أحمد قرنى: توعية أطفالنا وشبـابنا أمن قومى.. وليست ترفًا

أحمد قرنى، كاتب له بصمة خاصة، ليس فقط لأنه صاحب رصيد كبير من أهم الجوائز فى العالم العربى فقط،

 ولكن لإصداراته المتعددة فى أدب الأطفال واليافعين وأشعار الأطفال، فضلا عن رواياته ومجموعاته القصصية، وقد فازت روايته "جدتى الرقمية" مؤخرا بجائزة الشارقة، بعد أن فازت معظم أعماله السابقة بجوائز.. عن روايته الفائزة، والكتابة للطفل، وصعوباتها، وأهميتها فى صياغة وجدان أطفالنا وتشكيل عقولهم فى ظل عالم متغير يشبه قرية صغيرة، كان لنا معه هذا الحوار.

كيف استقبلت فوز روايتك "جدتى الرقمية"؟

ما أسعدنى فى فوز رواية "جدتى الرقمية" أنها رواية الأسئلة الصعبة، كنت أحاول فيها إثارة موضوع فى غاية الأهمية هو أن السؤال مفتاح المعرفة، ولولا السؤال ما تقدمت البشرية، لكننا فى مجتمعاتنا العربية نسكت عن أسئلة كثيرة، ونخفيها، ونخشى طرحها.. ولهذا رأيت فوز "جدتى الرقمية" دلالة مهمة لأن نرفع الوصاية عن الأجيال الصاعدة، وندعهم يسألون، ليس هناك سؤال محرم ولا عيب ولا ممنوع، لهذا حين عوقب بطل الرواية لأنه سأل فقط كانت النتيجة أن تعددت الأسئلة.

 هل لدينا نقص فى التوجه نحو الكتابة اليافعين أو بمعنى آخر ما صعوبات الكتابة اليافعين؟

الصعوبات التى تواجه كتابة اليافعين أننا نحتاج إلى ناشرين لديهم الجرأة والشجاعة لنشر إبداع مغاير، ويحاول كسر التابوهات، التى تمنع تقدم مجتماعاتنا وتفك قيوده وتمنح على الأقل الجيل الجديد حق التخلص من إرث صنعناه نحن الكبار، إرث من الصمت والسكوت لأسباب تتعلق كلها بثقافة موروثة، عن أن الطفل الصامت هو المحبب لدينا، الطفل المطيع الذى لا يتحدث عما يدور بعقله ويسأل فى شجاعة.. لدينا دور نشر تخاف وتؤثر السلامة، ولدى تجربة فى هذه الرواية الفائزة، فقد عرضتها على دار النشر التى أتعاقد معها، لكنهم ارتبكوا عندما قرأوها، وقالوا لى يومها إن بها جرأة شديدة، وتتخطى خطوطا حمراء فى مجتمعاتنا ونخشى نشرها.

 لماذا تحرص فى كتابتك على اتباع ما يشبه المنهج العلمى أو إدارة حوار فكرى كامل داخل عملك الأدبى وكأنه شىء عقلى موجه؟

الكتابة لليافعين والأطفال بالضرورة موجهة، فهى كتابة محرضة تنير العقل، ومحاولة البعض اللعب على فكرة التعاطف فقط، أو كسب الطفل عن طريق طرح عالم مثالى، أحيانا يكون مضرا. الطفل يحتاج من ينير عقله ويلهمه، ويستجيب لأسئلته التى ربما يخشى طرحها.. علينا أن نشجعه على ذلك. نحن فى عالم منفتح، لم تعد هناك حواجز للمعرفة ونقلها، والتعامل مع كل الثقافات، لهذا يجب أن نفهم أن طفل اليوم أو شاب اليوم مختلف، لأنه بضغطة واحدة على زر الكمبيوتر أو هاتفه المحمول سيتعامل مع زميل له فى الطرف الآخر من الكون.

 هل الجوائز شهادة على جودة العمل أم تقدير لمسيرة الكاتب؟ وهل تزيد من قراءة الكتاب؟

ليس بالضرورة أن تكون شهادة على جودة العمل، لأنها فى النهاية ذائقة لجنة تحكيم، ولو اختلفت اللجنة ربما تختلف النتيجة، لكن الجائزة تشجع الكاتب على الكتابة، وتحضه على المواصلة، فى ظل عالم ملىء بالزخم والازدحام، حيث يختلط الغث بالسمين، وتأتى الجائزة لتمنح الكتاب حيوية، فتسلط الضوء على الكتاب، وأنا من الكتاب المحظوظين، فمعظم أعمالى حصلت على جوائز، منها جائزة كتارا عن رواية "جبل الخرافات"، وجائزة الشارقة عن كتاب "عصفور وحرف ووطن"، وجائزة الهيئة العربية للمسرح عن كتاب "ساسبيل"، وجائزة الشيخ خليفة عن رواية" رسائل جدى"، وجائزة ساويرس عن قصة "لماذا لا يطير التمساح"، وجائزة سوزان مبارك عن قصة "شادى فى دنيا الحواديت"، والجائزة العربية مصطفى عزوز بتونس عن رواية "لعبة الطائر العجوز"، وجائزة مكتب التربية العريى عن قصة "المملكة العجيبة".

 هل نعانى فى العالم العربى بفعل التكنولوجيا انفصالا بين الأجيال كما ناقشت فى أحد أعمالك؟

هذه حقيقة علينا الانتباه لها جيدا، التكنولوجيا وتأثيرتها جعلت الطفل "طفل كونى"، وتأثيرات الثقافات الواردة علينا كثيرة وضارة من كل مكان، ولهذا علينا توعية أطفالنا وشبابنا ببث قيم ثقافتنا ومبادئنا، وضرورة الحفاظ على هوية المجتمع، لأن هذا ليس ترفا، بل ضرورة للحفاظ على الأمن القومى لبلادنا، فهناك محاولات لغزو عقول أبنائنا بثقافة مختلفة، وفرضها علينا كأنها من مبادئ الحضارة، وسنجد الطرق مختلفة للنفاذ لعقول الأجيال الصاعدة، مثل أفلام الكرتون التى ندبلجها دون مراعاة فروق القيم والعادات والتقاليد التى ترسخها تلك الأفلام، وعلينا أن ننتج أفلاما لأجيالنا الصاعدة، ولا نكتفى بما نستورده، وعلى الدول أن تنتبه لأن هذا يحتاج جهد دولة وليس أفراد، ويجب أن تسهم وزارة الثقافة فى إنتاج هذه الأفلام، وتسند كتابة السيناريو لكتاب محترفين، حتى تخرج أعمال تليق بعقل الطفل الآن، وقد عملت محكما فى جائزة الدولة للمبدع الصغير -التى أظنها خطوة مهمة اتخذتها الدولة لدفع أبنائنا إلى الكتابة، وتشجيعهم على الإبداع- وهذه الجائزة مهمة لأنه تكشف خريطة الإبداع المصرية، ومن خلال اطلاعى على كتابات هذا الجيل، تأكدت أن فى مصر مواهب رائعة من الأدباء والمبدعين الشباب والأطفال، على عكس ما كنا نتصور أنهم جيل لاهى عن القضايا العامة، ولا يهتم بالقراءة ولا الكتابة، لكن الكم الكبير الذى قرأته أثناء تحكيم هذه الجائزة كفيل أن أقتنع بأن فى مصر مواهب شابة وجادة ورائعة، وأظن أن المركز القومى لثقافة الطفل يبذل جهدا رائعا للكشف عن الموهوبين من الأطفال والشباب، ونشر الإبداع، ولأول مرة تنشر كتابات الصغار فى كتب ويرسمها أطفال صغار أيضا، وهى تجربة ملهمة يقودها الكاتب محمد ناصف بمهارة، ومعه كتيبة من المبدعين داخل المركز.

 تتنوع أعمالك بين الشعر والرواية وأدب الأطفال.. كيف ينتج النص داخلك؟

أؤمن بأن العمل يختار شكل كتابته، ولا أفرض عليه شكلا معينا، فعندما يولد داخلى عمل أدبى أتأمله كسيناريو متخيل، كيف سيخرج؟! ومن ثم أتبع الحدس الداخلى، ونحن نعيش زمن الكتابة عبر النوعية، كما يطلق عليها النقاد، المهم أن يحقق العمل الأدبى المتعة، فإذا فقدها لا قيمة له عندى، مهما كان يحمل من أفكار وتوجهات، فالعمل الأدبى يعبر إلى القارئ بما يحقق له من متعة أثناء القراءة، وهذا يعنى أن نبتعد عن الخطاب المباشر، فلا متعة مع النصح والإرشاد والتوجيه المباشر، والكاتب الموهوب يستطيع أن يمرر كل شىء بأسلوب أدبى ممتع وجميل ومشوق.

 هل الكتابة للأطفال تحتاج لكاتب بمواصفات خاصة؟

لا بد أن يكون موهوبا أولا، ولديه وعى الكتابة. أدب الأطفال هو الكتابة الأدبية الوحيدة التى لا بد من تحديد نوعية قارئها أولا، أى يجب على الكاتب أن يعى أنه يكتب لقارئ بمواصفات خاصة، من ناحية العمر والنضج والحالة النفسية، ومن ثم يصل إلى الجمهور المستهدف، أما الكتابة نفسها، فيجب أن تكون سهلة بسيطة، حسب المرحلة العمرية للفئة المستهدفة، ولكل مرحلة مواصفتها.

 ما التحديات التى تواجه الكاتب اليوم فى ظل جيل مغاير متواصل بالعالم؟

تحديات عديدة ومتشابكة، منها ما له علاقة بالخيال، فالطفل فى عصرنا المليء بتقنيات أقرب للخيال، لا يمكن أن تتوجه إليه بخيال سطحى ساذج، ولكى تكون مقنعا يجب أن تكون ملما بعالمه، فالمعرفة الآن بكبسة زر، والخيال مطروح فى أفلام ذات أبعاد ثلاثة، والطفل الآن ليس ابن مكانه كما كان قديما، بل يتعامل مع العالم كله كأنه قرية صغيرة، فثورة الاتصالات جعلت الثقافات تقترب، لذا هناك عبء كبير على الكاتب، فخيال البساط السحرى وعلى بابا والفانوس والمارد لن يصلح مع الطفل الآن كما كان قديما، لا بد من التعامل مع التراث بشكل حداثى، وإعادة إنتاجه بتقنيات كتابية مختلفة، تتفق وروح العصر وتقنياته وأدواته الجديدة، وعلى كاتب الأطفال أو الشباب الإلمام بتلك المستجدات، وأن يتقنها ويعرف تطورها، وإلا سينتج كتابة ساذجة لن يلتفت إليها الجيل الصاعد، وربما يسخرون منها. ومن هنا، فإن أدب اليافعين عليه أن يتعامل مع قضايا الشباب، وأن يقدم لهم عالمهم، ويقترب من تفاصيلها، ويشكل رسالة تنويرية لهؤلاء الشباب، ليس بطريق الوعظ والتوجيه المباشر، بل عبر متعة الكتابة وحبكة درامية وسرد هادئ. هذا الجيل يحتاج الاهتمام به وبعالمه وبأحلامه وبمشاكله، جيل لا يمكن التعامل معه بخيال مريض أو قديم، يعيده لزمن البساط السحرى وعلى بابا، بل على الكاتب أن يكون على قدر طموح هذا الجيل وإمكانياته، فلدى الجيل الجديد معرفة كبيرة بالتقنيات الحديثة وعالم الإنترنت والكمبيوتر.. هذا الجيل يعرف أكثر، ولديه إمكانات أكبر، وعلى الكاتب أن يدرك ذلك ويعيه، حتى يصل عمله إلى هؤلاء الشباب. للكتاب الورقى متعة خاصة، وأرى شبابا يشترون الكتاب الورقى، ويجلسون فى الكافيهات يمسكونه بين أيديهم ويستغرقون فى قراءة ممتعة، كما أن للكتاب الإلكترونى سوقه وعالمه، وليس هناك تعارض، بل يجب التعامل مع التكنولوجيا الحديثة بمرونة، وأن يتاح الكتاب ورقيا مع طرحه عبر منصات البيع الإلكترونى، للوصول إلى أكبر عدد من القراء.

 ما الصعوبات التى واجهتك ككاتب وما هدف مشروعك الأدبى؟

كل الصعوبات التى تواجه الكاتب يمكن التغلب عليها، كل شىء قابل للتعلم والتدريب وشحذ الهمم ومحاولات الكتابة وتطويرها، لازالت أمامى رحلة لا تتوقف ولا تنتهى. الكاتب ليس له هدف، فهو يكتب ويبدع لأنه مسكون بالكتابة، ومهموم بها، وهى أداته وروحه وفرحته وألمه، وكلما أنجز عملا يعود من جديد ليبدأ آخر، فهو مسكون بروح المغامرة والتمرد، والرغبة فى الوصول لكتابة يرضى عنها، وهو دائما غير راضٍ، ينتهى من رحلة ليبدأ أخرى، ويفرغ من مغامرة ليخوض أخرى، وهكذا. وكلما سار خطوة نحو عمل جديد يبدو كأنه لم يكتب من قبل، لكن الفرحة التى يحصدها عند اكتمال عمله لا توصف، يكون فى حالة بين الوعى واللاوعى. الكاتب يجب أن يستمتع أولا لكى يمتع الآخر، ولولا متعة الكتابة ما طاق تعبها وألمها، الألم اللذيذ. الكتابة تحتاج جهدا ومثابرة وقراءة وتجريبا.. الكاتب يعانى قبل أن يخرج كتابا للنور، الأمر ليس بسيطا كما يظن البعض، لأنه لن يستطيع أن يتحمل مسئولية ومعاناة الكاتب إلا شخص لديه موهبة حقيقية، فالأرض ليست مفروشة بالورود أمامك، هناك صعوبات وضغوط الحياة، لكن صاحب الموهبة يتغلب على تلك الصعوبات ويستمر، عانينا ونحن صغار أن نجد فرصة للنشر، لكننا استطعنا أن نشق الطريق ونسير على الدرب، لأن الكتابة فوق أنها متعة، فهى هدف وغاية، ورحلة لا تتوقف ومتعة ولذة لن يعرفها سوى من مارسها.

 من أهم الكتاب الذين أثروا فى تكوينك الفكرى؟

منذ بداياتى، لا أكف عن قراءة نجيب محفوظ، هو الكاتب الذى لا يكف عن إدهاشى وإسعادى، وتوفيق الحكيم بأفكاره، ويوسف إدريس بأدواته التى يمتلكها ببراعة فى فن القص، وفى الأدب العالمى يوجد كثيرون.

 لماذا تنشغل فى كتاباتك بفكرة الأساطير والمورثات الثقافية؟

استدعاء الموروث هدفه التأكيد على الهوية، وأننا ننتمى لجذور عميقة، ولدينا تراث ضخم، ومن المهم إعادة تقديمه للأجيال الصاعدة، وهذه كانت رغبتى من استدعاء هذا الموروث الثقافى الضخم لدينا، وبثه عبر إعادة تركيبه وتفكيكه، ونقده أحيانا.

 	هان الشربيني

هان الشربيني

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - صلاة الطفولة

  ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...

سهيلة الرملى: «اتكلمى» ركزت على المسكـوت عنه فى كتب التاريخ

الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى

«السيد فى حقل الأدب».. شهادات وقـراءات كاشفة لعالم صبرى موسى

ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية

خالد أمين: وقعت فى غرام الـرعب والغموض

أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد