عطيات فنانة من قلب «الشعب» قدمت 25 فيلما تعبر عن العمل والكفاح ودور الفلاحة المصرية فى بناء الحياة
لو تحدثت عن نفسى فى السطور التالية، فالسبب "عطيات الأبنودى"، هى الفنانة التى استمعت أصوات الصعيد الذى هو مسقط رأسى، ولو تحدثت عن تجاربى فى "الأدب" فهى السبب أيضا، لأنها احتفظت بسجل رحلتى، دون أن تعرف شيئا عن شخصى، وهذه - المقدمة - ما قصدت بها إشباع ذاتى، ولا الإعلان عن ضخامة أو تضخم هذه الذات، بل قصدت تهيئة القارئ للحكاية التى استمرت تسعة وسبعين عاما، كانت بدايتها فى "السنبلاوين - أكتوبر 1939" ونهايتها فى نفس المكان مع تقادم الزمان "أكتوبر- 2018"، ونبتدى القول بالصلاة على "طه" الرسول..
فى تسعينيات القرن الماضى، عرفت صحفية صعيدية، وكانت تحب "عطيات الأبنودى"، وفى ليلة من الليالى الحارة، وجدتنى فى عمارة بالقرب من الحديقة الدولية فى مدينة نصر بالقاهرة، ودخلت بيت - المخرجة الكبيرة - واستقبلتنى، وفرزتنى "من فوقى لتحتى"، وشربت الشاى، وانصرفت من عندها، مثل "الأطرش فى الزفة"، وفيما بعد، تبين لى أننى خضعت لكشف "هيئة" ورسبت فيه ولله الحمد، لأن الصحفية كانت تريد أن تقطع الشك باليقين وتجيب عن السؤال الذى شغلتها به "تتجوزينى؟" وهى لم تكتف بصلاة الاستخارة، وقررت أن تصحبنى إلى "اللجنة العليا للفحص الاجتماعى"، وهناك فشلت فى نيل الرضا، رضا الفنانة التى تحمل ثقافة مصر فى اسمها، فهى "عطيات" وهى "الأبنودى"، وأنا كانت لى أخت شقيقة اسمها "عطيات" - رحمها الله - وكنت شاعر عامية فى سنوات الجامعة، وكان "الأبنودى" يمثل قيمة كبيرة عندى، ولم أكن أعرف أنها "مطلقة الأبنودى"، كانت معلوماتى ناقصة، وظننتها من "أبنود" - مثلا - أو ابنة عم "عبدالرحمن الأبنودى"، وملامحها صعيدية للغاية، تساعد - التخمين الذى خمنته وتدعمه - وتجعل منه حقيقة، العينان والأنف والقورة، والأسنان، لها خصائص "الصعايدة"، وكما يقول ناسنا فى حكمتهم البليغة "العين صابتنى ورب العرش نجانى" و"مرت راجل ما يخدهاش راجل" و"أبدان بتتكشف على أبدان" و"اللى ليها عيش على أكتاف راجل لازم تاكله"، وانتهى ما بينى وبين الآنسة "الصحفية" والسيدة "عطيات الأبنودى"، فلم يكتمل مشروع "زواجى من الصحفية" ولم تدم مودتى مع المخرجة الكبيرة، ودارت الأيام ومرت الأيام، وعثرت على مجموعة قصص قصيرة لكاتب اسمه "يحيى الطاهر عبد الله" فى غرفة من غرف "العزاب" كنت مقيما فيها فى "9 شارع على عليان - فيصل" وكانت المجموعة فقيرة الطباعة، تشبه بطاقات السلع التموينية التى كنا نتسلم بها السكر والزيت والأرز من بقال القرية فى زمن مضى، لكن هذه المجموعة فتحت لى طريق القصة والرواية وجعلتنى أغامر، فأهجر شعر العامية، وأقرر كتابة القصص القصيرة، لأكون مثل هذا الذى كتب قصص "تصاوير من التراب والماء والشمس" التى علمتنى درسا وفجرت بداخلى نهرا، أما الدرس فهو "أكتب حياتك فى الصعيد"، والنهر الذى تفجر هو "نهر كوم العرب"- قريتى وموطنى العزيز - وما حولها من قرى، وأكرمنى الله بكرمه، وأصدرت مجموعتى القصصية الأولى "درب النصارى" ولقيت قبولا طيبا من المبدعين، وبعدها بأربع سنوات كتبت مجموعتى القصصية الثانية "بين المجموعتين كتبت روايتين هما: عقد الحزون وكحل حجر"، وتفضل الصديق الشاعر الكاتب الصحفى "خالد حنفى" - رئيس تحرير مجلتنا بارك الله فيه - وقدم "غرب النيل" إلى الشاعر الكبير "الأبنودى"، وأعجبته المجموعة وكتب عنها ضمن يومياته التى كان يكتبها فى جريدة "الأخبار"، وعشت فرحة عارمة، فقد حصلت على "ختم النسر الصعيدى"، اعتمدنى - شيخ العرب الأبنودى - وأصبحت كاتبا يقدم جانبا من عالم الصعيد الأعلى، مثل "عبدالوهاب الأسوانى" و"يحيى الطاهر عبد الله" و" محمد مستجاب"، ودفعت الضريبة، فأنا أصبحت محسوبا على "فريق الأبنودى" وبالتالى اعتبرنى أنصار "عطيات الأبنودى" خصما يستحق المحو من الوجود، وكانت – عطيات - شغلت المجتمع الثقافى المصرى بكتاب لها أصدرته بعنوان "أيام لم تكن معه" حكت فيه جوانب من تاريخها الإنسانى مع زوجها "السابق طبعا" عبدالرحمن الأبنودى، وكان زواجهما لمدة اثنتى عشرة سنة، ولم ينجبا أطفالا، وخلال ذلك الزواج، مات صديقهما الكاتب "يحيى الطاهر عبد الله" وترك زوجة وطفلتين، وقرر ـ عبدالرحمن وعطيات ـ تبنى "أسماء يحيى الطاهر عبد الله" وبالفعل عاشت "أسماء" معهما، وبعد الطلاق، بقيت مع "ماما عطيات" وهى حاليا "دكتورة أسماء" تدرس بقسم المسرح بآداب حلوان، وتحاضر فى الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وتشرف على جائزة باسم والدها الكاتب الراحل "يحيى الطاهر" وهو الذى توفى فى حادث سيارة على طريق الواحات فى "9 أبريل 1982"، و"عطيات الأبنودى" ومعها "دكتور حسين حمودة" - الناقد والأستاذ بقسم اللغة العربية بآداب القاهرة - جمعا قصص "يحيى الطاهر" فى كتاب، ولولاهما لضاع تراث هذا الكاتب الذى عاش حياة قاسية وتعذب بالموهبة ومات فى سن مبكرة.
عطيات عاشقة الحياة
كانت "عطيات عوض محمود خليل" فتاة من "السنبلاوين" بالدقهلية، واستطاعت الوصول إلى القاهرة، والحصول على "ليسانس الحقوق" من جامعة القاهرة فى العام 1963، ولم تكتف بهذه الشهادة، والتحقت بمعهد السينما، وتخرجت فيه فى العام 1972، وحصلت على "زمالة" مدرسة السينما والتليفزيون فى لندن فى العام 1976، هذه هى المسيرة العلمية، التى تؤكد لنا أنها فنانة، أكاديمية، لكن الاختيار الفنى أو الانحياز الذى جعلته علامة على مشوارها، هو الانحياز إلى الحياة، والحضارة، وعشاق الحياة، الذين يعرقون فتحول حبات عرقهم الخيوط إلى نسيج، والأرض السوداء إلى خضراء ذات شجر وثمر، ولم يكن هذا الاختيار الفنى بعيدا عن الاختيار الوطنى، فالرئيس - عبد الناصر - هو من أصدر "الميثاق" فى العام 1962، وهو الذى جعل التعليم والصحة بالمجان للفقراء، فمنحهم بعض حقوقهم التى كانت مسروقة، وجعل للفلاحين والعمال نسبة فى المجالس النيابية لاتقل عن خمسين بالمائة، وجعل "ثروت عكاشة" وزيرا للثقافة، وجعل "خالد محيى الدين" رئيسا لتحرير اثنتين من الصحف "المساء" و"الأخبار" وجعل المثقفين التقدميين فى المسرح والسينما وظهرت الأسماء الكبرى مثل فؤاد حداد ونجيب محفوظ ويحيى حقى ورشدى صالح وعلى الراعى، ولكن هذه "النهضة" حملت عنوانا مختلفا عن العنوان الذى عرفته "عطيات عوض" بعد أن أصبح اسمها "عطيات الأبنودى"؛ ذلك لأن "الأبنودى" انضم لتنظيم يسارى اسمه "وحدة الشيوعيين" يؤمن بالنظرية "الماركسية" على مذهب الإمام "ماوتسى تونج" أو "تونغ" حسب الترجمة، وهذا المذهب يؤمن بالفلاحين، ويرى أن "الاشتراكية" معناها أن يحكم "الفلاحون" مصر، ومن هنا برع المبدعون المنتمون إلى هذا المذهب ـ الفلاحى الماوى الماركسى ـ فى الاهتمام بتفاصيل ثقافة الفلاح المصرى، وهم من رعوا حركة "جمع الفلكلور" وقدموا مظاهر الثقافة الشعبية الفلاحية من خلال الفنون، وكانت وزارة الثقافة تدعم هذا التوجه فى إطار "الميثاق" الذى هو "العقد الاجتماعى" الذى نص صراحة على أن "التحالف السياسى" الحاكم فى مصر هو تحالف "العمال والفلاحين والرأسمالية الوطنية والجنود والمثقفين الثوريين"، وكان - دكتور عبد الحميد يونس - رائد علم الفلكلور - يرأس تحرير مجلة "الفنون الشعبية" التى تنشر النصوص الأدبية الشعبية التى أبدعها الفلاحون فى القرى، وكانت الثقافة السائدة فى تلك الفترة هى ثقافة "الشعب"، وكانت - عطيات الأبنودى - فنانة من قلب "الشعب"، فقدمت خمسة وعشرين فيلما تعبر عن العمل والكفاح، وتظهر الدور الكبير الذى تقوم به المرأة الفلاحة فى بناء حيوات أولادها، ولم يكن مصطلح "المهمشون" قد انتصر على مصطلح "المنتجون" و"الكادحون"، ولكن "عطيات" كانت منحازة للكادحين والمنتجين، والكادحات والمنتجات، فى الدلتا والصعيد، فهى التى رسمت حياة "توحة الحزينة "، الفتاة التى تمارس بعض الألعاب وتعرض نفسها للخطر فى شوارع القاهرة وتتسول "القروش" من الجمهور الذى يتفرج على أدائها، وهى التى سجلت سيرة "الطوابة "بكافة الصيغ، والطوابة هم صناع الطوب الأحمر المستخدم فى بناء البيوت فى مصر كلها منذ آلاف السنين، فى فيلمها "حصان الطين" ترى العين تفاصيل صناعة الطوب الأحمر، وترى الحصان - صانع أمجاد الفرسان فى التاريخ - وقد تحول إلى مجرد "حوافر" مهمتها تذويب الحصى وتنعيم الطين، والغما على عينيه مثل الثور المعلق فى الساقية، وحصان الطين ليس وحده الذى يدور فى "المعجنة" بل معه إنسان حافى القدمين، يدور مع الأحصنة حتى تصبح الطينة ناعمة صالحة لدخول "القالب" الخشبى، وبعدها دخول "الفرن" ومن "الطوابة" إلى "الفخرانية" فى فيلم "إيقاع الحياة" واصلت – عطيات - رحلة تسجيل تفاصيل ما تبقى من "ثقافة مادية" وصناعات شعبية فى الصعيد، فصورت حياة صناع الفخار، والنساجين، وصورت "الطاحونة" و"الساقية" و"معصرة الزيت"، و"القرقرة" وهى حرفة "المساليب" الفقراء، وكانت سائدة قبل ظهور "الدراسة" التى تفصل "الحبوب" عن التبن، وكان "المقرقر المسلوب" وهو فلاح بالطبع يقوم بفصل الحبوب عن التبن بأدوات "الغربال والمدراية"، وصورت "عطيات الأبنودى" فى فيلمها "إيقاع الحياة" طقوس التعميد المسيحية لدى الأقباط الأرثوذوكس فى الصعيد، وطقوس الذكر الصوفى لدى المسلمين، والأسواق المنتشرة فى القرى والبنادر الصغيرة.
مثقفة وطنية حقيقية
فى كل أفلامها التسجيلية، لا يرى المشاهد سوى محبة "عطيات الأبنودى" للوطن وناسه الشغيلة، فلا ربح ولا خسارة ولا انشغال بالتجارة، بل هو دور وطنى، كانت تقوم به بمحبة واقتناع، فهى التى جمعت تراث "يحيى الطاهر عبد الله" فى كتاب، وهى التى سجلت "الأيام الأخيرة من حياة أمل دنقل" الشاعر الكبير فى فيلم حمل عنوان "حديث الغرفة رقم 8" وهى الغرفة التى قضى فيها الشاعر الراحل فترة علاجه من مرض السرطان فى معهد الأورام التابع لقصر العينى، وهى التى وثقت لكفاح المرأة المصرية الفلاحة فى منطقة "السويس"، وهى من مناطق المواجهة مع "إسرائيل" فى سنوات الحروب التى سبقت "كامب ديفيد"، ومن حق - القارئ العزيز - أن يربط بين مسيرة "عطيات الأبنودى" السينمائية ومسيرة "الشاعر عبدالرحمن الأبنودى" الشعرية، وهو ربط له ما يدعمه ويؤكده، فالمخرجة ترى الحياة بالكاميرا وتحولها إلى صور، وتجعلها فى فيلم يقاوم الضياع، والشاعر يرى الحياة بالكلمة ويحولها إلى حروف وأصوات، تعيش فى القلب والوجدان، وتفجر الشعور والمعنى، وتخصب الخيال، والفيلم يثير العقل ويخصب الخيال، ويمتع النفوس، ومن عجائب الأقدار أن يولد الشاعر الأبنودى فى "أبريل" ويموت فى "أبريل" وتولد "عطيات الأبنودى" فى "أكتوبر" وتموت فى "أكتوبر"، وأن تكون "أبنود" هى القرية التى ألهمتهما كل هذا الفن الجميل، الفن المعتز بعرق الفلاح المصرى فى الدلتا والصعيد والصحارى.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...
الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى
ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية
أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد