قال الكاتب "جوستاين جاردر" فى روايته "عالم صوفى": "لقد فهمت الآن كل شىء، فعندما يعى الإنسان وجوده والموت ينتظره فى أية لحظة،
وعندما لا نجد تفسيرا لكثير من الأمور حولنا يتملكنا بلا شك القلق، فمن الواضح إذن أن القلق هو الخاصية المميزة للوجود الإنسانى ولا ينتهى إلا بنهايته".
فى تلك النظرة تأمل للقلق يؤكده "جان بول سارتر" كذلك بقوله: "إن الوجود يعلن صراحة أن الإنسان قد ولد وهو يشعر بالقلق، يحيا به ويكابد، وهو ما يعنى أن الإنسانية فى رحلة طويلة تعد اختبارا، وهذه المسؤولية التى وضعت على كاهلنا كبشر - على ما يبدو - هى ما تفجر ذلك القلق".
تلك الأقوال تفسر فكرة القلق لدى الإنسان من منظور فلسفى، فالقلق لدى الفلاسفة، خاصة الوجوديين، هى عدم الارتياح تجاه الاختبار بوجه عام، والاختبار هو رحلة الإنسان على الأرض، لذلك فالقلق ملازم بالضرورة للإنسان فى هذه الرحلة، سواء طالت أم قصرت.
عصر القلق
كثيرا ما نسمع من يصف هذا العصر بأنه "عصر القلق"، وبلا شك نستطيع نحن تأكيد هذه المقولة التى لا تعنى بالطبع بأن الأزمنة السابقة علينا لم يعان فيها الإنسان من مسببات القلق، مثل الجوع والمرض والعبودية والحروب والكوارث، لكن من وجهة نظر أخرى هناك من يقول إن تعقيد الحضارة الآن وسرعة تغيير النمط الاجتماعى والاقتصادى قد شكل صعوبة يعانى منها الجميع، وذلك فى ظل عدم تكيف الإنسان السريع مع تلك المتغيرات، وهو ما خلق مزيدا من القلق، حيث وصم هذا العصر بأسباب تضاف للأسباب السابقة، وذلك على الرغم من كل إغراءات الحياة الحالية التى ربما هى الأخرى قد أضافت مزيدا من القلق المواكب لتطلعات الإنسان المستمرة، وهو النمط الذى بات جزءا من الحياة الجديدة؛ وهكذا أصبح قدر إنسان هذا العصر القلق، فهو قلق من تداعيات الماضى وتداعيات الحاضر الضاغط بظروفه ومشكلاته وتحدياته، وكذلك هو قلق من المستقبل وما قد يحدث فيه، وهكذا أصبح أكثر من ٧٥ % من سكان العالم حسب أحدث تقديرات مصابين بهذا الداء الذى حول الليل إلى كابوس والنهار إلى ألم، وبات القلق هو الشعور الأكثر شيوعا بين ما يسمى بالاضطرابات النفسية.
قد يختلف الكثير من علماء النفس فى تحديد ماهية القلق وحقيقة تشخيصه كمرض نفسى مستقل؛ ولعل ذلك ما يراه الدكتور "أحمد عكاشة" الذى عرف القلق كشعور عام غامض مصحوب عادة ببعض الأعراض الجسمانية، وقد يأتى على شكل نوبات متكررة، وفى أعلى نوباته قد يأتى ويستمر دون توقف، وهو ما يوصف بالقلق المزمن الحاد.
أما رائد مدرسة التحليل النفسى "فرويد" فقد كان أول من اهتم بالقلق، وقد دفعه ذلك لتأليف كتابه "القلق" الذى أورد فيه أن القلق يعد شعورا غريزيا بالخطر، ويشعر فيه الإنسان بالعجز والضعف والخوف؛ لكن على الرغم من اختلاف علماء النفس حول تعريف القلق، إلا أنهم قد اتفقوا على نقطة رئيسية وهى كونه بداية لكثير من الأمراض النفسية والعقلية الأخرى، وهو أيضا وبشكل مختصر ومبسط شعور يشعر به الإنسان فيسبب له عدم الارتياح النفسى والجسدى على حد سواء.
أما فى اللغة، فقد ورد فى لسان العرب لابن منظور الإفريقى إن القلق يعنى الانزعاج، وبنظرة متفحصة فى المعاجم العربية نستدل على أن القلق يتبع صفات معينة، منها عدم الاستقرار والحركة المستمرة، وهى صفات يتسم بها الشخص القلق فى العموم؛ ولعل من هذه التفسيرات الكثيرة التى خرجت لمحاولة التعرف على القلق ما جعل هناك مدارس مختلفة تتطلع لمعرفته ومعرفة مدى تأثيره على السلوك الإنسانى، حيث فسر أصحاب المدرسة المعرفية القلق بأنه نتيجة لعملية عقلية تؤثر على سلوك الفرد، أما المدرسة السلوكية فقالت بأن القلق ينشأ عن علم خاطئ يعيش به الفرد ويتحكم فى استجابته، لذلك ينشأ ما قد يوصف بأنه قلق عادى وما يوصف بأنه قلق مرضى.
أسباب القلق
أسباب القلق فى عصرنا الحالى تزايدت بصورة كبيرة بشكل لا يمكن حصره؛ وكان علماء النفس فى الزمن الماضى قد حصروها فى أسباب رئيسية، منها ما أرجعه فرويد فى كتابه "القلق" إلى عقدة الولادة والفطام، ثم الخوف من معاقبة الوالدين للأطفال ضمن التنشئة الأسرية الخاطئة، وهى العقدة التى تورث الشعور بالذنب وتسبب القلق فى الكبر، لكن العلماء فيما بعد قد أضافوا إلى تلك الأسباب العامل الوراثى والتنشئة الاجتماعية الخاطئة مع زيادة الخوف من الامتحانات فى فترة الصغر التى قد تنتهى بالخوف من مواجهة المشكلات الكبيرة والعويصة فى المستقبل، وربما لذلك نجد صعوبة فى معرفة مسببات القلق - على وجه التحديد - عند شخص ما، بل لدى التوائم أيضا، حيث دلت الأبحاث والدراسات على أن القلق عند التوأم مختلف، ولذلك نجد أن أعراض القلق غير متشابهة عند الأفراد حتى فى البيت الواحد، كما نجد صعوبة فى علاج القلق إن كان مرضا، فهذا الأمر يتطلب الاعتماد على وسائل عدة وتضافر الجهود المختلفة للوقوف عند كل حالة على حدة، ولذلك قال "ابن الجوزي" فى نظرته لعلاج القلق إن هناك فرقا فيها بين تعب الجسد وتعب الروح، وقال إن علاج الروح ممكن عن طريق محاولة إصلاح البال باللجوء إلى الله، وذكر قوله تعالى: "ألا بذكر الله تطمئن القلوب"، وهذا التوجه الدينى ليس خاصا فقط بابن الجوزى أو مع الدين الإسلامى تحديدا، حيث تعاطت الأديان كلها مع فكرة القلق بنفس الطريقة، وهو ما توصل إليه بعض علماء الغرب، فنجد صدى ذلك فى مقولة عالم النفس والباحث الأمريكى "وليام جين" حينما قال إن أعظم علاج للقلق هو الإيمان، وأن حالات التعبد تخفف كثيرا من أوجاع القلق.
اكتشاف جينات القلق
مسيرة العلماء للوصول إلى القلق لم تتوقف، حيث حدد فريق بحثى بريطانى أن جينا معينا فى الجسم هو المسؤول عن القلق، وقد كشفوا فى دراستهم المنشورة حديثا فى دورية "سينس نيتشر" العلمية أن هناك توجها لدراسة إمكانية تعديل هذا الجين وراثيا استهدافا لمنع تعرض الإنسان للقلق فى المستقبل، خاصة أن نسبة التعرض له قد أصبحت من ١ – ٤ أشخاص من كل عشرة، وهى نسبة مرتفعة وفى تزايد مستمر، وقالت "فالنتيا موسينكو" أحد الباحثين ضمن هذا الفريق إن اكتشاف هذا المسار الجديد يعمل على تنظيم الدماغ من خلال السيطرة والتحكم فى مدى التوتر وهو ما يعد أول خطوة على طريق اكتشاف علاجات جديدة أكثر فاعلية من تلك الموجودة الآن مما تتصف بالضعف وعدم الفاعلية المطلوبة، وهذا ما يكشف لماذا لا يتم شفاء أكثر من نصف عدد الذين يعانون من القلق.
كيف تحول القلق إلى "طاقة إيجابية"؟
مما سبق يتبين أن القلق أصبح أمرا واقعا فى حياتنا اليومية، نشعر به لدى مواجهة مشكلة ما أو لدى اتخاذ قرار معين، وقد تباين رأى العلماء فى تعريفهم له، لكنهم فى نفس الوقت ذكروا بعضا من محاسنه، ومنهم من وصفه بتعبيرات محايدة، وكانوا يدرسون ظاهرة التغير المناخى أصلا، وقالوا إن أهم ما يميز القلق عن الخوف هو الطبيعة العاطفية للتخوف وحقيقة أنه يهيئ الإنسان للتغيير، أما الذين وصفوه بمصطلحات سلبية فقد ذهبوا إلى أن المرء له قدرة محدودة على مواجهة القلق، أما الدكتور "إدوارد وتكنز" عالم النفس السريرى والباحث فى الاضطرابات المزاجية فقد قال إن القلق الذى يسود فى نطاق واسع ويؤثر على أغلب البشر غير مفيد إذا ما قورن مثلا بالقلق الذى يركز على مشكلة محددة ومنفصلة بوضوح عن غيرها، وتلك التى يستطيع الإنسان حلها بشكل أسهل، بينما يوجه الدكتور "سوينى ويدز" الباحث النفسى النظر إلى إيجابية القلق من ناحية أخرى فيؤكد على أن للقلق وجها إيجابيا صريحا، وهو ما يلفت أنظارنا صوب مشكلة وقعت لنعمل عن كثب لحلها، أو يوجه نظرنا نحو شىء مخيف فى الطريق إلينا لا محالة، والقلق هنا يجعلنا بشكل أو بآخر مستعدين؛ وربما هذا النوع من القلق ما يجعلنا نتعامل معه على أنه مجرد شعور كباقى أنواع المشاعر أو على أنه قد يكون مفيدا فى زاوية من زواياه، وهو ما يجعلنا فى حالة إدراك ويقظة ووعى، وهكذا يمكن الاستفادة منه فى معالجة المشكلات المستقبلية قصيرة المدى.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...
الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى
ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية
أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد