فاتن حمامة.. سبعون عاماً من نجومية السينما والدفاع عن الحق والخير والجمال

فاتن حمامة بنت "المنصورة" الفلاحة الشاطرة، أبوها المعلم الفاضل "أحمد حمامة" أستاذ "الريـاضيات" بمـدارس وزارة المعــارف، وأمـهــــا "سـت بيــت" مصرية، فازت فى مسابقة "ملكة جمال الأطفال" التى نظمتها مجلة "المصور" ـ دار الهلال ـ وكان عمرها خمس سنوات، ترتدى زى ممرضة،

وفى عينيها دموع، سالت منها بمجرد الخيال، أخبرها ـ الكبارـ بأنها الآن ممرضة وأمامها مريض يتألم، فتخيلت "فاتن" المشهد، وسالت دموعها، وكان المخرج "محمد كريم" فى الوقت ذاته يبحث عن طفلة تشارك "محمد عبد الوهاب" فيلمه "يوم سعيد"، وسعى إليها والتقاها ووقع مع والدها عقدا يسمح له بإشراكها فى أفلام أخرى يستعد لتصويرها، ودارت العجلة، وكبرت الطفلة وأصبحت حائزة لقب "سيدة الشاشة العربية"، وهو لقب أطلقه الصحفى اللبنانى "محمد بديع سربيه" صاحب مجلة "الموعد" وكان على حق، فهى سيدة الشاشة بالموهبة والانحياز للحق والخير والجمال.

كان لها أخ يكبرها، له عروسة قماش، أطلق عليها اسم "فاتن"، وطلب من والدته أن تسمى الطفلة المولودة باسم عروسته، ولاقى الاسم هوى فى نفس الأم وصارت الطفلة "فاتن"، وكبرت وفى سن الخامسة والسادسة تحدد مصيرها، أرسلت والدتها صورتها للمشاركة فى مسابقة "ملكة جمال الأطفال" وفازت بالمركز الثالث، واصطحبها والدها إلى دار السينما، وهناك رأت الفنانة "آسيا داغر" والناس يصفقون لها إعجابا بأدائها، فهمست الطفلة "فاتن" فى أذن والدها بما معناه أن تصفيق الناس لها هى وليس "آسيا"، وكأن العبارة التى نطقت بها كانت تعبيرا عن مولد الحلم فى قلبها الصغير.

واختلفت الأقوال فى تحديد مسقط رأس "فاتن أحمد حمامة"، قيل إنها ولدت فى "السنبلاوين" التابعة للدقهلية، وعاصمتها "المنصورة"، وقالت فاتن فى حديث صحفى لها إنها من مواليد "حى عابدين" الشعبى القاهرى، لكن المتفق عليه والثابت أنها من عائلة تنتمى للدقهلية، وهى ذات المحافظة التى قدمت لمصر عددا من الكبار فى مجالات الفن والطب والعلم والتعليم، وعلى رأس هؤلاء الكبار "أحمد لطفى السيد" أستاذ الجيل، الكاتب السياسى، راعى الجامعة المصرية وداعم "طه حسين"، وصاحب جريدة "الجريدة"، ودكتور"نجيب محفوظ" رائد طب النساء فى قصر العينى، وعلى اسمه تسمى الأديب الكبير "نجيب محفوظ" لأنه دخل الدنيا على يديه بعد أن فشلت "الداية" فى إخراجه من بطن الأم إلى الحياة، وأم كلثوم، كوكب الشرق وسيدة الغناء العربى، كانت من "طماى الزهايرة ـ السنبلاوين" وهى الأقرب إلى "فاتن حمامة" التى تنتمى إلى "السنبلاوين" أيضا، وكان من حظ ـ فاتن ـ السعيد أنها ولدت فى بيت يحمى الأخلاق ويدافع عن المثل العليا، ووالدها المربى الفاضل ومعلم الرياضيات بوزارة المعارف، كانت له اهتمامات بالفنون وكذلك "أم فاتن"، كانت متعلمة و"ست بيت" شاطرة، تقرأ الصحف وتذهب مع زوجها إلى السينما، وتعرف أسماء الفنانين، وهى التى تقدمت بصورة ـ فاتن ـ الطفلة ذات السنوات الخمس لتشارك فى مسابقة ملكة جمال الأطفال التى نظمتها مجلة "المصور"، وفازت الطفلة فى المسابقة، وأعجب بها "محمد كريم" المخرج الرائد وطلبها للعمل فى فيلم "يوم سعيد"، ونجحت الطفلة فاختارها للمرة الثانية للوقوف أمام ـ عبد الوهاب ـ للمرة الثانية فى فيلم "رصاصة فى القلب".

ومن المهم هنا الإشارة إلى دور أسرة "فاتن حمامة" فى دعم حلمها وموهبتها، وتجلى هذا الدعم فى الانتقال من "الدقهلية" إلى "القاهرة" لتكون ـ الابنة الموهوبة ـ قريبة من الاستديوهات ويسهل وصول المخرجين إليها.

 نجمة من أول لقطة

النجومية هى "القبول" والذكاء، والفلوس والمخرج الذكى والموضوع "أوالورق"، ولكن فاتن حمامة التى امتلكت القبول والجمال والأنوثة والذكاء ووجدت المخرج والمنتج ومدير التصوير الذى يرسم صورتها فى أذهان الجماهيرأضافت شرطا جديدا هو"الصدق"، فهى نجمة صادقة، تصدق كل حرف فى "الورق ـ السيناريو" وترسمه بانفعالها وتنفخ فيه الروح، عبر التقمص الكامل، فيصير الورق حيا، وتصبح هى "الشخصية المكتوبة"، وتجبر المشاهد على قبول الشخصية راضيا وسعيدا، ولك ياعزيزى القارئ أن تسترجع صورتها فى فيلم "أفواه وأرانب" على سبيل المثال، وسوف ترى السيدة التى تطاردها الظروف القاسية وتجبرها على الهروب إلى سوق العمل، ولن تفكر فى "فاتن حمامة" التى تراها جالسة فى الاستديو، تخاطب "المذيعة" عن زوجها "عمر الشريف" وولدها "طارق" ورؤيتها لفن السينما وقضايا المجتمع المختلفة، وهذه الموهبة الطاغية، حماها الذكاء من الانهيار، فكانت ـ فاتن ـ راضية بالأدوار الصغيرة فى بداياتها على الشاشة، ولو راجعت أفلامها التى قدمتها فى أربعينيات القرن الماضى سوف تجد أن مساحات أدوارها قليلة أو ضيقة، مقارنة بالممثلين الآخرين، ولكن الذكاء الذى امتلكته جعلها باقية فى أذهان الجمهور، فهى فنانة تستطيع أن تضع "البصمة الخاصة" بها بجدارة وتفوق، حتى لو كانت مساحة الدور لا تزيد على عدة مشاهد قليلة.

وكانت الظروف كريمة مع "فاتن" الشابة الموهوبة فى فن التمثيل، فوضعتها بين يدى مجموعة الرواد المخلصين للفن، وعلى رأسهم  المخرج والممثل "زكى طليمات" الذى سعى لتأسيس معهد التمثيل، واستطاع انتزاع اعتراف "وزارة المعارف" به، وكانت الدفعة الأولى تضم "فاتن حمامة وشكرى سرحان وسميحة أيوب وزهرة العلا وناهد سمير وفريد شوقى ومحمد الطوخى وعبدالمنعم إبراهيم "وغيرهم، وكانت فترة الدراسة بالمعهد مفيدة لها، فعلمتها قواعد هذا الفن وأعطتها فرصة التواصل مع الناس، وكتب ـ زكى طليمات ـ فى مقالة له عن تلميذته "فاتن حمامة" أنها كانت خجولة لا تستطيع نطق حرف الراء، لأن دراستها الفرنسية جعلتها تعتاد نطق "الغين" بدلا عن الراء، ورغم أنها لقت دروس "فن التمثيل" المسرحى، واشتركت فى مسرحيات تقع فى صلب المناهج الدراسية، إلا أنها لم تحصل على "دبلوم" معهد التمثيل، ولم تعمل فى المسرح الحكومى أو الخاص، ومنحت "السينما" وقتها وطاقتها حتى  اقترب عدد الأفلام التى شاركت فيها من المائة فيلم.

 فنانة تدعم القيم العليا

هى واحدة من سيدات النهضة المصرية، بالموقع الاجتماعى وبالإبداع، أما الموقع الاجتماعى  فوالدها كان المربى الفاضل والمعلم الذى ربى الأجيال وغرس القيم فى قلوبها، وهى القيم العليا، قيمة الوطن والإيمان والعمل الشريف، والضمير الحى والشعور بالمسئولية تجاه المجتمع، وفعل الخير، وهذه القيم العليا هى "الدستور" الذى عاشت به "فاتن أحمد حمامة" وعبرت عنه فى كل أعمالها السينمائية والتليفزيونية، وسوف نتوقف أمام "شخصيات" قدمتها فى مشوارها السينمائى لنعرف كيف عبرت عن القيم العليا التى نشأت علي تقديسها فى بيت والدها المربى الفاضل، ومن هذه الأفلام فيلم "أغنية الموت" ومدته لا تزيد على الأربعين دقيقة، مأخوذ عن مسرحية "توفيق الحكيم"، وشاركها بطولته "عبد العزيز مخيون" و"كريمة مختار"، وأعده للسينما وكتب حواره الراحل الشاعر الكبير "عبد الرحمن الأبنودى"، وأهمية هذا الفيلم الذى أنتجه "اتحاد الإذاعة والتليفزيون" فى بدايات سبعينات القرن الماضى، أن يعالج قضية "الثأر فى الصعيد"، وفيه قدمت فاتن حمامة شخصية "عساكر" الأم التى ترملت وصبرت حتى صار ولدها الوحيد شيخا أزهريا، وطلبت منه أن يثأر لوالده الذى قتل فى معركة بأيدى رجل من عائلة معادية، ورفض الولد الدارس كتاب الله وشرعه وشريعته، ولكن "عساكر" المؤمنة بالثأر، طردته من بيتها وتبرأت منه، وما يهمنا هنا التوقف أمامه هو المبدأ، مبدأ التصدى لهذا العمل البدائى الهمجى، وهذا ما اختارته "فاتن"، اختارت تجسيد شخصية "عساكر" لترى الأمهات بشاعة التمسك بالموروث من العادات البدوية المدمرة للحياة ذاتها، ورغم أن هذا الفيلم لا يعرض كثيرا، لكنه يحمل رسالة قوية، استطاعت فاتن أن ترسلها للعربان فى الصعيد والصحارى، منذ ما يزيد على نصف القرن، تطالبهم فيها بالتخلى عن الهمجية واحترام الإنسان وحل المشكلات بالقانون والطرق الراقية بعيدا عن القتل وسفك الدماء وقتل الأحلام وخراب البيوت.

ومن إقليم الصعيد، إلى الصحارى المصرية، انتقلت "فاتن حمامة"، ورسمت شخصية فتاة من قبيلة "بنى وركان" التى تعيش فى "غروب المنيا" وغروب هنا، معناها موقع القبائل التى تعيش غرب النيل، فى نطاق محافظة المنيا، وكانت تلك الفتاة ضحية والدها وخالها وضحية قلبها المتفجر بالعاطفة، فالذى كتبه "طه حسين" فى روايته "دعاء الكروان" عن قبيلة "بنى وركان" وبناتها اللاتى فرضت عليهن الظروف العمل خادمات فى بيوت الأغنياء، ما كان له أن يتحول إلى شعور مؤثر فى وجدان الملايين التى شاهدت "فاتن" وهى تقدم شخصية "آمنة" شقيقة "هنادى"، لولا "الذكاء والصدق" والموهبة الكبيرة والقدرة العالية على "تقمص" الشخصية، ومن علامات الذكاء والموهبة الفارقة أن "فاتن حمامة" الفلاحة، الدلتاوية، التى لم تعش يوما فى الصحراء، استطاعت إقناع "العربان" بأنها تؤدى دور فتاة من دمهم ولحمهم، والمدهش فى فيلم "دعاء الكروان" أنه ناطق بلهجة "واحة الداخلة" فى الوادى الجديد، رغم أنه يتناول حياة قبيلة "بنى وركان" المستقرة على حافة وادى النيل، داخل النطاق الإدارى لمحافظة المنيا التى تقع شمال محافظة الوادى الجديد، لكن رغم هذا الخطأ، قدمت ـ فاتن ـ شخصية "آمنة" بكل براعة، رسمت الشخصية وأبعادها النفسية والجسدية وأقنعتنا وأمتعتنا، ونجح الفيلم نجاحا كبيرا فى مصر، وشارك فى مهرجانات سينمائية دولية ولقى إعجاب من شاهدوه، وبذات القوة عبرت "فاتن" عن "الفلاحة" فى فيلم "الحرام"، وهو الفيلم الذى شاركها بطولته زكى رستم وعبدالله غيث، ونجح الفيلم أيضا نجاحا كبيرا، واقتنع المشاهدون بعبقرية "فاتن" القادرة على رسم وتقمص شخصية الفلاحة بدقة ومهارة، وفى ثمانينات القرن الماضى قدمت شخصية المرأة "السواحلية" الجدعة المقاتلة، فاطمة البورسعيدية، فى فيلم "ليلة القبض على فاطمة"، وكأن الفنانة القديرة أرادت التواصل مع كافة شرائح المجتمع المصرى والتعبير عن "المرأة المكافحة" فى كل الأقاليم، وأعتقد أنها نجحت فى هذه المهمة الصعبة، وانحيازها للحق والخير والجمال ظهر فى فيلم "الباب المفتوح" الذى قدمت فيه شخصية الفتاة المناضلة والمدافعة عن القضية الوطنية فى مرحلة ما قبل ثورة 23 يوليو 1952، ولما نجحت ثورة يوليو، قدمت "فاتن" شخصية ابنة الباشا الفاسد الذى كان يورد الأسلحة الفاسدة للجيش المصرى فى حرب فلسطين ضمن فيلم "الله معنا"، وعلى مستوى الدفاع عن وضعية المرأة المصرية وعلاقتها القانونية بالمجتمع، قدمت فيلم "أريد حلا"، فكانت صاحبة دور فاعل هى والكاتبة الصحفية "حسن شاه" فى تعديل قوانين الأحوال الشخصية ومنح المرأة المصرية حقوقها الضائعة، ولما رأت ـ سيدة الشاشة العربية ـ أن قضية التعليم تحتاج دعما، اتفقت مع المخرجة "إنعام محمد على" والكاتب "أسامة أنور عكاشة" على تقديم مسلسل "ضمير أبله حكمت" الذى عالج قضية التعليم والتربية والعلاقة بينهما فى ظل تطبيق سياسات الانفتاح الاقتصادى، وكان المسلسل من أوائل الأعمال التى أنتجها قطاع الإنتاج فى اتحاد الإذاعة والتليفزيون، ومازال باقيا فى ذاكرة المشاهدين، وقضية "الديمقراطية" لم تسقط من حسابات سيدة الشاشة العربية، وخصصت لها فيلما أنتج فى سبعينات القرن الماضى، كان اسمه "إمبراطورية ميم" وجوهر رسالته هو الدفاع عن حق الترشح وحق التصويت والانتخاب وغيره من أدوات الديمقراطية، ولن تجد ـ ياعزيزى القارئ ـ فى سجل أعمال "فاتن حمامة" فيلما تافه المضمون أومدافعا عن التفاهة، لأنها مؤمنة بأن الفنان يحمل رسالة سامية أساسها الدفاع عن الحق والخير والجمال، وطوال حياتها الممتدة بين "27 يناير 1931" و"17 يناير 2015"، أمضت سبعين عاما فى الاستديوهات حاملة شعلة الفن الراقى، مدافعة عن الإنسان وكرامته وحقه فى أن يحيا حياة آمنة سعيدة.

 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - صلاة الطفولة

  ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...

سهيلة الرملى: «اتكلمى» ركزت على المسكـوت عنه فى كتب التاريخ

الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى

«السيد فى حقل الأدب».. شهادات وقـراءات كاشفة لعالم صبرى موسى

ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية

خالد أمين: وقعت فى غرام الـرعب والغموض

أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد