تهانى الجبالى.. بنت العربان القاضية الأولى فـي تاريخ الدولة المصرية الحديثة

قاومت الغزو «الإخوانى» وتصدت للجماعة الإرهابية وعزلوها من منصبها وظلت على موقفها الرافض «لأخونة الدولة المصرية»

القاضية المصرية الراحلة "تهانى الجبالى" كانت المرأة الأولى التى تولت منصب القضاء فى المحكمة الدستورية العليا، فى "يناير 2003" وبعد تعيينها بأربع سنوات تولت اثنتان وثلاثون امرأة منصب القاضى فى المحاكم المصرية، وما لا يعرفه الكثيرون أن "تهانى الجبالى" تنتمى إلى "العربان"؛ فهى من "آل الجبالى" الذين تولوا زعامة "قبيلة الحرابى"، وكان جدها من جنود الثورة العرابية، مع آلاف من العربان، وحظى جدها بمكانة رفيعة فى التاريخ المصرى الوطنى، فى الوقت الذى باع فيه "عربان" آخرون أنفسهم لقوات بريطانيا مقابل المال، ولكن "الحرابى" كانت لهم وقفة وطنية حفظها التاريخ وسجلها بحروف من نور.

فى سنوات مضت كنت أتابع برامج القنوات الفضائية، أيام كان الزخم الثورى هو المسيطر فى الوطن العربى، وكنت أتأمل السيدة "تهانى الجبالى" حسب طريقتى، وهى طريقة تقوم على دراسة "ملامح الوجه" ودراسة "الخطاب"، وتأمل دلالات الأسماء، وثبت أن ما كنت أفعله له قواعد وأصول ضمن علوم منها القديم والحديث، فالعرب القدامى عرفوا علما يسمى "الفراسة" ووردت عبارة تقول "اتق فراسة المؤمن فإنه يرى بنور الله"، وقيل إنها "حديث نبوى" والله أعلم، ولكن ما ثبتت علميته، اتفاق حضارات معينة على حروف وصوتيات معينة للتعبير عن مواقف ومعارك فاصلة ومهمة فى تاريخها، وتغير دلالات هذه الحروف مع تغير تاريخ هذه الحضارات أو "الجماعات" والفرق، فعلى سبيل المثال، عرف "بدو مصر" بعدة أسماء مقصورة عليهم مثل "عبد العال، عبد العلى، أبوجبل، جبالى، بدوى، بديوى"، وهذه الأسماء تكثر بين "بدو وادى النيل" وكذلك "مجاور، محارب، منازع"، ومن أسماء النساء  "جازية، غالية، عالية، دوابة، ناعسة، سالمة، تهانى، عبلة" وغيرها، وهنا استوقفنى اسم "تهانى الجبالى"، ومع ملامحها ـ رحمها الله ـ وهى ملامح عربية بامتياز، تيقنت من انتمائها إلى العربان، ولكن كانت حيرتى فى تحديد المنطقة التى تنتمى إليها، فالعربان فى مصر أطياف وأقسام، منهم "المشارقة" و"المغاربة"، ومن بين المغاربة "عربان الحيط" و"عربان الخيش" وهذا التقسيم اعتمدته الدولة المصرية فى تعدادات السكان التى بدأت منذ العام 1847"، فهناك "عربان" استقروا فى القرى وتسلموا الأرض الزراعية فزرعوها وتركوا حياة التجوال، وهؤلاء هم "عربان الحيط" وهناك "عربان" ظلوا على تجوالهم عاشوا بعيدا عن وادى النيل والدلتا وهؤلاء كانت الحكومة تعرفهم باسم "عربان الخيش" أى الذين مازالوا خارج "الحيطان" أو الجدران، وقبيلة "الحرابى" من قبائل "المغاربة" أى التى جاءت من الغرب "فاس، الجزائر، تونس، ليبيا" ومنها "آل الجبالى"، وقد تكون ـ ياعزيزى القارئ ـ قرأت اسم "قصر الجبالى" أو "رياض بك الجبالى" أو قرأت شيئا من تاريخ "الثورة العرابية" فعرفت اسم "عربان الحرابى" و"الجبالى" عمدة هذه القبيلة فى تلك الحقبة من تاريخ مصر، وعموما هناك قرية فى "كفرالزيات" تسمى "كوم العرب"، وسكانها من عربان "الحرابى" وهم من قبيلة "الحرابى" المستقرة فى "أبشواى" بالفيوم، ولها فروع فى ليبيا، ونسوق لك طرفا من تاريخها الذى تواتر فى دفاتر المؤرخين وروايات النسابين:

"قبيلة الحرابى، من "حرب بن عقار" بن "الذئب بن أبى الليل" من قبائل "السعادى"، من القبيلة الأم "بنى سليم" شريكة "بنى هلال" فى التغريبة من بلاد نجد والحجاز إلى مصر ومنها إلى تونس لقتال "المعز بن باديس" فى زمن الخليفة الفاطمى "المستنصر"، وكان "المعز" رافضا دولة الفاطميين الشيعية متحالفا مع "المالكية" السنة من أهل تونس، وتحركت القبائل

"بنوهلال وبنوسليم" ومن حالفهما من القبائل لقتال "ابن باديس" وهزمته وخربت عاصمته وعاشت فى مدن وقرى تونس وبرقة والجزائر وفاس ومكناس ومراكش، وفى سنوات تالية عادت هذه القبائل إلى مصر، وقيل إن العودة كان لها سببان، انتشار "الطاعون" فى بلدان المغرب العربى، ووقوع حروب قبلية فى القرن السابع عشر، واضطرار القبائل للبحث عن مواطن آمنة فى حواف وادى النيل المتاخمة للصحراء الكبرى، ولعل ـ القارئ العزيزـ يقول "وأين نسب تهانى الجبالى من هذا كله؟"، ونجيبه باختصار فنقول "نسب تهانى الجبالى ينتهى إلى الفرع الذى انتقل من "حرابى الفيوم" إلى غرب الدلتا "كفر الزيات ـ كوم العرب" وما حولها، واشترك فى معارك "الثورة العرابية" ضد الجيش البريطانى فى "كفر الدوار" و"القصاصين" و"التل الكبير" حسب ما أورده "دكتور سمير زكى" فى كتابه "أحمد عرابى ودوره فى السياسة المصرية" الصادر عن "هيئة الكتاب ـ 1986" بالنص:

"كان للهجوم الشامل للقوات المصرية على معسكر "القصاصين" فى معركة "9 سبتمبر 1882" أثره فى تعجل القوات الإنجليزية فى الهجوم على "التل الكبير"، خشية من مضاعفة "عرابى" لقواته والقيام بهجوم آخر، وخاصة أن القوات المصرية الموجودة بالتل الكبير قدرت بنحو خمسة وعشرين ألف مقاتل، وقدرها ـ أحمد شفيق ـ بثلاثين ألفا من المشاة وألفين وخمسمائة من الفرسان وستة آلاف من العربان، وكان أول المتطوعين من العربان، قبيلة الحرابى بالفيوم بقيادة "السعداوى الجبالى" و"عبد القوى الجبالى"، وطلبا الانضمام للجيش بعد تسلمهما الأسلحة، فأحال عرابى الأمر على المجلس العرفى الذى قرر ضمهما للجيش عن طريق مديريتهم "يقصد رجال الحرابى" على أن يحضروا بخيولهم ويعاملوا معاملة الجنود النظاميين، أى يخضعون للأحكام العسكرية، وبعد تنظيمهم يسلم إليهم السلاح، وقد دعا ذلك ـ عرابى ـ إلى عقد اجتماع مع بعض رؤساء قبائل العربان لمعرفة من يمكن ضمه إلى الجيش من أبناء هذه القبائل".

 القاضية رغم أنف المحافظين

 وبعد أن ذكرنا الخلفية الاجتماعية للقاضية الأولى "تهانى الجبالى" نعود بك يا عزيزى القارئ إلى تاريخ قريب، فقد اختير "سعد زغلول" لمنصة القضاء بعد عمله لسنوات فى مهنة المحاماة، وكذلك "مصطفى النحاس"، جلس على منصة القضاء بعد اشتغاله سنوات بالمحاماة، والمستشارة "تهانى الجبالى" رحمها الله كانت محامية، عملت فى المهنة عقب تخرجها فى كلية الحقوق ـ جامعة المنصورة، فى العام 1973، فهى من مواليد "20 نوفمبر 1950"، وصدر قرار تعيينها قاضية فى "المحكمة الدستورية العليا" فى العام "2003" ـ أى منذ عشرين عاما ـ وكانت الدولة المصرية ترفض قبول المرأة فى مناصب القضاء، رغم أن كليات الحقوق تقبل الجنسين، والمرأة عملت بالمحاماة منذ بداية الاعتراف بهذه المهنة وتقنينها، وكان ذلك الموقف مرجعه "تيار المحافظين" من رجال الدين ورجال القانون الذين يرون أن الإسلام منع المرأة من تولى منصب القاضى، ونسوق لك ياعزيزى القارئ جانبا من الآراء التى استندوا إليها، منها ما صدرعن "لجنة الفتوى" بالأزهر الشريف، ومنها ما ورد فى رسالة ماجستير مجازة من الأزهر للباحث "حافظ محمد أنور" وموضوعها "ولاية المرأة فى الفقه الإسلامى".

ذهب جمهور العلماء إلى أنه لايجوز للمرأة أن تتولى القضاء ولو وليت أثم المولى، وتكون ولايتها باطلة وحكمها غير نافذ فى جميع الأحكام، وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة وبعض الحنيفية.

 والأنوثة وحدها هى العلة، فالمرأة بمقتضى الخلق والتكوين مطبوعة على غرائز تناسب المهمة التى خلقت لأجلها وهى مهمة الأمومة وتربية الولد، وهذه قد تجعلها ذات تأثر خاص بدواعى العاطفة، وهى مع هذا تعرض لها عوارض طبيعية تتكرر عليها فى الأشهر والأعوام ومن شأنها أن تضعف قوتها المعنوية وتوهن عزيمتها فى تكوين الرأى والتمسك به والقدرة على الكفاح والمقاومة فى سبيله وهذا شأن لاتنكره المرأة نفسها.

 والقاضى مطالب بالحضور فى محافل الرجال والاختلاط بالخصوم والشهود، وقد يحتاج إلى الخلوة بهم وقد صان الشرع المرأة وحفظ لها شرفها وعرضها وحفظها من عبث العابثين وأمرها بلزوم بيتها ومنعها من مخالطة الرجال.. هذا ما ورد من أقوال الفقهاء، واحتوته المراجع التى يرجع إليها كل من يرغب فى معرفة رأى الإسلام فى تعيين المرأة فى وظيفة "القاضى"، ولكن رغم هذه الآراء وردت آراء أخرى مستنيرة متقدمة، منها:

يجوز تولية المرأة القضاء فيما يجوز فيه قبول شهادتها، مثل أقضية المال والعقود، أما الحدود والقصاص فلايجوز، وهو مذهب "الحنفية"؛ وحجتهم أن الشهادة فرع عن القضاء وفيها معنى الولاية فوجب إلحاقها بها فكل من جازت شهادته، جاز قضاؤه..

وذكر دكتور "سعد الدين الهلالى" _ وهو من علماء الأزهر الشريف_ فى مقالة له منشورة، قوله إن المصريين تركوا مذهب الجمهور لأنهم فقهوا أن قول الجمهور من الفقهاء لايزيد على كونه خيارا علميا لايرتب التزاما بالاتباع، فمن حق الناس أن تتبع أحد الأقوال الفقهية المقنعة، ولو كان هذا القول من غير المشاهير، فالفقهاء ليسوا أمراء أو رؤساء أو قضاة، وقال عنهم الإمام "الشافعى": قولهم صواب يحتمل الخطأ أو خطأ يحتمل الصواب .

 وقال دكتور "الهلالى" بالنص:

اختار المصريون قول الإمام الطبرى وما ذهب إليه "الظاهرية" من جواز تولية المرأة القضاء فى كل الأقضيات طالما كانت مؤهلة بدراستها العلمية..

وفى ختام حديثنا عن الراحلة المستشارة "تهانى الجبالى" أول قاضية فى تاريخ مصر الحديث والمعاصر، نقول إنها كانت نموذجا مشرفا للمرأة المصرية، البدوية المقاتلة، وعملت ثلاثين عاما فى مهنة المحاماة، وترشحت فى انتخابات مجلس نقابة المحامين وفازت بعضوية مجلس النقابة لدورتين متتاليتين، وقاومت الغزو "الإخوانى" وتصدت للرئيس الإخوانى "محمد مرسى" وجماعته، وعزلوها من منصبها، لكنها ظلت على موقفها الرافض لأخونة الدولة المصرية، وماتت وهى مؤمنة بالعدل والحرية والدولة المدنية.

 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

لماذا تتكرر أعطال الأجهزة المنزلية رغم الصيانة؟ متخصصون يوضحون الأسباب

في كثير من المنازل السعودية تتكرر شكوى شائعة بين المستخدمين، وهي أن بعض الأجهزة المنزلية تتعطل مرة أخرى بعد فترة...

السعودي شو وتجربة شراء اشتراك نتفلكس بطريقة أكثر اطمئنانًا

في عالم الاشتراكات الرقمية، لا يبحث العميل عن المنتج فقط. هو يبحث عن تجربة كاملة تبدأ من لحظة دخوله إلى...

صلاح عبد الصبور.. الفارس النبيل الذى انكسرت أحلامه سريعا

فى ذكرى ميلاده الخامس والتسعين أحدث نقلة فى المسرح الشعرى العربى.. وحرر المسرحية الشعرية من القصيدة الغنائية كان سابقا فى...

نوران خالد: رواياتى ترصد سعى الإنسان نحو الحرية

الرواية التاريخية مغرية لأى كاتب لا يوجد قالب جاهز أو كتالوج يلتزم به الكاتب اعتبر نفسى كاتبة نسوية