استنطاق المشاهد الإنسانية وتحويلها إلى لوحات سردية ناطقة/ تضمين الرؤى الفلسفية والصوت السردى والأسلوب الشعرى المغاير
تحلق منال رضوان فى سماء الإبداع كطائر حر لا يعترف بالمسافات ولا بالحدود.. تتنقل بخفة وحرية فى فضاءات ممتدة واسعة.. تكتب الرواية والقصة القصيرة والشعر بجناحيه الفصحى والعامية.. أصدرت حتى الآن رواية هى بلكونة نحاس ومجموعتين قصصيتين هما سنوات الجراد وطقس اللذة وثلاثة دواوين شعرية هى.. أنا عشتار، وقربان لا تأكله النار بالفصحى، ورباعيات حب وبعاد بالعامية، ولها أيضا كثير من الدراسات النقدية المهمة فى إبداعات نجيب محفوظ وحيدر حيدر ويوسف السباعى ومحمد عبد الحليم عبد الله وغيرهم.
أول ما يلفت النظر فى «طقس اللذة» هو اعتماد منال على اللغة المكثفة.. وقدرتها الكبيرة على التقاط المشاهد العادية وتحويلها الى رؤى إنسانية وفلسفية مختلفة ومعبرة.
فى مجموعة طقس اللذة كتبت منال رضوان ثلاثين قصة تبدو فيها قدرتها التامة على امتلاك لغة خاصة بها.. لها حضورها فى الجو الإبداعى بشكل عام لأغلب القصص..
بعض القصص تلمع فيها لحظات شديدة الوميض كالبرق لا يمكن التعبير عنها إلا من خلال قصة قصيرة جدا.. كانت طبيعة الفكرة هى التى تحدد.. وهى تلتزم بطبيعة هذا الطيف الأدبى من تكثيف وإيجاز ومفارقة.. فطبيعة الفكرة تقودها إلى شكلها النهائى.
على أن منال استطاعت أيضا أن تلتقط لحظات إنسانية شديدة الحضور فى حياتنا قدمتها بشكل مغاير.
كورونا وما فعلته فينا من زوايا إنسانية عديدة، كان لمنال إبداع قصصى متفرد فى رسم تلك اللحظات كلوحة موشاة بمشاهد حافلة.. وهو ما جسدته قصة "مذاق خافت" على نحو واضح.. البطلة القاصة تذكرت بكثير من الحنين فنجان قهوتها الخزفى حين رأت فنجانا آخر خزفياً الذى لم يقاوم الاحتجاز القسرى والاحتجاب داخل أروقة المقاهى الشاطئية الخاوية، وانسحب أمام طوفان الفنانين الكرتونية التى تشبعت بطعم كرتونى ساخر.
هذا الفنجان الكرتونى حل محل الخزفى حتى فى قراءة الفنجان على شاطئ البحر.. وأخيرا تحصل البطلة على فنجان خزفى تضعه فى خزانة ذكرياتها الخزفية..هنا تبدو القاصة فى تمام قدرتها على التقاط المشاهد واللحظات الصغيرة وتحويلها إلى لوحة دالة ومعبرة ومؤثرة.
مفارقة
تستعين منال رضوان بالمفارقة فى كثير من قصصها.. المفارقة تسيطر على المشهد العام للأحداث تبدو وكأنها الأساس الذى تبنى عليه قصتها.
تتجلى هذه المفارقة فى قصة العصا المقدسة.. رجل ثمانينى ضخم يعمل مديرا للنادى الذى ترتاده القاصة.. يستند دائما على عصا لها رأس عاجى غريب يمنح الأطفال الحلوى يغضب كثيرا لو رأى أحدا يوبخ طفلا.. يتحدث عن الحرية كثيرا ثم نكتشف أنه كان مسئولا عن أحد أعتى المعتقلات وأنه أدين فى قضية تعذيب خطيرة وأنه يضع عصاه مستندة على مقعده الشاغر بطريقة تجعل المارين يلمسونها فتقع على الأرض فيقومون بالتقاطها ووضعها مكانها.. هم يعرفون أنه يتعمد وضع العصا بطريقة معينة كى يوقعوها أرضا وهم يتعمدون ذلك لالتقاطها من الأرض وكأنهم يعالجونه على المستوى النفسى، وحين سقط ذات يوم مريضا وجاءت الإسعاف لنقله.. وقعت العصا ولم يتحرك أحد منهم هذه المرة لإسنادها إلى المقعد الشاغر بالاحترام الواجب، وأعتقد أن القاصة لديها شغف كبير بالتقاط هذه المشاهد ذات الدلالات الإنسانية المختلفة وتحويلها إلى قصص حية وأبطال من لحم ودم يتحركون على مسرح الحياة.
المفارقة أو المقابلة كما ذكرنا ربما تبدو جلية وجميلة فى قصة الناسك.
مقابلة بين ناسك يبست أصابعه من كثرة محاولات التشبث بسحائب السماء.
وبائع خبز أخرس يثق أنه بإشارة من يد الناسك نحو السماء سوف يتحرر لسانه من الخرس.. يصلى الناسك ولا شىء يحدث وينصرف الفتى باكيا..وحين عثرت قدما الناسك بحجر عنيد سقط وأريقت قطرات من دماء خضبت جبهته ناصعة البياض، وبينما كان رواد السوق يلعقون دماء الناسك فى شغف وهياج وانتشاء وحدة الطفل الأخرس صرخ طالبا بمعجزة شفاء لسيده.. بكلمات بدت واضحة اخترقت السحب العنيدة للمرة الأولى..المفارقة هنا بين الناسك الذى لا يستجاب له والطفل الأخرس الذى يخترق دعاءه السحب.
نهج مختلف
فى قصص أخرى تتحرر منال رضوان من مسألة التكثيف والإيجاز والمفارقة.. تبدو وكأنها تكتب قصة تقليدية ربما ذات بناء يقترب فى مضمونه من البناء الروائى، يتجلى هذا الطرح على أوضح ما يكون فى قصة طقس اللذة التى عنونت بها منال مجموعتها القصصية..
تقدم منال فكرة البر بالوالدين كمحور رئيسى ومركزى للأحداث.. شاب فتى يجيد الغناء لكن ظروفه الصعبة تحول دون تحقيق أمانيه فى الشهرة.. يحاول تغيير عمله الكئيب كصبى فى دكاكين البقالة التى تناثرت كالذباب على وجه الحى البائس.. يعيش مع والدته العجوز الريفية المريضة يعولها بشكل كامل، وحين ضاعت بطاقتها العلاجية التى تتيح لها العلاج المجانى لم يغضب وانخرط فى العمل بشكل أكبر ليوفر لها العلاج.. ماتت والدته وتزوج فتاة ريفية أنجب منها ابنة أسماها باسم أمه ثم ارتحل إلى العاصمة ليحقق حلمه فى الغناء، ويصبح مطربا مشهورا ومعشوقا للنساء،لكن الحياة تدور دورتها ويمرض بنفس مرض والدته ويفقد الشهرة والمال، ويعود وحيدا ليعيش فى غرفته القديمة مريضا فقيرا ينتظر الموت.. حتى كان يوم جاءته فيه ابنته التى كبرت لتصحبه إلى بيتها لرعايته. تكتب منال فى نهاية قصتها، لكنه وقبل الرحيل سألها باكيا عن سبب ما تفعل.. ابتسمت الفتاة ملء دموعها.. أخبرتنى أمى قبل رحيلها أنك لم تتخل عن جدتى وقت أن أضاعت بطاقتها العلاجية.. أبى هات بطاقتك..
وعلى نفس السياق سارت قصة سعدة والحزون.. البطلة تتحدث عن حياتها وابنة عمها الصغيرة سعدة.. وأغنية الحزون التى تغنيها لها، وعن جدتها وعن أمها التى ماتت وهى تلد شقيقها نجيب، وعن زوجها زين الذى رحل بعد ثلاثة شهور فقط من زواجهما، وكيف تعايرها زوجة عمها وداد بأنها شؤم ثم ها هى تستعد للزواج من جديد، وتريد أن تأخذ مغزل الحرير الذى تعتبره منيرة والدة سعدة أنه نذير شؤم وتنجح البطلة فى أن تخفى النول فى طيات ملابس سعدة الصغيرة لتأخذه معها إلى حياتها الجديدة.. بطلات القصة من النساء القرويات والقصة بطابعها الحزين المرتبط بالموت فى تلك القرى الفقيرة.. أجواؤها لها طابع درامى.. وقد شعرت وأنا أقرأ هذه القصة بأننى أعيش ذات المشاعر التى شاهدت بها فيلم الطوق والأسورة..
أسلوب شعرى ومدلول سياسى
تستخدم منال رضوان الأسلوب الشعرى بشكل واضح فى كثير من تجاربها القصصية مثل قصة نحو السماء.. كانت تقول:
خيالات حمراء مصوبة تتشابك
لا.. ليست حروفا خاطئة كما تظن دائما
وإنما رفع القلم عن نصوص عالقة
لقد أريقت دولة الحبر الأحمر
وهناك أشلاء أربع سكبتها نحو السماء أو فى قصة فتاة الظل حين تقول:
اللعنة على الكلمات حين تصير سيوفا لأخيلة مخضبة فوق السطور.
أو هتفت حتى استنفرت نبضاتها قطرات زيته العطرى فى قصة كعطر زائف.. وهذه القصة لها مدلولها السياسى الواضح وهى تتناول بطلا مزيفا كان يقف فى ميدان الثورة يتاجر فى الكلام كما يتاجر فى التبغ، وحتى العطر الفرنسى الذى أوهم من كانت تحبه أنه أصلى اتضح لها أنه هو الآخر مزيف.. تقليد.
وهذه القصة بالذات كتبت بصوت سردى غير مباشر، واستخدمت القاصة الأسلوب الشعرى بشكل واضح للتدليل على رومانسية البطلة ومثاليتها المفرطة، واستغلت المكان باعتباره مسرحا للأحداث، فبدأ البطل المزيف وهو يتحرك وفق ميزانسين على خشبة مسرح فى مشهد النهاية للتدليل على زيفه واعتياده التمثيل.
ولا تتوقف قصص منال رضوان عند حدود التجريب الذى يتكئ على المفارقة والتكثيف بل يتعداه إلى توظيف اللغة فى إبداع صور جمالية شديدة التفرد، وربما أبدعت رضوان فى هذا الأمر فى جميع قصصها.. على حافة النهر رقدت حبة كرز فى خضوع عجيب.. من قصة حبة كرز.. حجرة واحدة تغلفه كل مساء مع بقايا من أمه الريفية.. من قصة طقس اللذة.. بدت القهوة المراقة على الطمى تلتحفها حشائش خضراء باهتة ونثراتها المراقة بلا انتظام على السياج الأزرق وكأنها لوحة جديدة من لوحات فإن جوخ.
ولا تخلو هذه المجموعة القصصية المتميزة حقا من رؤى فلسفية فى الحياة بشكل عام قدمتها القاصة موشاة بالإيجاز والتكثيف اللذين اعتادتهما فى هذه المجموعة شديدة التميز ربما مع بعض الملاحظات القليلة مثل مبالغة المؤلفة فى تقديم مضمون غرائبى لم يضف شيئا جديدا فى قصة مراكب بلا أشرعة.. لتبقى طقس اللذة مجموعة قصصية لها حضورها الخاص فى دنيا السرد.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...
الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى
ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية
أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد