مجموعة الكاتب الشاب ياسين محمود فازت بجائزة يحيى الطاهر عبد الله / كثير من الكتابة الإبداعية للربيع العربى ينتمى إلى الأدب السوداوى / الضحك فى الأدب الجديد ربما يحدث كاستجابة لذلك الشعور المخيف بالرعب
يبدو أن تياراً واسعاً من الأدب الجديد يتجه شيئا فشيئا نحو الانشغال بعوالم ديستوبية وكابوسية مُستلهمة من الأزمات المجتمعية التى يعيشها الإنسان المعاصر منذ نحو عقد من الزمان، ويبدو أن مفاهيم "ما بعد الحداثة" التى راجعت فى الغرب خلال عقدى السبعينات والثمانينات، وكنا نظن أنها تروِّج للظلامية والسوداوية قد أثبتت الأيام مؤخراً أنها كانت على حق وصاحبة بصيرة نافذة، فها هو الأدب العربى بات قريباً اليوم من معرفة تيار إبداعى متكامل من أجيال مختلفة لكتاب تتسم عوالمهم الروائية والقصصية والشعرية "قصيدة النثر" بالديستوبيا والسوداوية، وهى أعمال لم يكن من قبيل الصدفة أنها جميعاً تحكى شيئا ما عن مرحلة ما بعد "الربيع العربى" وتأثيراتها الكابوسية الفاسدة على حياة الناس.
بغض النظر عن أن الثورة حق مشروع لكل الشعوب المضطهدة، فإن الكوارث التى خلفتها الأحداث استفادت منها منظمات وشركات الرأسمالية العالمية أيما استفادة، إلى الحد الذى دفعها إلى تنظيم دخلها على حساب أقواتنا فأدخلتنا فى مرحلة "ما بعد الكورونيالية" Post-Coronialism، بحسب تعبير عالمنا الجليل الراحل الدكتور شاكر عبد الحميد، لكى تُصبح هذه الرأسمالية قادرة على الاستثمار المنظم والدعائى فى كوارثنا وبلاوينا ولتصبح قمة المفارقة الساخرة أنها هى بيتُ الداء ومصدر الدواء معاً.
المدهش أن أدب الكوابيس والأمراض والأوبئة والمجتمعات المتحللة والمدن الملعونة الذى يطلق عليها النقاد "أدب الديستوبيا" أو "أدب المدن الفاسدة" أصبح ملحوظاً جداً فى كتابات الجيل الجديد من المبدعين، أذكر منهم على سبيل المثال: (طارق إمام، شريف صالح، أحمد عبداللطيف، ومن الجيل الجديد محمد فرج وأميرة بدوى)، الأمر الذى شجَّعنى على قراءة العوالم الخيالية المدهشة التى رسمها الكاتب الشاب ياسين محمود فى مجموعته الأولى "فوضى الدم"، والتى تنتمى إلى الطريقة التى باتت تعرف بـ "الميتافكشن ـ Metafiction"، أى ما وراء القص، وتعنى إبلاغ القارئ بكل ما يدور داخل الحكاية، حيث هناك محاولة دائمة لتقويض الأسس المتفق عليها سابقاً.
ظنى أن الحاجة إلى الخيال الجامح فى القص كانت دائماً حاجة أصيلة فى الثقافة الإنسانية عموماً وفى الثقافة العربية على وجه الخصوص، حيث كان القص فى الأصل باباً من أبواب الخيال العربى القديم، ولم يتوقف تأثيره على ما وصلنا من أساطير وملاحم وحكايات شعبية شفاهية فقط، بل وصل أيضاً إلى الحكايات التى يرويها الناس للتسلية وكسر الرتابة والملل، وإذا كان العالم قد عرف القصص من مصدر واحد قديم لا يبلى خياله فإن هذا المصدر لن يكون سوى الليالى العربية أو "ألف ليلة وليلة"، ذلك الكوكب الذى أدى انفجار حكاياته قبل عدة قرون بين لغات العالم الحديث إلى ظهور كل تلك النجوم فى سماء الإبداع القصصى والروائى على مستوى العالم.
فوق ذلك كله، شجعنى على قراءة "فوضى الدم" ـ تتكون من 13 قصة وصدرت عن دار "المــرايا" فى 111 صفحة من القطع المتوسط ـ حصولها على جائزة "يحيى الطاهر عبد الله للإبداع القصصى 2022" المخصصة لتكريس مفهوم التجريب فى القصة دون الرواية، وتحمل اسم "محبوب الشمس" يحيى الطاهر عبد الله (1938 ـ 1981)، القاص القادم من أقصى صعيد مصر وخلد أعماله فى منطقة مركزية من التجريب القصصى العربى، من أول "ثلاث شجرات تثمر برتقالاً" وحتى "تصاوير من التراب والماء والشمس" و"الطوق والإسورة" و"حكاية على لسان كلب".
منذ "الإهداء" يستطيع ياسين محمود أن يُفصح عن نفسه ويحدد هويته الفنية، فإهداء المجموعة أخذ شكل القصة ليعلن الولاء لأمه دون أبيه، حيث عوَّضه الله بها "عن قِبلة الأب"، الذى يحظى بقدر لا يستهان به من سخرية الكاتب بطول المجموعة وعرضها، عكس الأم التى تحظى بالتقديس، كما يُهدى المجموعة لفريق من أصحابه الأحياء والراحلين الذين يشعر بفضلهم نحوه، فيدون أسماءهم كأنه يرد لهم الجميل، بينما يختم الإهداء: "إلى يحيى الطاهر عبد الله، أورثتنى حبك وولعى بعوالمك الخفية، ولم أكن أعلم أننى وريثك فى مصير شاعرى مؤلم".
ربيع «الكوابيس»
بغض النظر عن الرسائل المشفرة فى الإهداء فإن المجموعة تكشف عن كاتبٍ ساخر من طرازٍ خاص، لا يُعيد إلى الضحك والفكاهة قيمتها فى زمن اليأس فقط، بل يقدم زاوية جديدة لفهم موقع الضحك والسخرية والتهكم مما يحدث فى عالمنا المعاصر الملىء بالظلم والاضطهاد والفساد، وما ينطوى عليه بعض الضحك أحياناً من قسوة وعنف ورغبة فى تدمير الآخر، وما يترجمه أحياناً أخرى من ضعف فى نفوسنا وضعّة فى أخلاقنا، وأعتقد أن هذا هو السبب فى أن ياسين محمود لا يُشبه آباءه من الساخرين فى القصة العربية مثل: "يحيى حقى ومحمد مستجاب وغالب هلسا وزكريا تامر ومحمد حافظ رجب.. وغيرهم".
الميزة الأولى لهذه المجموعة أنها عمل قصصى تجريبى من الطراز الأول، مكتوب بخيال مدهش وساخر لكى يخالف الأفكار النمطية لكتابة القصص ويحطم إيقاعات الحكاية المحفوظية ويتلاعب بثوابتها الزمنية والمكانية، وهى ميزة تعطى الأدب حيويته المفقودة من التكرار حيث يتخلص الكاتب من قاعدة "مقدمة، حبكة، نهاية"، لكى ينقلنا إلى عالمه الكابوسى مراوحاً ومخاتلاً بين الواقع والفانتازيا، ينطلق من شخوص الواقع العادى وعلاقاتهم المألوفة، مثل العلاقة مع الأب أو الأم أو الأصحاب أو الحبيبة أو الزملاء فى العمل أو العلاقة مع السلطة، لكى ينتقل بهذه العلاقات إلى عالم ما فوق الواقع، العالم غير المألوف الذى تستطيع أن تعتبره عالماً ديستوبياً مرعباً ومشوهاً "سوريالياً" وغير قابل للتفسير أو التأويل بسهولة، وبالتالى تبدو قصصه فى هذه المراوحة كأنها تأسى على عالمٍ زائلٍ، وهى تسرد لحظة انهياره حيث تتفتت القيم والمثل القديمة وتتحول إلى حطام ينتج عنها منظومة نقيضة هى الابتذال والقبح والفجاجة.
فى قصة "ميثولوجيا تشريحيّة" مثال صارخ على مجتمع ملعون على نحو مدهش، تبدلت أماكن الأعضاء البشرية للإنسان بصورة مذرية، لدرجة أن الراوى يعترف أنه "شىء مقزز لكن هكذا حلت اللعنة"، حيث يبدو أن المجتمع الذى يكتبه يعانى من تأثيرات الانهيار والمرض الجسدى العضال، فهم ناس يتكلمون لا بالفم بل بعينين مختلفتين، ويرون لا بالعين بل بالأفواه المفتوحة على اتساعها، ويرفرفون بنصف أنف على كل كتف كالذباب، وبالتالى علينا أن نسأل عن طبيعة اللعنة التى أصابت هؤلاء، وما الذى يمكن أن ننتظره من بشر تحولوا إلى كائنات معذبة بفعل لعنة إلهية ولا شك، حيث يبدو المرض فى أغلب قصص المجموعة بوصفه استعارة محملة بتاريخ طويل من المسلمات ـ على نحو ما رصدت سوزان سونتاج فى كتابها "المرض كاستعارة" عن مرضى السل والسرطان ـ وقد ضاعف خيال الكاتب من حجم الكارثة، واصفاً تلك اللعنة التى بدلت أماكن أعضاء الجسم البشرى على هذا النحو المربك فى قصة "ميثولوجيا تشريحية":
"تخرج الكلماتُ من عينى التى كانت ترى قبل أن تستبدل الأماكن مع فمى. أما أنفى، فكُسر كما تنكسر البصلة، وانقسم إلى فرعين وضعا فوق الذراعين، وتمركزا على الكتفين. تكاثرت أذناى وانتشرتا كالبثور على جسدى كميكروفونات تنقل أصوات العالم إلى الأعضاء، وكى تتابع بها الأعضاء الداخلية أنباء الحرب والبورصة وآخر تطورات سوق السيارات.. أعلم أنه شىء مقزز لكن هكذا حلت اللعنة، نتكلم بعينين مختلفتين ونرى بفم مفتوح على اتساعه، ونرفرف بنصف أنف على كل كتف كالذباب".
أما الميزة الثانية فى "فوضى الدم" فأعتقد أنها هى اللغة الشاعرية المختزلة والتصوير المشهدى الدقيق والساخر كنوع من "المحاكاة التهكمية" للواقع، حيث يُقيم علاقات مستحيلة بين الأشياء، ينطلق من "الحمامة والنسر" لكى يتحدث عن التراتب الوظيفى والعلاقة بين المواطن والسلطة، يبدأ من "مصيدة العسل" ليحكى عن "إلياس" فى العبرية و"ياسين" فى العربية، ينطلق من "جيلد تعنى نقود" ليتحدث عن الضعف العربى عموماً على مدار التاريخ مستخدماً مفارقات الواقع ولامعقوليته.
الضحك المرعب
لا يكتب ياسين محمود ـ إذن ـ قصصاً من الخيال المحض الخارج عن أى منطق بحثاً عن "الغرابة"، لكنه على العكس يتمثل مقولة "جورج لوكاتش" عندما تحدَّث عن علاقة الواقع بالمتخيل ملاحظاً أن: "الكاتب يُشكل انسجام عالمه السردى، من صلب التفكك الذى يُعايشه فى الواقع"، وياسين يكتب أدباً ينطبق عليه تعبير "الواقعية السحرية" فى أبسط تعريفاتها، حيث يحاول دائماً أن يمزق أو يكسر تدفق ما قد يبدو ظاهرياً أنه نص واقعى، بمعنى أنه يعود إلى الواقع لكى يستطيع استثمار ما قد يكون فى هذا الواقع من سحر خاص، بدلاً من النظر خارجه بحثاً عما هو خيالى أو غير واقعى، وبما أن الواقع الذى عاشه الكاتب فى مصر وتشكل وعيه بتفاصيله كما يبدو من قصصه هو واقع ما بعد ثورة 2011 بشكل عام، فهو يدخل ضمن الديستوبيا التى قرأناها فى بعض الأعمال الإبداعية وأطلقنا عليها من قبل "ديستوبيا الربيع العربي" أو "أدب المدينة الفاسدة"، حيث أصيب كتاب كانوا يحلمون بالعدل والحرية والمساواة بخيبة أمل من إخفاقات "الربيع العربي" فى سوريا واليمن وليبيا على سبيل المثال، وبدأوا فى وصف الكوابيس التى عاشوها مثل الانفلات الأمنى والهروب الجماعى للسجناء وتزايد معدلات الجريمة وانتشار الأوبئة والأمراض بالكيفية التى تخدم مصالح كبار مُحتكرى الدواء فى العالم.
اللافت أن صيغ السخرية والفكاهة والأفكار الكوميدية التى ترويها قصص المجموعة والمسوخ التى تحكى عنها هى كلها ابنة واقع مظلم وسوداوى كئيب، كأن الفكاهة والخوف تنبعث من مكان واحد فى النفس البشرية إزاء التناقضات الرهيبة التى يعيشها الإنسان، وهذا بالضبط ما يقوله لنا الدكتور شاكر عبدالحميد فى كتابه "الضحك والفكاهة رؤية جديدة" عن الضحك فى "الأدب القوطى" المخيف:
"ما تقوله بحوث الفكاهة الحديثة هو أنه إذا كانت الفكاهة تغلب على الأعمال الأدبية القوطية فليس ذلك لأننا لا نحب أن نضحك مما يخيفنا، ولكن لأن كلاً من الفكاهة والخوف هما من الاستجابات الخاصة التى تستثار بداخلنا فى مواجهة التناقضات فى المعنى، وبعض هذه الحكايات القوطية توجد على الحدود بين الفكاهة والخوف"، وفى تحليله لراوى غالب هلسا فى روايته "الضحك"، يقول شاكر عبدالحميد، إن الضحك ربما يحدث كاستجابة لذلك الشعور المخيف بالرعب، وأن الحل الوحيد للخروج من استلاب الإنسان ووقوعه لقمة سائغة فى فم الرعب هذا، هو أن يحول هذا الفم من فم متقلص إلى فم منبسط ضاحك، أى أن يتأمل كل علامات الرعب المخيفة فى الواقع، ويواجهها بأن يعلو عليها، ويبتعد عنها بمسافة خاصة، ويضحك منها".
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
انسداد المجاري من أكثر المشكلات المنزلية إزعاجا، لأنه يسبب بطء تصريف المياه، وروائح كريهة، وقد يتطور إلى تسربات وتلف في...
ستندهش في البداية، وربما تفرك عينيك أكثر من مرة كي تتأكد أن ما تراه حقيقى عندما ترى ما يشبه فانوسا...
يختبرها المسلم فى صوم شهر رمضان من رحمته تعالى بخلقه هو معرفته بعلمه الواسع بأن إرادة الناس مختلفة فهناك أصحاب...
ابنه محمود يتحدث عن سيرته ومواقفه وأبرز محطات حياته ترك مكتبة موسيقية تضم أكثر من 15 ألف شريط.. وكان يسمع...