مأمون حكى لعبد الوهاب كيف وقع فى غرام بنت الجيران وحكاية أول أغنية كتبتها من أجلها
ما هى المفاجأة التى كانت فى انتظار الشاعر الشاب مأمون الشناوى عندما ذهب للقاء عبد الوهاب لأول مرة فى ستوديو مصر؟.. وكيف كانت الأغنيات التى كتبها مأمون فى حب بنت الجيران هى وش السعد عليه وطريقه إلى الشهرة والمجد كشاعر غنائى؟
ومن هى أول فتاة مصرية تتحدى التقاليد الصارمة وتمارس رياضة التنس فى الجامعة المصرية عام 1930.. وكيف أصبحت هذه الفتاة العنيدة أول طالبة جامعية تعمل فى الصحافة، بل وتحفر اسمها فى سجلات الخالدات فى الصحافة المصرية؟
الإجابات فى هذه الحكايات.
(1)
مأمون الشناوى وعبد الوهاب وبنت الجيران!
فوجئ الصحفى الشاب مأمون الشناوى بصديقه وجاره الملحن الشاب محمد صادق يخبره أن الأستاذ محمد عبد الوهاب يريده فى أمر عاجل ويلح فى مقابلته وينتظره فى ستوديو مصر!
بدا الأمر مربكا وغريبا لمأمون الشناوى، فعبد الوهاب يومها – عام 1940 – كان هو نجم الشباك الأول فى الأغنية المصرية، واسمه وصيته يملأن الآفاق، والكل يسعى إليه ويتمنى رضاه، ومأمون الذى كان فى الخامسة والعشرين من عمره هو مجرد سكرتير تحرير لمجلة آخر ساعة، وأقنع مأمون نفسه أن الأستاذ يريده فى عمل صحفى، خاصة أنه وقتها كان يصور مشاهد فيلمه الجديد "يوم سعيد" مع المخرج محمد كريم.. المؤكد أنه يريده لنشر موضوع عن الفيلم من قبيل الدعاية.
وبهذا التصور ذهب مأمون لمقابلة عبد الوهاب فى ستوديو مصر، ولكن مفاجأة حقيقية كانت فى انتظاره، ووجد عبد الوهاب يطلب منه أغنية لا خبرا عن الفيلم!
وكشف له عبد الوهاب السر الذى جعله يختاره لهذه المهمة، فقد تصادف أن سمع عبد الوهاب أغنية لمحمد صادق، وأعجبته كلماتها وسأل عن شاعرها، وعرف منه أنها من تأليف صديقه وجاره مأمون الشناوى، وأنها واحدة من عشرات الأغانى التى كتبها مأمون فى بنت الجيران!
ولم يكن عبد الوهاب فى حاجة إلى سؤال مأمون عن بنت الجيران، تلك الملهمة التى جعلته يكتب كل تلك الأغانى فى حبها، فقد بدأ مأمون فى الاعتراف، وحكى كيف وقع فى غرامها، وكيف كتب أول أغنية فى حياته من أجلها، وكانت كلماتها تقول: "تكره تحب مفيش فايدة / ما راحت النار القايدة "، وكيف دفعه ذلك الغرام لأن يكتب فيها ولها كل يوم أغنية، ويقدمها لجاره محمد صادق ليبدأ فى تلحينها فورا، لتسمع بنت الجيران رسالة غرامه الجديدة!
وأفاق مأمون على مفاجأة جديدة، إن عبد الوهاب يقدم له لحنا ويطلب منه أن يكتب عليه الكلمات المناسبة، وهى تجربة لم يخضها مأمون من قبل كشاعر، فقد اعتاد أن يكتب الكلمات أولا ثم يأتى اللحن، ولكنه رغم صعوبة المهمة لم يشأ أن يضيع تلك الفرصة الثمينة التى يتمناها أى شاعر، فلا يرفض العمل مع عبدالوهاب إلا مجنون!
وحكى مأمون للإذاعية القديرة آمال العمدة أن اعتكف لمدة 24 ساعة مع اللحن، وخرج بكلمات أغنية "أنت وعزولى وزمانى"، والتى لفتت الأنظار إلى مأمون كشاعر غنائى له قاموسه الخاص وإحساسه المتفرد، وكان من هؤلاء أسمهان التى أصرت أن يكون هذا الشاعر الشاب صاحب أغنية "أنا وعزولى وزمانى" فى قائمة مؤلفى أغانى فيلمها الجديد "غرام وانتقام" جنبا إلى جنب مع "الأساتذة" بيرم التونسى وأحمد رامى.
وخلال سنوات قليلة أصبح مأمون من ألمع شعراء الأغنية، وتسابق إلى كلماته عمالقة الغناء فى زمنه من عبد الوهاب إلى أم كلثوم، ومن فريد الأطرش إلى عبدالحليم، ومن أسمهان إلى ليلى مراد، ومن فايزة أحمد إلى محمد فوزى، بل يمكنك أن تسأل: من لم يغن من كلمات مأمون الشناوى؟!
ورغم استغراقه فى العمل الصحفى، ورغم أن تجربته مع الصحافة استنزفت وقته وطاقته، إلا أن مأمون الشناوى كان الأغزر إنتاجا بين شعراء الأغنية، ولا بد أن تصدقه حين يقول: كتبت 15 ألف أغنية، ولكنى مزقت منها 14 ألفا و500 أغنية قبل أن تخرج للناس، ولست راضيا عن 100 من أغنياتى التى خرجت للنور".
وكثير من أجمل أغنيات مأمون الشناوى كانت من وحى بنت الجيران، التى انتهت قصته معها بالنهاية السعيدة، حيث تزوجها وأنجب منها 3 أولاد و4 بنات، لكن غرامه بها لم ينته فظل يكتب لها وفيها.
ورغم رقته البالغة فى أغنياته ورومانسيته الساحرة فى مفرداته إلا أن مأمون الشناوى كان ساخرا عظيما ويمتلك قلما لاذعا ولسانا لاسعا وجرأة غير مسبوقة فى النقد، أدخلته كثيرا فى أزمات ومطبات لكنه لم يتوقف أبدا عن فرملة لسانه!
فعندما سئل عن الأغانى التى يكتبها بنفسه صديقه الملحن بليغ حمدى، أجاب على الفور: أنا سمعت بعض محاولات بليغ وقرأت بعضها أيضا وآسفت لأنى لم أجد فيها إلا تكرارا لأغنيات موجودة ومكررة، فهو لم يُضف شيئا ولم يُثر الأغنية، بل على العكس فقد أحزننى، لأنه ملحن رائع، لكنه فى نفس الوقت شاعر أغانى ناشئ، ومن المؤسف أن يكون هذا حاله!
قال ذلك رغم أنه كان شريكا بليغا فى نجاحات مدوية بينها 3 أغنيات مع أم كلثوم مثلا: أنساك، كل ليلة وكل يوم، وبعيد عنك.
ورغم أن تلك الأغنيات التى كتبها ولحنها بليغ حققت نجاحات هائلة مثل: أنا بعشقك.. والحب اللى كان !
وعندما سئل عن الجيل الجديد من المطربين الشبان، أى جيل ما بعد عبد الحليم حافظ، أجاب بجرأة: أغلبهم عبارة عن بغبغانات لا يفكرون.. وليس من المهم عندهم أن يكونوا مقنعين، بل أن يقولوا كما يقول الملحن بدون إحساس فى معظم الأحيان!
وأضاف بجرأة أكبر: ما نسمعه حاليا عبارة عن أنفلونزا فنية وليس غناء!
وعندما سُئل عن الجيل الجديد من شعراء الأغنية قال: أصبحوا محترفين وتلك مصيبة، لأنهم امتهنوا كتابة الأغانى ولم يعد لديهم عملا آخر ..لم يعد لديهم الإحساس الحقيقى الصادق، فكل منهم يريد كتابة أغنيتين كل يوم لكى يواجه تكاليف الحياة.. بعكس شعراء الأغنية القدامى، لم يكتب أى منهم بغرض احتراف مهنة فظلوا هواة ومحبين!
وعندما سئل عن سبب ابتعاده عن الساحة الغنائية وما الحافز الذى يشجعه على العودة أجاب بسخريته المحببة:
أن يعود عبد الوهاب للغناء!
وكان عبد الوهاب قد اعتزل الغناء قبلها بسنوات!
(2)
أول طالبة مصرية تلعب التنس فى الجامعة!
فى العام 1930 فوجئ طلاب جامعة القاهرة بمنظر مثير فى ملاعب الجامعة جعلهم يقفون أمامه فى ذهول ويفركون أعينهم غير مصدقين.. فقد كانت هناك طالبة تلعب التنس، تقف فى الملعب وترتدى الشورت وتمسك المضرب وتضرب الكرة فى براعة، والأهم أنها فتاة مصرية وهو أمر كان غريبا على مجتمع محافظ بل شديد الرجعية فيما يتعلق بالمرأة وحقوقها وحرياتها.
وتجمع الطلاب يتفرجون على منظر الطالبة لاعبة التنس، كانوا يتهامسون ويضحكون ويضربون كفا بكف كما يفعل زوار حديقة الحيوان وهم يتابعون حركات القرود.. والوصف للطالبة نفسها فيما بعد.
ولكن الطالبة الجريئة كانت تمتلك مخزونا هائلا من التمرد والعناد، فلم تهتز ولم تهتم ولم تنسحب خجلا بل واصلت لعبها وحريتها، وفى العام التالى كان الموقف مختلفا، فقد بدا انتصار الطالبة ملموسا وواضحا، فقد فوجئت بزملائها من طلبة الجامعة يتابعونها فى إعجاب وتقدير بل ويطلبون أن يشاركونها اللعب.. وفى السنة الثالثة حين أصبحت الطالبة حديث الجامعة فإن إدارتها طلبت منها حد الرجاء أن تقف أمام عدسات شركة مصر للسينما لتصور فيلما دعائيا عن التقدم الذى أحرزته المرأة المصرية، وهل هناك دعاية أقوى من منظر فتاة مصرية تلعب التنس، ولكن إدارة الجامعة فوجئت برفض الطالبة، وكان رفضها على سبيل الانتقام من لوائح الجامعة المتخلفة التى ترفض التحاق الفتيات بالتعليم الجامعى وتتعنت معهن ولا تعترف بحقهن فى شهادة جامعية!
وقد حدث قبلها بسنوات حينما التحقت أول دفعة من الفتيات المصريات بجامعة فؤاد الأول (القاهرة فيما بعد) أثار الخبر عاصفة من الرفض، وكان على رأس الرافضين وأشدهم الملك فؤاد شخصيا، وأراد أن يستخدم سلطاته فى إجبار مدير الجامعة لطفى باشا السيد على إيقاف هذه "المهزلة"، ولكن لطفى باشا لم يستجب وتحايل على التوجيهات الملكية، بدعوى أن الطالبات اكتسبن حق الالتحاق بالجامعة وأصبح وجودهن شرعيا!
وهكذا تخرجت أول دفعة من طالبات الجامعة فى مصر وكانت تضم: سهير القلماوى وفاطمة سالم فى كلية الآداب، ونعيمة الأيوبى فى الحقوق، وفضيلة عارف فى الطب.
لكن لوائح المجتمع وقوانينه ظلت ضد وصول الطالبات لمقاعد الجامعة، ولذلك كان قيد الطالبات فى كليات الجامعة يتم سرا ومن شروطه ألا تكشف الطالبة عن قبولها حتى لأقرب الناس لها، إلى أن يبدأ العام الدراسى ويصبح وجود الطالبات فى المدرجات أمرا واقعا.
وكانت طالبة التنس من المقبولات فى الدفعة الثالثة الملتحقات بالجامعة المصرية، وكان من حسن حظها أنها ولدت لأب مؤمن بحقوق المرأة، بل ضحى بمستقبله المهنى المضمون من أجل تعليم بناته، فقد كان طبيبا مرموقا فى أسيوط ويكسب مئات الجنيهات ويعيش حياة هانئة، ثم قرر بلا تردد أن يضحى بكل تلك المكانة والثروة وينتقل إلى القاهرة ويفتح عيادة كأى طبيب مبتدئ، لمجرد أن يحقق حلمه فى تعليم بناته، بل أرسل ابنتيه الكبريين إلى أنجلترا ليلتحقا بجامعة لندن.
أما ابنته طالبة التنس فقد وافق على رغبتها فورا فى الالتحاق بالجامعة المصرية بعد أن فتحت أبوابها على استحياء للفتيات، وحاولت فى البداية أن تلتحق بكلية التجارة لكن عميد الكلية رفض بشدة، وكادت الطالبة تصاب بانهيار عصبى، لكن والدها أقنعها بأن لديها ملكات أدبية خاصة ورأى أنها ستحقق نجاحا إذا ما التحقت بكلية الآداب، وهو ما حدث بالفعل، وتحققت نبوءة الأب، وأصبحت ابنته أول فتاة مصرية جامعية تعمل بالصحافة، بدعم من أستاذها مصطفى أمين الذى آمن بموهبتها، ومنحها الفرصة والدعم، ولم تخذله التلميذة الموهوبة العنيدة التى حفرت اسمها فى سجل الخالدات من نوابغ الصحافة والكتابة.
وكما كان منظرها غريبا ومدهشا وهى تتحدى التقاليد البالية وتقف فى ملاعب الجامعة تمارس رياضة التنس، كان المنظر لا يقل غرابة وإدهاشا فى ساحة الصحافة حين نزلت المحررة الشابة لتمارس عملها فى مهنة كانت حكرا على الرجال.. ولكنها كما تحدت وكسبت فى الجامعة والتنس حققت مكسبا أكبر كصحفية.. تحكى بنفسها:
"حينما بدأت كنت وحيدة وعانيت جدا فى الصحافة على كل المستويات، وعانيت من الاضطهاد لكونى امرأة.. وكانت هناك صحف صفراء قبل ثورة يوليو تعيش على الفضائح والابتزاز، وكانت تسبنى وتهاجمنى فى كل عدد من أعدادها، ولم أكن أرد عليها، ولصغر سنى كنت أبكى طول الليل، وفى الصباح يركبنى العناد والتحدى وأذهب إلى عملى وأنا مبتسمة وواثقة.. كنت أقرأ ما يكتب ضدى وأنا أحترق من داخلى.. لكن عنادى كان أشد ..فأنا شخص عنيد جدا فى التحدى، ومستعدة دائما لقبول أى تحدٍ ولا أتراجع أبدا ولا أهرب مطلقا.. ولو كنت قد هربت من الهجوم فى بداية حياتى الصحفية لانتهت تجربتى فى الصحافة من أول شهر!
هذه العنيدة.. المتحدية.. التى كانت أول طالبة مصرية تلعب التنس فى الجامعة.. وأول طالبة مصرية جامعية تعمل بالصحافة.. وأول صحفية ترأس مجلس إدارة مؤسسة صحفية قومية.. اسمها أمينة السعيد!
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...
الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين
فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...
القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة