فى السنوات العشر الفائتة ظهر جيل جديد من الشاعرات، أضفى حيوية على قصيدة النثر المصرية، وضخ دماء جديدة فى شرايينها،
دماء تأتى من تفاصيل مختلفة، ومنطقة لم يدخلها الشعراء الرجال، ولا يعرفون دقائقها، بينما تمثل هذه المنطقة ملعبا خصبا للشاعرات، بكل ما يكتنفها من أوجاع حينا، وحميمية حينا آخر، وأعنى عالم المرأة، ومشاعر الأمومة، وآلام الحمل والولادة، وأوقات الوحدة والعزلة فى البيت، والوقوف طويلا فى المطبخ.. هذه التفاصيل التى ربما لم يلتفت لها الموروث الشعرى كثيرا، نظرا لذكورية الشعراء، فهى لا تمثل جزءا من عالمهم، ومن ثم لم يلتفتوا لها.
آلاء فودة شاعرة متميزة من شاعرات هذا الجيل الجديد المختلف، استطاعت أن تصنع من عوالم الأنوثة والأمومة عالما شعريا مائزا ومختلفا، عالما مسكونا بأسئلته الوجودية وأزماته الشعورية التى تعيشها المرأة فيه، وظل غير معبر عنه لسنوات طوال، ومن ثم ظل محجوبا وخارج إطار الإدراك، كعالم جدير بتأمله وفحصه، واستكشاف منطقه الشعرى. وقد أظهرت فودة منذ ديوانها الأول "بحة فى عواء ذئب" تميزها وخصوصية مسارها الشعرى، وأنها شاعرة لها صوتها شديد الخصوصية، وأسلوبها المستقل، وعالمها الخاص.
فى ديوانها الجديد "شامة أعلى الرحم"، الصادر عن منشورات المتوسط، تواصل آلاء إثبات جدارتها بوصفها شاعرة لها بصمتها وخصوصيتها، وتؤسس عالمها الذى يتبدى منذ العنوان الذى ينبئ عن مركزية الأمومة فى قصائد الديوان، حيث يصير الرحم فضاء مهيمنا على بنية عنوان الديوان، وعلى معظم قصائده، بل إن حضوره الرمزى والمجازى يكاد يهيمن على كل القصائد، فالعالم والعائلة والأسرة والبيت والقرية، وكذا العادات والتقاليد والموروث، كلها أرحام رمزية نمت فيها الذات الشاعرة، التى كانت جنينة تتكون فى كل رحم من هذه الأرحام المجازية، لكنها كبرت بما يكفى لتتخارج من رحم الموروث وتشكيلاته المتعددة، ولا تكتفى بالخروج من سطوة هذه الأرحام، بل تقطع الأحبال السُرّية التى تربطها بكل رحم منهم، أو هكذا تظن، لكن هذه الذات نفسها تتحول، فى المقابل، إلى رحم جديد، ينجب أطفالا جددا، يرتبطون بها، ومن ثم بكل الأرحام التى ولدت هى منها، عبر حبل سرى جديد، يربط هؤلاء الأطفال بها، ويعيد ربطها هى نفسها بالعالم من جديد.
تبدو الصيرورة مركزا دلاليا مهما وفاعلا فى الديوان، فالعالم المحيط بالذات الشاعرة كله فى حالة تحول، وهذه الذات نفسها فى حالة صيرورة دائمة، ومن ثم فإن الديوان مسكون بفكرة المسافات، المسافة بين ما كانت عليه الذات وما آلت إليه، وكذلك المسافة بين العالم القديم ومآلاته، فضلا عن المسافة بين الذات والعائلة، بين الذات وأمها، ثم بينها وبين بناتها، بل إن التقسيم الشكلى لقصائد الديوان تهيمن عليه المسافة بين القصيدة الأولى "اختبارات سلبية" التى تبدو فيها الذات الشاعرة باحثة عن الحمل والإنجاب، وتأتى اختبارات الحمل دائما سلبية "كل ليلة أتجسس على أسفل بطنى/ أضغط بكامل راحة يدى/ أفتش عن نبض غريب/ لكائن تنبت أعضاؤه على استحياء"، وبين القصيدة الأخيرة "ثقيلة كالماء وموجعة كالسكين"، التى تحولت فيها إلى أم لبنتين، إذ تقول: "وفجأة تستيقظين فى الثالثة صباحا بعينين خائفتين/ تتحسسين الأنفاس الغريبة بجوارك/ لوهلة تتساءلين: من هاتان البنتان؟/ خيط رفيع يسرى بأسفل بطنك/ تمسكين هاتفك وتحاولين مراسلة الغرباء البعيدين/ تبدأين رسالة ثم تغلقينها دون كلمة واحدة".
تتأمل الذات الشاعرة نفسها، فتصبح هى موضوعا للرؤية والفحص، وحياتها موضعا للتأمل، لتتمكن من الوقوف على ما حدث لها من تحولات، وصيرورة حياتها، والمسافات التى قطعتها ابتعادا عن العالم، وعن العائلة، فتقول:
"أنا بنت المسافات
المسافات التى تجاوزناها رغما عنا،
المسافات التى تتلوى فوق معدتنا،
المسافات التى حجزتنا فى منتصفها،
المسافات التى عبرناها عبر لهاث العالم
والمسافات التى علقت فى حلوقنا ولم نستطع لفظها.
هكذا، تبدو فكرة المسافات فاعلة ومركزية فى رؤية الذات لنفسها وللعالم من حولها، فهى ذات نائية، ومبتعدة، المسافات بمعناها الحسابى الفيزيائى، ممثلة فى الغربة عن الوطن، وبمعناها الرمزى ممثلا فى الاغتراب عن كل الأرحام التى نمت فيها، والاغتراب عن العالم حتى لو كان قريبا منها، أو يتدفق حولها، إذ تقول:
"أسمع العالم يدفق من حولى
أرى الأشياء تتغير
كلٌ يبدل موقعه على الرقعة
وأنا لا أفعل شيئا
سوى مراقبة الأيام وهى تسقط تحت عجلات العدم"
فالعالم، هنا، قريب من الذات حتى أنه يكاد يلامسها، لكنه رغم ذلك ناء وبعيد، إنها ترى تبدلاته وتحولاته، وتسمع صخب هديره حولها، تراه بوصفه دمى تتغير مواقعها على رقعة الشطرنج أمامها، لكنها رغم ذلك غير راغبة فى الفعل أو التورط فى صخب هذا العالم، مكتفية بموقع المراقب الصامت، لكنه صمت المتأمل الفاحص، وليس صمت العاجز الساكن، فهى تتأمل أفعال الزمن وأفاعيله، حتى أنها تتأمل أفعال الزمن فى جسدها نفسه، والمسافة التى قطعها جسد هذه الأنثى بين لحظتين زمنيتين، بين ما كان عليه، وما آل إليه، المسافة الفادحة بين جسد الأنثى وجسد الأم، بين تفاصيل الجسد التى كانت موضعا للجمال، وأصبحت إلى آلات أمومية، ومن ثم تحول الجسد من وجود جمالى إلى وجود وظيفى، فتقول:
"صارت لأجسادنا مهام أخرى
تطورت أعضاؤنا لتصبح أكثر فعالية؛
النهد ثدى،
البطن رحم،
العاطفة عادة يومية
لم تضف لنا الولادة شيئا غير الخوف
ومحاولة الركض
لأبعد نقطة ممكنة
كآلات تعمل فى مصنع الأمومة
حتى يداهمها الصدأ"
ففى المقطع السابق، تتحدث الذات الشاعرة، عبر ضمير جمعى، عن ما تقطعه الأمهات من مسافة باهظة الكلفة، مسافة تدهس أجسادهن نفسها، وتتحول فيها أعضاء الجسد، فالنهد الذى طالما صوره الرجال فى قصائدهم ولوحاتهم بوصفه رمزا جماليا وتعبيرا عن الأنوثة، يصير لدى المرأة الأم محض آلة رضاعة، ومن ثم فإن الأمومة نفسها التى يصورها الرجال بوصفها رمزا للعطاء والخصوبة كجانب إيجابى، تفصح هنا، فى هذا المقطع باذخ الدلالة، عن وجهها السلبى الذى يؤرق الأمهات، إذ تتحول أجزاء الجسد، ويتحول معها مسماها، ووظيفتها، وحتى وجودها كله، فهذه الأجساد تتحول إلى ما يشبه الآلات الحديدة، فالأمومة مصنع كبير، والثدى - الذى كان نهدا- يصبح آلة، عليها أن تظل تعمل وتضخ الحليب للصغار، حتى يداهمها الصدأ على حين غرة، فلا يمكنها العودة إلى سيرتها الأولى، أو وظيفتها الجمالية والإمتاعية القديمة.
مقطع كهذا، يستدعى معه موروثا من القصائد التى كتبها الشعراء الرجال، ولعل أشهرهم نزار قبانى فى "طفولة نهد"، وكذا رباعية صلاح جاهين الشهيرة "النهد زى الفهد نط اندلع"، بل إنه يستدعى معه أيضا تاريخا من اللوحات التشكيلية، بدءا من نساء محمود سعيد، ووصولا إلى عاريات مودليانى، فتقريبا كل النصوص الشعرية والتشكيلية التى تعاطت مع جسد المرأة حصرت هذا الجزء فى الجانب الجمالى والإغوائى، لكننا هنا مع نظرة المرأة/ الأم له نرى جانبا وظيفيا مختلفا، مفارقا للجانب الجمالى، ومحصورا - فى المقابل - فى الإرضاع، ومن ثم فإن المبدعة المرأة تقدم الجانب المعتم والمطمور، الذى لا تراه عيون المبدع الرجل، فثمة مسافة شاسعة يستبطنها الديوان وحمولاته الثقافية بين رؤية المبدع الذكر للأنثى، وبين رؤية المبدعة الأنثى لنفسها.
وتتوالى المسافات التى تفصل الذات عن العالم، المسافات التى تبدو كحبل سرى انقطع، ولا إمكانية لإعادة وصله من جديد، فتتجلى مثلا المسافة بين الحزن والتعبير عنه، بين الفعل والكلمة، بين الشعور الممض وانعدام القدرة على الصراخ، فتقول فى قصيدة بعنوان "أنا حزين":
"حب يزول ومسافة تنقضى
ويبقى بياض الحزن
يحدث أن ينمو الحزن كشامات جسدك
تتوارثها بناتك فى نفس الموضع
ربما يأتى الحزن خافتا
كوخزة فى القولون"
هنا، ثمة مسافة رمزية بين شعور الذات الشاعرة بالحزن، الذى تستخدم تقنية التكرار للتعبير عن وطأته وفداحته، وبين قدرتها على التعبير عنه، فتنهى القصيدة بتكرار جملة "أنا حزين وصامت" ثلاث مرات، وكأن القصيدة هى الصرخة المدوية التى تطلقها هذه الذات فى العالم، بديلا عن عدم قدرتها على الصراخ فى الواقع.
تزداد وطأة المسافة على الذات الشاعرة حال انغماسها فى العالم، لكنها فى الوقت ذاته بعيدة عنه، وهو ناء عنها، فهنا ثمة مسافة مجازية بين البعد والقرب، بين التواصل والانقطاع، بين زمن العالم من حولها، وزمنها هى الخاص، بين وجودها فى بناية مليئة بـ"الشعب"، وبين وحدتها وعدم معرفتها بأى من القاطنين فى هذه البناية، فهى تتعاطى مع العالم بوصفه كتلة واحدة، وليست أفرادا لهم حيواتهم وخصوصياتهم، كتلة بعيدة ولا تربطها بها علاقة، كتلة لها زمن الموحد، تستيقظ فى السادسة صباحا، بينما الذات لها زمنها الخاص، ومن ثم فلا يوجد حبل سرى يربطها بالبناية وسكانها، الذين يبدون فى هذا السياق وهذه الرؤية بوصفهم رحما رمزيا انفصلت عنه الذات الشاعرة، وانقطعت أواصر ارتباطها به، تقول:
"يا رب أنا وحيدة
أسكن فى بناية مليئة بالشعب
ولكنى لا أعرف أحدا
ولا يطرق بابى أحد
ربما لسبب فيزيائى
هم يستيقظون فى السادسة صباحا
وأنا أنام فى السادسة صباحا."
ثمة رحم آخر انفصلت عنه الذات الشاعرة، وهو رحم القرية والعائلة والتقاليد التى ولدت فيها ومنها، لكنها قطعت، وبعنف، الحبل السرى الذى كان يربطها بهم، وبأفكارهم وموروثاتهم وقيمهم، لتؤسس نموذجها القيمى الخاص، فصارت المسافة بينها وبين الجذور بعيدة، تقول:
"أفعل كل ما يحذر منه عجائز القرية
أكره القرية وعجائزها
أطلق الرصاص على صورة العائلة،
تتساقط الأصوات من أذنى واحدة تلو الأخرى
وكمن يقشر الذاكرة ورقة بعد ورقة،
أنسى القرية ولقب العائلة."
فإطلاق الرصاص، هنا، يشبه استخدام المشرط الجراحى لقطع الحبل السرى الرابط بين الأم وجنينها، لكن الذات/ الجنين هنا هو الذى يقطع الحبل الرابط بينه وبينه أمه القرية/ العائلة/ العجائز/ النسق القيمى، وإن كان فعل إطلاق الرصاص فعلا عمديا أكثر عنفا، حتى تكون القطيعة كاملة ونهائية، ومع فعل القتل بالرصاص تتساقط الأصوات التى كانت تريد الهيمنة على الذات الشاعرة، أصوات الكبيرة التى كانت تسعى لمحو صوت الذات، واحتلال مكانته، ومن ثم فإن القطيعة تكون فرصة الذات لاستكشاف صوتها الخاص، شديد الفردانية والخصوصية، الذى لن يتأتى سوى بنسيان القرية ولقب العائلة، فالذات هنا، وحسب هذه الرؤية، لن تجد وجودها وصوتها ورؤيتها، سوى بالقتل الرمزى لوجود وصوت القرية والعائلة والعجائز.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...
الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى
ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية
أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد