" وتحمس الجنود للقتال لما سمعوا هتافه "وا إسلاماه، وا إسلاماه" وأبيد جيش المغول عن آخره، لم يبق جندى مغولى "تتارى" واحد على قيد الحياة.
مقتل البطل المنتصر
كانت نهاية "قطز" بعد معركة "عين جالوت" التى كسرت "المغول" وأوقفت الزحف الهمجى لهذه القوة الغاشمة التى لم تبق قوة فى طريقها إلا وأبادتها، ويكفى أن نعرف أن حضارة "بغداد" انتهت على أيدى هؤلاء التتار "الهمج"، ونعرف أنهم كانوا يقتلون المسلمين وحدهم، ولولا ما قام به "قطز" ما قامت للسلطنة المصرية قائمة، فهو صاحب ثأر، وصاحب عقيدة وإيمان، ثأره على "المغول" لأنهم دمروا "الدولة الخوارزمية" دولة آبائه وأجداده، وجعلوه عبدا فى سوق الرقيق، وقتلوا والده وخاله، وعقيدته وإيمانه صاغهما فى صيحته "وا إسلاماه" التى جعلت الجنود يقاتلون بقوة ويقبلون على الشهادة راضين، ومعركة "غزة" ثم "معركة "عين جالوت" ثم "معركة بيسان" كانت فى "رمضان" فأصبحت جهادا فى شهر الله وفى سبيل الله، وهى من المعارك الفاصلة التى أبادت جيش المغول، قتل قائده وجنوده كلهم، وانتهى الخطر المغولى عن الديار المصرية، وبقى الثأر القديم بين "قطز" والمماليك البحرية، وهم من حاربوا المغول تحت قيادته، ولكنهم لم ينسوا له قتله أستاذهم "فارس الدين أقطاى" فى ظروف الصراع بينه وبين أستاذه "عز الدين أيبك"، و"بيبرس البندقدارى" هو من قتل "قطز" ويقول المؤرخون:
"ـ بعد مقتل قطز، بقى ملقى على الأرض، مضرجا بدمائه دون أن يجرؤ أحد على دفنه، إلى أن دفنه غلمانه، وصار قبره يقصد للزيارة والتبرك والناس يترحمون عليه ويدعون على قاتله، وكان الملك "الظاهر بيبرس" قد شارك فى قتله، فلما بلغه ذلك سير من نبشه ونقله إلى غير ذلك المكان وعفى أثره، ولم يعف خبره، ثم حمل "قطز" بعد ذلك إلى "القاهرة" ودفن بالقرب من زاوية الشيخ تقى الدين قبل أن تعمر، ثم نقله "الحاج قطز الظاهرى" إلى القرافة ودفن بالقرب من زاوية ابن عبود.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يبدو اللقب غريبا، وربما هذه هي المرة الأولى التي تسمعه فيها رغم أنه معروف تماماً في منطقة الدرب الأحمر..
المشهد الثقافى يشبه بوفيه مفتوح فى عرس صاخب.. والرواية وجبة جاهزة الأكاديميات تُخرّج موظفى نقد أوشارحى مناهج وليس نقادًا
تعلّق القراء بالجوائز شىء طبيعى لأنها تمثل «فلترة رسمية» الكتابة علّمتنى الإصغاء ومنحتنى مساحة نفسية للتعامل مع الإرهاق
يذكر ستيفن أن الحظ والقدر كليهما بات عنصرا واحدا وقد تشخصن مثلا عند الإغريق فأعطوه اسما مؤنثا «توشيه» نسبة إلى...