غزوة حنين التى عبر عنها القرآن الكريم ب "يوم حنين" ليست بشهرة غزوتى بدر وأحد، ومن ثم قرر زميلنا حلمى النمنم
أن يترك السياسة والأدب، ويبحث عن هذا اليوم المجهول فى تاريخنا الإسلامى رغم أن القرآن ذكره، ولكن لم يبق لنا منه إلا أن المسلمون هزموا فى بداية غزوة حنين ثم توجوا بالنصر فى نهاية المعركة، أما تفاصيل هذا اليوم وما سبقه من تجهيزات، وما لحقه من نتائج، فقد توقف أمامه النمنم ليقدم لنا قراءته المدهشة، وتحليله العميق الموفق، لا باعتبار يوم حنين معركة فى سلسلة المعارك التى فرضت على المسلمين دفاعا عن دينهم ووجودهم، ولكن باعتبارها معركة كرست لكثير من القيم والمبادئ التى يا للدهشة تصلح اليوم للتطبيق على حياتنا المعاصرة، رغم مرور أكثر من ألف وأربعمائة سنة على وقوعها، وهذه هى حكمة التاريخ، ولكن لمن يقرأها ويستوعبها، وتعالوا نبدأ بأولى المفاجآت التى يبدو أن أحدا لن يستطيع استيعابها: "الكفار فى جيش الرسول دفاعا عن مكة"، ولكن لأنها وقعت بموافقة الرسول وقيادته صلى الله عليه وسلم، فلا بد أن تكون هناك حكمة وعبرة، ولكن السكوت عن مثل هذا الموقف يبدو مقصودا كمواقف كثيرة فى حياة الرسول، يعمل أعداء الدين على إخفائها أو تغييبها، دعما للتطرف والتشدد الذى يقوده المتمسحون بالإسلام والإسلام منهم براء.
كانت حنين غزوة استباقية أو وقائية استبق بها الرسول خصوم دعوته فى الطائف المنافسة لمكة، وكان بها بيت للعبادة ينافس الكعبة، وقد حاول الرسول فى بداية دعوته اللجوء إلى الطائف والاحتماء بأهلها، فخذلوه، وطالما تكفلت بمكة بعداء الرسول ومحاربته، فقد اتخذت الطائف موقف المراقبة عما سوف يسفر عنه الصراع، حتى إذا حسم لصالح الرسول بفتح مكة سلما، شعرت الطائف أن مستقبلها الاقتصادى والتجارى والدينى سيضيع لصالح مكة والدين الجديد ، ومن ثم قرر أهل الطائف بقيادة قبيلة هوازن مساعدة قبيلة ثقيف فى الهجوم على القوة الوليدة بمكة، والتى تهدد مستقبلها، ولما علم النبى بما اعتزمته الطائف قرر أن يسبقهم بالهجوم، وهو ما يؤكد وجود نوع من المخابرات وجمع المعلومات فى قيادة الرسول، تأمينا لدعوته ودولته الجديدة، فلم يكن ثمة وحى بما يدبر فى هذا الصراع، وهى حكمة إلهية حتى نتعلم الأخذ بالأسباب، وإلا فما أيسر أن يخبر الوحى الرسول بكل تحركات الكفار ومؤامراتهم ليكون له النصر دائما، ولكن الله أراد أن يمارس الرسول ببشريته التعامل مع حقائق الموقف على الأرض فيصيب ويخطئ، وينتصر وينهزم، حتى يكون قدوة لمن أرسله الله إليهم إلى يوم الدين، فيتعلمون منه ليس باعتباره رسولا لا يخطئ، مؤيد بالوحى دائما، ولكن باعتباره بشرا يسهل الاقتداء به، وإلا فإنه سيقال: كيف نقتدى برسول مؤيد بالوحى دائما، فأين لنا بوحى الرسول؟
هكذا كانت غزوة حنين التى أراد بها الرسول دفاعا عن مركز دولته التى وحد فيها مكة والمدينة، لتكون منطلق الدعوة لدين الله الجديد فيما حولها، أما جيش النبى هذه المرة فقد كان مختلفا عن سابق غزواته التى كان قوامها المؤمنون به من المهاجرين والأنصار، فقد كانت مكة المراد الدفاع عنها صد غزو الطائف، فيها الكفار الذين لم يفرض عليهم الرسول الإسلام يوم الفتح ولا ألزمهم به، وإنما منحهم أمانا مطلقا بغير شروط: اذهبوا فأنتم الطلقاء، أما وأن المعركة اليوم ليست دفاعا عن المسلمين وحدهم، بل عن الكفار أيضا الذين يسكنون مكة التى فتحها المسلمون، فقد تقدم الكفار للدفاع عن وطنهم، لم يستبعدهم الرسول ولو من باب الشك والاحتياط، فلم تعد المعركة بين مسلمين وكفار، بل بين وطن بمسلميه وكفاره، وبين معتدين لا تعنيهم العقيدة فى شىء، قدر ما تعنيهم مصالحهم المهددة بتفوق مكة على الطائف، ومن ثم كانت غزوة حنين مختلفة فى هدفها الذى جمع الجميع مسلمهم وكافرهم بمكة، باعتبارها معركة وجود، لا معركة دين ودعوة، بين مسلمين وكفار كما كانت المعارك من قبل، والجديد أيضا فى هذه المعركة كما يرصده حلمى النمنم فى كتابه "يوم حنين" – الصادر عن دار الكرمة – هى أنها كانت أول غزوة يخرج إليها الرسول بعد فتح مكة، وكان خروجا اضطراريا دفاعيا فى مواجهة هوازن وثقيف الأكثر قلقا وانزعاجا من القوة الجديدة المنافسة، ولذلك قالوا: والله ما لاقى محمد قوما يحسنون القتال، ولهذا انتهى أمرهم إلى: أن أجمعوا أمركم فسيروا إليه – النبى – قبل أن يسير إليكم. وهكذا بدأوا يحشدون جموعهم نحو مكة حتى يفاجئوها، ولكن المعلومات وصلت للنبى، فبدأ تجهيز جيشه الذى انضم إليه ألفان من المكيين، بينهم اثنان من أعيان مكة وسادتها من الكفار، وهما صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو بن عبد شمس، وشارك غيرهما من غير الأعيان أو الوجهاء، عشرات من شباب مكة فى جيش حنين، دون أن يعتنقوا الإسلام، وبدأ النبى يجمع السلاح تأهبا للهجوم، ولما كان النبى يعلم أن صفوان لديه أسلحة ودروع، أرسل إليه، ودار هذا الحوار المثير بين النبى وهذا المشرك: يا أبا أمية أعرنا سلاحك هذا نلق فيه عدونا غدا. فرد عليه: غصبا يا محمد؟. قال: بل عارية - استعارة – حتى نؤديها إليك. قال صفوان: ليس بهذا بأس.
إذن فقد تعامل الرسول مع صفوان كمواطن له حق المواطنة بصرف النظر عن عقيدته، وكان يمكنه - ولن يلام - أن يصادر سلاح صفوان من أجل المصلحة العامة، فإذا اعترض أمر بحبسه أو حتى بقتله، فهو كافر يستحل دمه، ولكنه لم يفعل واستعار سلاحه ليحارب به، ثم كافأه بعد النصر بأكثر مما يستحق، ولم يفرق بينه وبين زوجته المسلمة، وتركه حر العقيدة حتى أسلم فى النهاية باختياره، فهل قرأ الإخوان سيرة الرسول وهم يستحلون أموال النصارى ويسرقون محلات الذهب الخاصة بهم، باعتبارهم كفارا تستحل أملاكهم ودماؤهم، إنهم لم يقرأوا سيرة الرسول، ولم يؤلفوا كتابا واحدا يعتد به عنه صلى الله عليه وسلم، وإنما ألفوا مائة كتاب عن مرشدهم حسن البنا ويحفظون رسائله وتعليماته أكثر مما يحفظون أحاديث الرسول ومنهجه الذين يزعمون الإيمان به، وهم أبعد ما يكونون عنه قولا وفعلا وسلوكا.
أما سهيل بن عمرو فقد شارك فى كل حروب قريش ضد النبى، وكان أسيرا فى بدر، وهو الذى تولى التفاوض وكتابة صلح الحديبية مع النبى وكان ممثلا لقريش، وقد أعطاه النبى الأمان بعد فتح مكة وأوصى أصحابه ألا يؤذوه ولو بنظرة غير مريحة، وقبله النبى محاربا فى جيشه، وأجزل له العطاء من غنائم المعركة.
هكذا فعل النبى مع الكفار، وهكذا كان التوجيه الإلهى، فما بالنا بمن يستحلون أموال الآخرين وأعراضهم ودماءهم، حتى لو كانوا مؤمنين موحدين.
أما موقف الرسول من عوف بن مالك قائد جيش هوازن بعد هزيمته وكان هو المبادر بالحرب على المسلمين والنبى نفسه، فقد عامله النبى كما لو كان منتصرا، فرد إليه ماله وأهله الذين عوملوا بتكريم وتقدير خاص، ثم كافأه النبى بتثبيته فى زعامة قومه، وأعطاه مائة من الإبل، هكذا كان الرسول يتعامل حتى مع أعدائه ليأتلف قلوبهم رغبة فى هدايتهم للإسلام رغبة منهم واختيارا دون إجبار أو اضطرار، فالرسول لا يريد إخضاع الأعناق، ولكنه يريد هداية القلوب، بما يرونه ويلمسونه من حسن المعاملة، ومقابلة السيئة بالحسنة من رسول الله، عملا بقوله تعالى: "ولو كنت غليظ القلب لانفضوا من حولك". و:" فإذا الذى بينك وبينه عداوة كأنه ولى حميم ".. إنها سياسة الرسول التى تجمع ولا تفرق، تتسامح ولا تثأر، تعفو ولا تشمت، تكرم العدو بعد هزيمته حتى لا يحقد ويغدر.
إنها ألفة القلوب، التى وجدنا - حسب حلمى النمنم - من يعارضها قرآنا وسنة، كما نادى سيد قطب منظر الإرهاب، وابتدع نظرية "الاستعلاء" الذى خطه فى كتابه "معالم فى الطريق"، ووضع لها فصلا بعنوان "استعلاء الإيمان" – والاستعلاء يعنى الكبر والاستكبار، وهو ما يمقته الإسلام داعيا إلى التواضع وحسن الخلق، أما هذا الخطاب الاستعلائى فقد توجه به سيد قطب إلى الإخوان الذين اعتبروا أنفسهم هم المؤمنون وما عداهم ممن لم يؤمن بدعوتهم وينضم إليهم يدخلون فى حكم "الكفار"، ومن ثم اعتبروا مصر دار كفر، وسكانها من غير الإخوان "كافرين".
موقف آخر وليس أخيرا من مواقف الرسول فى غزوة حنين الذاخرة بالمواقف العجيبة، ولكنه الرسول القدوة والمثل، فلا عجب ولا دهشة، فقد قصده شيبة بن عثمان بن أبى طلحة ليثأر منه لمقتل والده فى غزوة أحد على يد حمزة عم النبى، ورغم انتهاء المعركة بهزيمة جيش النبى، فإن شيبة لم ينس ثأره إلى درجة أن قال: لو لم يبق أحد من العرب والعجم إلا اتبع محمدا ما اتبعته. ودخل المعركة ضمن من دخلوها، وهو يضع النبى كهدف وحيد له حتى واتته الفرصة بعد تفرق المسلمين فى بداية المعركة بعد الهجوم المباغت لهوازن، ولم يصمد مع الرسول سوى قلة قليلة، وإن ذكرت رواية أخرى أنه لم يبق مع الرسول سوى العباس وعلى بن أبى طالب، وهنا حانت لحظة شيبة فاقترب من النبى، ولكنه شعر بشىء يغشى فؤاده، هنا يقول: أدركت أنه ممنوع منى. ونظر إليه الرسول ولعله أدرك ما فى نفسه فناداه: ادن منى شيبة. فدنا منه، فوضع النبى يده على صدره ودعا له: اللهم أعذه من الشيطان. ثم قال له: اذهب وقاتل. لنتأمل – يقول النمنم: هذا الموقف بنفوس مكفراتية هذا الزمان، ومن يقال عنهم جهاديون، تجنبا للتسمية الحقيقية "إرهابيون". هذا رجل بملء فمه يقر بكفره، وفى قلب المعركة يتجه لتنفيذ جريمته بقتل النبى غدرا، ويضبطه النبى نفسه، ومع ذلك يدرك أزمته ويتغاضى عن ذلك كله، فهو لا يحاسب الناس على لحظات ضعفهم وزلاتهم طالما لم يتحولوا إلى الفعل الذى لا يضر ويؤذى الآخرين، ولذلك فإن الرسول يطبق ما نادى به فى أحاديثه أن من انتوى معصية ولم يفعلها كتبت له بها حسنة ،لكن فى زماننا نجد من يقتلون الأبرياء بضمير مستريح وهم يعرفون أنهم أبرياء، ويرددون: هؤلاء يبعثون على نياتهم.
انتهت المعركة وقابل شيبة النبى محاولا تبرير موقفه، أو الاعتذار عنه، ولكن النبى أعفاه من الحرج وأنهى الموقف سريعا قائلا: الحمد لله أنه أراد بك خيرا مما أردت بنفسك. وشهد شيبة للنبى بالنبوة واعتنق الإسلام، وعاش متندرا بما قاله وحاول أن يقدم عليه ذات يوم، ولم يتهمه أحد أو يتنمر أو يزايد عليه ويشكك فى إيمانه.
هكذا كان النبى كما يحدثنا التاريخ عنه، فأين الإرهابيون منه، وهل قرأوا سيرة الرسول، وفهموا الإسلام الذى جاء به، أم أنهم اتخذوا من الإسلام مطية لتحقيق مصالحهم وأطماعهم، فأساءوا للإسلام الذى ينتمون إليه زورا وبهتانا وهو منهم براء.. إن كتاب حلمى النمنم "يوم حنين" إضاءة بالغة الأهمية، وقراءة واعية جدا لمعركة مجهولة، ولكنها ملأى بالصور والمشاهد المشرقة لعظمة رسول الإسلام، ولو كان الأمر بيدى لقررت هذا الكتاب بالذات فى مناهج التعليم، لأنه يقدم الرسول قدوة حية للتسامح والعفو والتسامى عن الأحقاد، وتأليف القلوب، والتعايش السلمى حتى ممن بقوا على كفرهم، إننا نقرأ هذه الملامح فى سيرة الرسول كأننا نقرأها لأول مرة، ومن ثم وجب التذكير بها، لعلنا نتعلم ونفهم، ونصبح مسلمين حقا وفعلا، لا كلاما ولغوا.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...
الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى
ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية
أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد