سميرة موسى، فلاحة مصرية، مولودة فى قرية "سنبو الكبرى" مركز "زفتى" بمحافظة الغربية، كان والدها ميسورالحال،
له اهتمام بالسياسة والثقافة والقضية الوطنية المصرية، وألحقها بالمدارس فأظهرت نبوغا وتفوقا جعله يغير حياته من أجل مساعدتها على تحقيق حلمها العلمى، فانتقل إلى القاهرة وأقام هو والأسرة، حتى تتمكن "سميرة" من اللحاق بكلية العلوم بجامعة فؤاد الأول، وفى الجامعة وجدت العون والتشجيع من دكتور على مصطفى مشرفة الذى كان وراء تعيينها "معيدة" بالكلية ووراء ترشيحها لبعثة دراسية فى بريطانيا وأخرى فى الولايات المتحدة الأمريكية..
فى يوم "3 مارس 1917" ولدت عالمة الذرة المصرية "سميرة موسى"، وفى يوم "5 أغسطس 1952" توفيت فى الولايات المتحدة الأمريكية، فى حادث سير، مدبر من جانب جهاز مخابرات إسرائيل، وهذا التدبير له مبرراته؛ فهى ـ رحمها الله ـ كانت أجرت أبحاثا الهدف منها تمليك العرب قنبلة نووية رخيصة الثمن، وهى أول رئيسة لهيئة الطاقة الذرية فى مصر وسعت لتأسيسها فى العام 1948 وهو نفس عام اندلاع حرب فلسطين وهزيمة الجيوش العربية، وإعلان قيام دولة إسرائيل، فالتدبير لقتلها من جانب إسرائيل واضح، رغم غياب "الدليل الصريح" لكن ملابسات "الجريمة" تدل على ضلوع "إسرائيل" وجهاز الموساد فى ارتكابها.. فى قرية "سنبو الكبرى" التابعة لمركز "زفتى" بمحافظة الغربية، تلقت "سميرة" تعليمها فى كُتّاب القرية وحفظت أجزاء من القرآن، والتحقت بالمدرسة الأولية، وواصلت مشوارها التعليمى برعاية والدها الرجل المبجل من أهالى القرية، بما له من ثقافة واسعة وثروة تجعله ضمن الميسورين، وكانت "سميرة" شقيقة بنت وولدين، ولكن كانت الأكثر ذكاء وتفوقا، الأمر الذى جعل والدها ينتقل إلى ـ القاهرة ـ ويشترى "لوكاندة" فى حى الحسين بالقاهرة، ويقيم ومعه أسرته حتى تتمكن "سميرة" من اللحاق بجامعة فؤاد الأول، وانتظمت الابنة المتفوقة بمدرسة "قصر الشوق" الابتدائية، ثم مدرسة "بنات الأشراف" الثانوية "الخاصة"، وهنا نتوقف أمام المصادفات القدرية التى جعلت والد سميرة يضعها داخل "القاهرة الفاطمية"، فتدرس فى مدرسة "قصر الشوق"، ويبدو أن "نجيب محفوظ" كان يعيش فى الحى ذاته، أو كانت عائلته غادرته إلى "العباسية"، لكن فيما بعد سوف يصبح "قصرالشوق" عنوانا لرواية مهمة تشكل مع روايتين أخريين "بين القصرين" و"السكرية" ثلاثية روائية ـ كتبها محفوظ ـ وتحولت لأفلام ومسلسلات شاهدها الشعب المصرى وتمتع بها وتشكل وجدانه بمشاهدها المحملة بروح الثقافة والوطنية المصرية، وتدرس فى مدرسة "بنات الأشراف" التى كانت تشرف عليها الرائدة التربوية "نبوية موسى" التى كانت تخوض حربا ثقافية لتحرير الفتيات المصريات من "قفص الحريم" وسجن الفكر الذكورى المعادى لقدرات المرأة وحقوقها الإنسانية وأهمها ـ بالطبع ـ الحق فى التعليم، و"نبوية" هى أول امرأة مصرية تتولى موقع "ناظرة مدرسة"، وكان وجود "سميرة موسى"ـ وهى ليست شقيقتها ولا من عائلتها ـ يضمن كل عام حصول المدرسة على منحة من وزارة المعارف، لأن وزارة المعارف كانت تمنح المدارس الخاصة منحا مالية فى حال تفوق تلاميذها وحصولهم على مراكز متقدمة على مستوى القطر المصرى، ومن المهم للقارئ العزيز أن يعرف أن "سميرة موسى" كانت "الأولى" على طلبة شهادة "التوجيهية" ـ الثانوية العامة ـ فى العام 1935وكان فوزها مثار دهشة المجتمع آنذاك، فلم يكن معتادا حصول الفتيات على مراكز متقدمة فى الشهادات، وكانت "التوجيهية" لها نظام "انتساب" للفتيات، و"انتظام" للفتيان، ولكن فى العام 1925 تغير هذا النظام مع إنشاء مدرسة "الأميرة فائزة" ـ ابنة الملك فؤادـ وهى أول مدرسة للبنات ضمنت لتلميذاتها التقدم لامتحان شهادة "التوجيهية"، ومما يروى من قصص نبوغ ـ سميرة موسى ـ أنها قامت بإعادة صياغة "كتاب الجبر" المقرر من وزارة المعارف على تلاميذ السنة الأولى بالمرحلة الثانوية، وطبعت منه نسخا على نفقة والدها ووزعته بالمجان على زملائها فى الفرقة الدراسية فى العام 1933.
سميرة فى الجامعة
التحقت "سميرة موسى" بكلية العلوم، رغم حصولها على درجات تؤهلها للحاق بكلية الهندسة، لكنها فضلت العلوم، وكان ذكاؤها وتفوقها العلمى سببا كافيا لاهتمام دكتور على مصطفى مشرفة بها ورعايتها، وعقب حصولها على درجة "البكالوريوس" بتقدير ممتاز، دافع عن اختيارها "معيدة" فى الكلية، رغم اعتراض عدد من الأساتذة الإنجليز على هذا الاختيار، وواصلت تفوقها فحصلت على درجة "الماجستير" فى موضوع "التواصل الحرارى للغازات"، وسافرت فى بعثة دراسية للحصول على الدكتوراه من إحدى جامعات "لندن"، ودرست خلال البعثة الإشعاع النووى وحصلت على الدكتوراه فى موضوع "الأشعة السينية وتأثيرها على المواد المختلفة"، واستطاعت إنجاز بحوث الدكتوراه فى سنة وخمسة شهور، وقضت السنة الثانية من مدة البعثة فى أبحاث متواصلة، توصلت خلالها إلى معادلة مهمة تمكن من تفتيت المعادن الرخيصة مثل "النحاس"، وبالتالى تصنيع "القنبلة الذرية" من مواد متاحة للدول الفقيرة، ولكن هذه الأبحاث لم تلق الاهتمام الكافى.
وعندما نتناول سيرة "سميرة موسى" الجامعية، فنحن نقترب من علاقة خلقتها الظروف السياسية والثقافية والاجتماعية، هذه العلاقة تمثلت فى دخول "سميرة" على خط السياسة من بوابة العلوم، والبحوث المتعلقة بالذرة والطاقة الذرية، وهى بحوث تؤدى للحديث عن العلاقة بين السياسة والسلاح، فالسلاح أداة للسياسة، لأن الحقوق تحتاج لقوة تحميها، وحقوق الشعوب والدول القوية مضمونة بقوة السلاح وقوة العلماء الذين يطورون هذا السلاح، وكان الزمان زمان الصراع العسكرى بين القوى المسيطرة على الكوكب، وكانت الحرب العالمية الثانية أفنت ملايين البشر ودمرت مدن أوربا، وشهدت تصنيع قنبلة ذرية، فجرت فى سكان مدينتى "هيروشيما" و"نجازاكى" وكانت "مصر" تحت الاحتلال البريطانى وتخوض الحرب معها ضد الألمان بحكم "معاهدة 1936" التى تلزم مصر بوضع كل إمكاناتها فى خدمة جيش الحلفاء بزعامة بريطانيا، وفى العام 1948 هزمت الدول العربية وفشلت جيوشها فى نجدة شعب فلسطين وقامت دولة إسرائيل، و"سميرة موسى" تراقب هذا كله وتعيش تفاصيله، وأنشئت "هيئة الطاقة الذرية" فى مصر واختيرت "سميرة" لتولى شئونها، ونظمت "سميرة" عدة حملات تهدف إلى تحريض مصر والدول العربية على امتلاك السلاح النووى، ونظمت مؤتمر"الذرة من أجل السلام" استضافته كلية العلوم ـ جامعة فؤاد الأول ـ وأرسلت مبعوثين لدراسة الذرة والتخصص فى علومها، وكانت تعرف أن "إسرائيل" مهتمة بالسلاح النووى وتسعى لامتلاك القنبلة النووية، ولم يقتصر اهتمامها ـ رحمها الله ـ على الجانب السياسى والعلاقة التى تربط بين القوة النووية وميدان المعركة، لكنها سعت للاستفادة بهذه الطاقة النووية فى المجال الطبى وكانت تقول دائما "أمنيتى أن يكون علاج السرطان بالذرة متاحا للناس مثل أقراص الأسبرين"، وكانت عضوا فى كثير من اللجان العلمية منها "لجنة الطاقة والوقاية من القنبلة الذرية" التى شكلتها وزارة الصحة المصرية.
مثقفة ومبدعة
عبقرية "سميرة موسى" عالمة الذرة لم تكن فقط فى مجال المعامل والكيمياء والمعادلات الرياضية، بل كانت فى التاريخ والفنون والآداب، كانت عاشقة للقراءة والموسيقى وتجيد العزف على آلة "العود" وتقرأ النوتة الموسيقية، وكانت تهوى تصميم الملابس وحياكتها، كانت مبدعة شاملة، تشترى القماش وتصمم "الفساتين" وتجلس إلى "ماكينة الخياطة" وتخيطها بنفسها، ولم تكن منفصلة عن هموم الوطن المحتل، فكانت وأستاذها ـ دكتور مشرفة ـ ضمن لجان "مشروع القرش المصرى" وهو مشروع قام بهدف تشجيع الصناعة الوطنية، وشاركت ـ رحمها الله ـ فى جمعيات خدمية عملت على محو أمية الفلاحين المصريين ومساعدة الفقراء من أبناء الطبقات الشعبية وجمع التبرعات لصالح مشروعات رعاية أطفال الشوارع، وكانت تكتب فى المجلات وتقدم الثقافة العلمية المبسطة التى تقرب العلوم المتخصصة لعقول القراء.
مقتل "سميرة" فى أمريكا
سافرت "سميرة موسى" إلى بريطانيا، وحصلت على الدكتوراه وعادت إلى القاهرة، ثم عادت فى بعثة أخرى إلى الولايات المتحدة الأمريكية وقامت بعمل أبحاث فى معامل جامعة "سانت لويس"، وزارت معامل متخصصة فى البحوث النووية فى ضواحى "كاليفورنيا".. وفى طريق عودتها، وعلى طريق وعر، ظهرت ـ فجأة ـ سيارة نقل صدمت السيارة التى تركب فيها "سميرة" وكان قائدها زميل لها "هندى الجنسية" وتمكن من القفز من السيارة، واختفى..!
وتبين لجهات التحقيق أن الزميل الهندى كان يحمل اسما مستعارا، ولكن التفسير الوحيد لهذه الجريمة الغامضة يكمن فى عبارة "فتش عن المستفيد"، والمستفيد من مقتل "سميرة موسى" هو من لا يريد لمصر والعرب التفوق العسكرى وامتلاك السلاح النووى، المستفيد من قتل "سميرة" هى "إسرائيل ".
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...
الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى
ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية
أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد