المؤكد أن فى تاريخ صبرى موسى إنجازا لم يحققه كاتب غيره، وربما لن يحققه كاتب بعده، ذلك أنه كــان صــــاحب القلـم الذى
تسبب فــــى تغييـــر خـــريطــة مصر، بإنشاء واستحداث محافظتين جديدتين أُضيفتا إلى محافظات مصر التاريخية الـــــراسخة. فقـــد تسببت رحلته إلى الصحراء الشرقية ومقالاته عنها فى إنشاء محافظة البحر الأحمر. وتسببت رحلته إلى الصحراء الغربية ومقالاته عنها فى إنشاء محافظة الـــوادى الجديد.
فى أوراقه يحكى ويسجل بكل تواضع:
"عندما نشرت رحلاتى إلى الصحراء انتبهت الدولة وعرفت أن لدينا أماكن يجب النظر إليها، وكان الرئيس عبد الناصر يتابع بنفسه تلك السلسلة، وبعدها أمر بإنشاء محافظتى البحر الأحمر والوادى الجديد، وظلت المحافظتان كلما احتفلتا بعيدهما القومى توجهان لى الدعوة بالحضور".
(1)
ولكن رحلته إلى الصحراء الشرقية ظلت هى الأهم والأخطر، لأنها أنتجت محافظة جديدة ورواية فذة..وقصة الرواية تستحق أن تُروى.
عاد صبرى موسى من رحلته الصحفية بالصحراء الشرقية "مشحونا" بشحنة هائلة من الانفعالات والحكايات والمشاهدات، ولم تكف الحلقات الصحفية المطولة التى كتبها عنها لتفريغ الشحنة كاملة، فقد بقى بداخله شىء ما يجذبه لتلك الصحراء البكر، ولجبل فيها بالذات، وقع فى غرامه، وسكنه سحره، ولم تفارقه سطوته ومهابته، وشعر بأن هناك قوة غامضة تدعوه للعودة من جديد.
ظل "الدرهيب" يسكنه ويجذبه ويشده ويوجه إليه هذا النداء الخفى، وذلك منذ تلك الليلة التى أمضاها فى حضنه فى ربيع العام 1963، وزاد السحر وتضاعفت قوة الجذب منذ أن وقعت عيناه على ساكنه وحارسه، ذلك الخواجة الروسى الأبيض الذى هرب من بلده بعد الثورة الشيوعية، وظل يضرب فى الأرض لأعوام، حتى استقر به المقام فى منجم "الدرهيب" مرافقا لصديقه مهندس التعدين الإيطالى، يرسم الخرائط للأنفاق والممرات ويجس متانة الصخور، ويُشرف على استخراج "التلك" من قلب الجبل الرهيب ".. وسرعان ما أصبح "الدرهيب" له وطنا.. فارتبط بالجبل حتى صار كأنه جزء منه وصخرة من صخوره.
معرفة الخواجة الوثيقة بالجبل لفتت نظر صبرى موسى واستوقفته وكتب عنها فى رحلته الأولى:
"كان يقودنا فى النفق الضيق المؤدى إلى قلب الجبل على عمق أربعمائة متر بإدراك شديد الحساسية، وبين الحين والحين يحذرنا من منحدر خطر أو صخرة ناتئة أو معبر زلق.. وكان واضحا أنه يعرف الجبل معرفة جيدة، معرفة حب ومودة، وكأنه قد أقام بينه وبين جوف الجبل علاقة حميمة، فجعله وطنا يستعيض به عن وطنه القديم الذى لا يستطيع العودة إليه".
وفى ليلة صبرى الأولى بالجبل، وفى نظرته الأولى لساكنه، ولدت فكرة رواية عن ذلك الخواجة الروسى الذى جاء من أقصى الأرض ليقع فى غرام جبل فى أقصى صحارى مصر الشرقية، مجرد شرارة إبداع، مجرد "نطفة "، راحت تكبر وتتكاثف وتتعمق، لكنها كانت فى حاجة إلى "فترة حمل" طويلة حتى تتحول إلى مولود كامل الأوصاف والتفاصيل.
وتمنى صبرى موسى أن يعود إلى الدرهيب وحارسه، وأن يقضى بجوارهما وقتا جديدا ويحصل على فرصة أخرى لصداقته، يعيش ويعايش ويتأمل ويرصد ويختزن، كدودة قز تنسج خيوطها فى إناة وصبر وشغف لا يعرف الملل.
وتحققت أمنيته فوق ما تمنى.. وفى المقدمة التى كتبها للرواية عند صدور طبعتها الأولى فى العام 1973 كتب حكايته مع الجبل والرواية:
"فى ربيع عام 1963 أمضيت فى جبل الدرهيب بالصحراء الشرقية قرب حدود السودان، ليلة، خلال رحلتى الأولى فى تلك الصحراء، وفى تلك الليلة ولدت فى شعورى بذرة هذه الرواية.. ثم رأيت الدرهيب مرة ثانية بعد عامين، خلال زيارة لضريح المجاهد الصوفى أبى الحسن الشاذلى عند عيذاب.. وفى تلك الرؤية الثانية للدرهيب أدركت أننى فى حاجة لمعايشة هذا الجبل والإقامة فيه إذا رغبت فى كتابة الرواية.. وقد وافقت وزارة الثقافة على تفرغى من نوفمبر عام 1966 إلى نوفمبر 1967، للإقامة فى الصحراء حول الدرهيب لجمع مادة روايتى ".
وبعد حصوله على منحة التفرغ، حزم حقائبه وذهب ليقيم فى تلك البقعة التى اختارها مكانا لروايته الفريدة.. الجبل نفسه الذى وقع الخواجة نيكولا فى غرامه" فاستولى على حواسه المضطرمة بالرغبة فى التحليق، وشعر بأنه يوشك أن يجد مكانا يرغب فى الانتماء إليه.. يوشك أن يجد وطنا".
(2)
توحد صبرى موسى مع مكان روايته وشخوصها، عاش فيه وفيهم، وراحت الفكرة تتعمق والتفاصيل تتسع والأحداث تتشابك والشخصيات تتشكل من لحم ودم، والصراع يحتدم، ومعانيه تأخذ أبعادا إنسانية وفلسفية وصوفية.
وبعد مخاض طويل وصعب ومعقد ولدت "فساد الأمكنة".. وكما يقول فى أوراقه:
"بدأت فى كتابتها وعام 1968 فى أوله، ثم انتهيت منها وعام 1970 لم يبدأ بعد".. وكان المولود مذهلا ومتفردا فى شكله ومضمونه ولغته وبنائه، بل امتد الذهول لكاتبها نفسه فكتب عنها فى أوراقه:
"أحيانا يُخيل لى أن "الدرهيب" فى "فساد الأمكنة" قد تحول إلى رمز للأرض بشمولها، وأن نيكولا يجتهد على طريقته ليكون الإنسان فى شموله.. لقد وضعته الرواية فى مواجهة كل الأسئلة التى يطرحها الجبل، حول فكرة الوطن والزواج أو الأسرة.. الجنس والعمل والصداقة.. وقد بدت الأسئلة التى يواجهها نيكولا عنيدة وقاسية لدرجة أنه يُسلم بعجزه فى النهاية، ويرغب - هربا من هذا العجز- أن يتحد بالطبيعة الأم، فيصبح حجرا أو صخرة من صخور الجبل، ويصبح بالتالى قويا وعظيما مثل الطبيعة".
كانت الرواية على أية حال حدثا فى تاريخ الرواية العربية.. إنها – كما كتب النقاد – رواية فذة سارية المفعول وجذوة أبدية الاشتعال أثرت عالمنا الأدبى وألهمته.
إنها ثورة على الأماكن والبيئة المعتادة التى كانت تدور فيها أحداث الروايات حينذاك، المدينة، الحارة، القرية، فانطلقت مخيلة صاحبها الإبداعية لتطأ صحراء مصر الشرقية وتنهل من طبيعتها الساحرة.
نشر صبرى "فساد الأمكنة" فى البداية فى شكل رواية مسلسلة على صفحات "صباح الخير"، ثم صدرت كرواية مطبوعة عن سلسلة الكتاب الذهبى فى يونيو عام 1973، ومنحته الرواية فى العام التالى جائزة الدولة التشجيعية فى الأدب، وكان على رأس لجنة التحكيم توفيق الحكيم.. وفى العام 1975 كانت كذلك سببا رئيسيا فى منحه وسام الجمهورية للعلوم والفنون من الطبقة الأولى.
وتخطت شهرتها الحدود، فمنحته أكبر جائزة أدبية أمريكية، بل يمكننا أن نقول إنها تعادل نوبل فى الآداب، لكن يبدو أن هناك من استكثر عليه "الحصان المجنح" فثارت حملة ضارية ضد الجائزة أضطر صبرى موسى إلى أن يعلن تنازله عن قيمتها المالية..!
(3)
فى عام 1977 كان صبرى موسى أول أديب مصرى وعربى يفوز بجائزة "بيجاسيوس" أو "الحصان المجنح" الأمريكية المرموقة عن روايته "فساد الأمكنة".
وفى أوراقه يحكى صبرى عن تلك الجائزة وأزمتها:
" فى العام 1975 أعلن فى الولايات المتحدة عن إنشاء جائزة "بيجاسيوس" الدولية للأدب، التى تنفق عليها شركة "موبل" الدولية للبترول، وأعلن أن الهدف من الجائزة هو نقل الأعمال الأدبية المتميزة التى تُكتب فى أنحاء العالم بغير اللغة الإنجليزية إلى اللغة الإنجليزية، لتوسيع دائرة الجمهور الأدبى للأعمال التى تستحق ذلك.. ولتوسيع دائرة إطلاع الجمهور الذى يقرأ الإنجليزية على آداب الشعوب التى تكتب بلغات أخرى.
"وقد تشكلت لجنة لهذه الجائزة فى أمريكا، مكونة من بول إنجل الشاعر والروائى المشرف على مدرسة الكُتاب فى جامعة إيوا، والبروفيسير جوناتان كستلر الأستاذ بجامعة كولجيت، والشاعر الأمريكى المعروف ويليام جى سميث المرشح لثلاث جوائز أدبية عن أعماله الشعرية وترجماته من الشعر العالمى، وونسلى فيلا بوم مدير إدارة المطبوعات بالجامعة فى ولاية آريزونا، ووظيفة هذه اللجنة تحديد الدولة التى تمنح فيها الجائزة كل عام، وقد لعبت المصادفة دورا مهما فى منح الجائزة لأول مرة إلى العالم العربى، حيث كان فرع موبل بمصر يحتفل بمرور خمس وسبعين عاما على إنشائه، وهكذا أعلنت تلك الجائزة فى مصر عام 1976 وسط مناخ من التساؤل والدهشة، ووجدها البعض فرصة للسخرية من تلك الجائزة، للتقارب اللفظى الواضح بين جائزة نوبل وجائزة موبل، ولكنى فى الحقيقة وجدتها فرصة للتأمل.. فإذا كانت جائزة موبل هى ثمرة أرباح تكدست من تجارة البترول، فإن جائزة نوبل هى أيضا ثمرة أرباح تكدست من تجارة البارود والمتفجرات وآلات الدمار".
وبسبب الحملة العاتية التى قامت ضد الجائزة، قرر صبرى موسى استشعارا للحرج عدم قبوله للقيمة المالية للجائزة، فى حين لم يتنازل عن قيمتها الأدبية، والتى تتضمن ترجمة الرواية ونشرها فى الولايات المتحدة وكندا وبعض بلاد أمريكا اللاتينية.
رأى صبرى موسى أن ترجمة الرواية إلى الإنجليزية يقدم خدمة جليلة للأدب العربى كله .. "ذلك أن ترجمة أعمال مصرية إلى اللغة الإنجليزية ونقلها إلى الجمهور العالمى العريض فرصة لا يجب أن تضيع وسط الحماس والرفض والتساؤل عن علاقة الأدب والبترول، بعد أن تداخلت كل الأشياء وتشابكت فى عالمنا المعاصر الغريب".
وعلى امتداد عام كامل بعدها جرى تقديم ترجمة غاية فى الدقة والإتقان للرواية، تولت مهمتها المترجمة المصرية من أصل مصرى د. منى ميخائيل أستاذ الأدب العربى بجامعة نيويورك، وتولى مراجعتها الشاعر الأمريكى من أصل عربى سام هيزو الحاصل على جائزة بوليتزر الأدبية الرفيعة، وتولت نشرها واحدة من أكبر دور النشر الأمريكية ومقرها فى بوسطن يتكون من بناية تشغل 25 طابقا، وتقرر الاحتفال بالترجمة فى حفل كبير أقيم فى أفخم مكتبات نيويورك حضره صبرى موسى، الذى لم يستشعر الحرج هذه المرة، بل كان الفخر حاضرا بالرواية، والحفاوة منقطعة النظير بصاحبها، وهو ما تجلى فى الكلمة التى وجهها عضو لجنة الجائزة ويليام جى سميث لصبرى موسى وهو يبتسم فى انفعال طفولى:
"لقد ظل كتابك لغزا غامضا بين يدى على مدى عام كامل فى طبعته العربية، وظللت طوال هذا العام أنتظر بقلق حقيقى حتى ينتهوا من ترجمته وأستطيع قراءته، وأنا الآن أكثر دهشة بعد أن قرأته، لأن أدبكم قد وصل إلى هذه المستويات ولم يُترجم منه للآن سوى القليل.. والقليل جدا.
ويتجلى فى ما كتبه صبرى نفسه عن تلك التجربة والزيارة:
"لن أنسى ما حييت تلك السعادة التى تألقت فى عيون المصريين الذين كانوا مدعوين إلى حفل الاستقبال الذى أقامه الناشر، وهم يرون الكتاب المصرى المترجم وقد خرج من المطبعة وتناثر حولهم، واحتل أرفف المكتبة وواجهاتها".
الغريب والمدهش أن صبرى موسى لم يسع لتلك الجائزة، ولم تكن لديه النية لتقديم روايته إليها أصلا..والفضل كله يرجع إلى أديب عظيم كان من العارفين بقدر صبرى ومقداره، وهو الذى أرسل بالرواية وأجبر صاحبها جبرا على المشاركة، وطارده حتى استوفى أوراق التقديم، وكان لديه يقين بأنه سيفوز بالحصان المجنح .. وهو ما حدث بالفعل.
والحق أن علاقة صبرى موسى بيحيى حقى عجيبة ومدهشة ومليئة بالتفاصيل والحكايات والطرائف والغرائب. والإبداع.
علاقة أثمرت روائع ستظل خالدة فى تاريخ السينما المصرية.. وهو ما ينقلنا مباشرة إلى تجربة صبرى موسى المتفردة على شاشة السينما.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...
الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى
ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية
أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد