نبوية موسى.. معلمة غلبت الإنجليز ودافعت عـن حق الفتيات فى «البكالوريا»

سيدات النهضة المصرية «7»

فتيات ـ اليوم ـ المصريات، والسيدات، لايعرفن حجم المعاناة التى لاقاها الجيل الرائد، جيل السيدات اللاتى عاصرن الاحتلال البريطانى وقاومن "الهيمنة الذكورية"

 المتدثرة بالدين والأخلاق، بهدف انتقاص حقوق المرأة، ومن رائدات الكفاح المعلمة الفاضلة "نبوية موسى" التى حصلت على الابتدائية، ودبلوم المعلمات و"البكالوريا" التى كانت محرمة على الفتيات، وطالبت بالمساواة بين المرأة والرجل فى "المرتب الشهرى"، وأصدرت مجلة "الفتاة" وخاضت الحروب ضد "دانلوب" مستشار التعليم البريطانى المتحكم فى وزارة المعارف -آنذاك- وسافرت إلى روما مع "هدى شعراوى" فى العام 1923 للمشاركة فى المؤتمر العالمى للمرأة.

نبوية موسى، هى أول "ناظرة مدرسة" مصرية، وكان ذلك المنصب مقصورا على البريطانيات فى ظل الاحتلال، وهى من سيدات النهضة التعليمية والعمل التربوى، ومن مواليد "17 ديسمبر 1886" فى قرية "كفر الحكما"  الزقازيق محافظة الشرقية، واسمها مثير للدهشة "نبوية موسى محمد بدوية"، فالرجال ليس من أسمائهم "بدوية"، بل هو "بدوى"، لكن قديما، كانت الجماعات البدوية منتشرة فى محافظة الشرقية، قبل الاستقرار فى القرى، وربما يكون "محمد بدوية" أمه منتمية للبدو، فميزوه بها، خاصة إذا علمنا أن "العائلة الأباظية" هى عائلة تعيش فى الشرقية أيضا، وجدها "شيخ عرب" من "قبيلة العيايدة"، ولكن "الأبازية" أو "الجارية الأباظية " جدتهم كانت من القادمات من بلاد الأباز، وسط آسيا، وكانت جارية فى قصر محمد على، أهداها لشيخ عرب العيايدة بالشرقية، فميز الناس أولادها بها، أصبحوا "أولاد الأباظية" أو "الأبازية"، وهذا يجعلنا نقبل تسمية جد "نبوية موسى" باسمه المدون فى الأوراق الرسمية "محمد بدوية"، وكان والد "نبوية" ضابطا فى الجيش المصرى، برتبة "اليوزباشى" وخدمته كانت فى السودان أيام الحكم الثنائى "الإنجليزى ـ المصرى"، وكانت له أرض زراعية يملكها فى قرية من قرى "مديرية القليوبية"، وسافر والدها قبل أن تولد ـ نبويةـ بشهرين، وقضى سنوات طويلة فلم تره، وكان لها أخ يكبرها بعشر سنوات اسمه "محمد"، وعاشت يتيمة رغم وجود والدها فى عداد الأحياء، وانتقلت إلى "القاهرة" لتعيش هى ووالدتها مع شقيقها الذى كان طالبا فى المدارس، وأخوها هو من علمها القراءة والكتابة فى المنزل، واللغة الإنجليزية، وعلمت نفسها مبادئ الحساب، ونمت بداخلها الرغبة فى اللحاق بالمدرسة "السنية للبنات " بالسيدة زينب، وتنكرت فى زى "خادمة"، وذهبت لمقر المدرسة لتعرف الإجراءات المطلوبة والرسوم المفروضة على المتقدمات للدراسة بها، ومما عرفته أن المطلوب كتابة طلب ممهور بخاتم ولى الأمر، وكتبت الطلب ووضعت خاتم الوالد المغترب فى السودان، وباعت "أسورة ذهبية" كانت تتزين بها، وباعت "خاتم ذهبى" تملكه أمها، وانتظمت فى المدرسة، وحصلت على الشهادة الابتدائية، ثم حصلت على شهادة "دبلوم المعلمات" فى العام 1908، وعملت "معلمة" بمدرسة "عباس الأول" الأميرية، وخلال عملها بوزارة المعارف، اكتشفت أن الرجال من زملائها المعلمين يتقاضون ضعف "المرتب الشهرى" الذى تتقاضاه، فكان مرتبها "ستة جنيهات" ومرتب زميلها المعلم الرجل "اثنا عشر جنيها"، وعرفت أن السبب فى هذا الفارق، حصول المعلمين الرجال على شهادة "البكالوريا"ـ الثانوية العامة ـ إلى جانب حصولهم على شهادة "المعلمين العليا"، فقررت التقدم لوزارة المعارف بطلب للموافقة على أدائها امتحان شهادة البكالوريا، ولم تكن الفتيات تتقدم لامتحان هذه الشهادة، وارتبكت الوزارة، ثم وافقت على تقدم "نبوية موسى" لامتحان "البكالوريا " وحصلت عليها، وأصبحت تحمل الشهادات التى يحملها زميلها المعلم الرجل، وبالتالى أصبح من حقها الحصول على اثنى عشر جنيها، كاملة غير منقوصة، وكانت تلك المعركة هى التى فتحت الباب للفتيات المصريات الراغبات فى الحصول على شهادة البكالوريا، وكانت سنوات عمل "نبوية موسى" فى مدارس وزارة المعارف الخاضعة لسيطرة "دانلوب"، صعبة ولكنها كانت صاحبة إرادة صلبة وتمتلك رؤية لإصلاح التعليم، وقبل أن نتطرق إلى مؤلفاتها التربوية، من المهم التوقف أمام الحقبة التاريخية التى خاضت خلالها معاركها، فهى حصلت على الشهادة الابتدائية فى العام 1903، وفى العام 1904 شهدت مصر حادثا كبيرا، هو "توقيع الاتفاق الودى" بين "بريطانيا" و"فرنسا"، وهو اتفاق تم بموجبه تقسيم المستعمرات الأفريقية بين الدولتين، وبموجبه تخلت "فرنسا" عن دعم "مصطفى كامل" الذى كان يحارب "الإنجليز" مدعوما من "فرنسا" و"تركيا " و"الخديو عباس حلمى"، وبذلك الوفاق، نقص الدعم الخارجى للمعارضة الوطنية المصرية، وفى العام 1906، حصلت "نبوية" على شهادة على دبلوم المعلمات، وهو العام الذى شهد "حادثة دنشواى" إحدى قرى محافظة "المنوفية"، وفيها وقع ضابط بريطانى مصابا بضربة شمس، واحترق "جرن قمح" بنار بندقية ضابط آخر، وأصيبت "أم محمد" زوجة شيخ مسجد القرية، بطلقة من بندقية جندى إنجليزى، فخرج الأهالى لمنع هؤلاء من الصيد فى القرية، وجاءت النجدة العسكرية، من جيش بريطانيا الذى كان يعسكر بالقرب من القرية، وقرر "كرومر" ـ المعتمد البريطانى ـ معاقبة أهالى "دنشواى"، فتشكلت محكمة من قضاة خونة "بطرس غالى، فتحى زغلول" وترافع أمامها محام خائن "إبراهيم الهلباوى"، وصدرت الأحكام الظالمة، بإعدام أربعة فلاحين وجلد اثنى عشر آخرين، فى وسط بيوت القرية، وعلى مرأى ومسمع من أهالى الفلاحين، فاهتز الضمير الوطنى، وكتب "أحمد حلمى" فى جريدة اللواء، تحت عنوان "يا دفع البلاء"، ووصف وقائع المحاكمة الظالمة، وأمام غضب الرأى العام المصرى، اضطرت "بريطانيا العظمى" لسحب "كرومر" من مصر، بهدف تهدئة الغضب الشعبى.

وعلى الصعيد الفكرى والثقافى، عاشت "نبوية موسى" فى ظل "لحظة تحول" ومحاولة من جانب القوى المستنيرة فى المجتمع للتخلص من الرواسب القديمة التى تفرق بين الناس، فالذى حدث فى العام 1904، أن الشيخ على يوسف، رئيس تحرير جريدة "المؤيد"، المقرب من "الخديو عباس حلمى" و"السلطان العثمانى"، تزوج من ابنة الشيخ "السادات" نقيب الأشراف، وغضب والدها، وأقام دعوى قضائية للتفريق بين ابنته وزوجها، وقال فى دعواه إن ابنته "شريفة" من نسل النبى محمد صلى الله عليه وسلم، و"على يوسف" فلاح من قرية "بلصفورة" فى سوهاج بصعيد مصر، وهنا ينعدم التكافؤ بين الزوجين، فيصبح "الطلاق" واجبا، وقال أيضا إن زوج ابنته يعمل فى مهنة "الصحافة" التى تتجسس على الناس وتنشر أخبارهم وهو أمر مخالف للشرع، وعاش المجتمع المصرى صراعا كبيرا وانقسم الناس بين مؤيد ومعارض وطرح المصريون على أنفسهم السؤال "ما الشرف" هل الشرف هو الانتماء لنسل النبى الأعظم، وهو القائل كلكم لآدم وآدم من تراب، ولا فرق بين الناس إلا بالتقوى والعمل الصالح، أم الشرف يكمن فى العمل والترقى والكفاح، وكان السؤال الثانى الذى فجرته حادثة زواج "الشيخ على يوسف" هو "ما دور الصحافة فى الواقع المصرى"، وبعد شهور قليلة، كانت جريدة "اللواء" تجيب عن السؤال، فكانت تصدر باللغات "العربية والفرنسية والإنجليزية" وتخاطب الرأى العام المصرى والأجنبى وتفضح ممارسات الاحتلال البريطانى، وفى الوقت ذاته كتبت "نبوية موسى" كتابها التعليمى "ثمرة الحياة فى تعليم الفتاة" وقررته "وزارة المعارف" على مدارسها ضمن منهج "المطالعة"، وانتظمت كاتبة الصحف، شارحة فى مقالاتها أهمية التعليم للمرأة والمجتمع، وكانت اللوائح المطبقة فى وزارة المعارف تمنع المعلمات والمعلمين من الكتابة فى الصحف، والاشتغال بالسياسة، وتغلبت "نبوية" على ذلك المنع، بتوقيع مقالاتها بأسماء مستعارة، واستطاعت أن تلفت أنظار النخبة الوطنية، فاختيرت هى و"لبيبة هاشم وملك حفنى ناصف" للمشاركة فى برنامج "الجامعة الأهلية" التى ظهرت فى المجتمع المصرى فى العام 1908، فكانت تلقى محاضراتها فى الجامعة، وتكتب فى الصحف وتمارس عملها التربوى ضمن وزارة المعارف، فتولت موقع "ناظرة مدرسة" لتكون أول مصرية تتولى هذا المنصب الرفيع الذى كان الاحتلال البريطانى يمنحه للسيدات البريطانيات ويحرم المصريات منه، وخاضت ـ نبوية ـ معارك كثيرة ضد جماعات الخونة الموالين للاحتلال، الذين وشوا بها وكشفوا أمر قيامها بكتابة المقالات فى جريدة "الجريدة " و"مصر الفتاة"، ولم تنكسر، بل اشترت مطبعة، وأصدرت مجلة "الفتاة"وظلت تصدر لمدة خمس سنوات، وحاول المستشار البريطانى فصلها من وزارة المعارف، ومنحها "إجازة مفتوحة" مدفوعة الراتب، خوفا من صوتها الوطنى الحر، ولكن "سعد زغلول" تولى منصب وزير المعارف وأعجبه أداؤها التربوى والتعليمى، فحماها من بطش المستشار البريطانى، الذى كان يتحكم فى سياسة وزارة المعارف، وفى العام 1923 سافرت "نبوية موسى" مع "هدى شعراوى وسيزا نبراوى" إلى "روما" عاصمة "إيطاليا" وشاركت فى مؤتمر المرأة العالمى، ورفعت "علم ثورة 1919" المرسوم عليه الهلال والصليب أمام الوفود المشاركة فى المؤتمر، وفى يوم "30 أبريل 1951" فاضت روحها إلى بارئها بعد أن فتحت الطريق أمام الفتاة المصرية لتصبح فى أرقى المناصب العلمية وتحوز أرقى الدرجات وتساهم فى بناء الوطن.

 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

طريقة لفتح المجاري المسدودة في المنزل بخطوات سهلة وآمنة

انسداد المجاري من أكثر المشكلات المنزلية إزعاجا، لأنه يسبب بطء تصريف المياه، وروائح كريهة، وقد يتطور إلى تسربات وتلف في...

قصة مصورة - لابس فانوس

ستندهش في البداية، وربما تفرك عينيك أكثر من مرة كي تتأكد أن ما تراه حقيقى عندما ترى ما يشبه فانوسا...

الإرادة.. معجزة الإنسان

يختبرها المسلم فى صوم شهر رمضان من رحمته تعالى بخلقه هو معرفته بعلمه الواسع بأن إرادة الناس مختلفة فهناك أصحاب...

حكايات الشيخ محمد عمران مع عبد الوهاب والنقشبندى والحاجة أم على

ابنه محمود يتحدث عن سيرته ومواقفه وأبرز محطات حياته ترك مكتبة موسيقية تضم أكثر من 15 ألف شريط.. وكان يسمع...


مقالات

دار كسوة الكعبة
  • السبت، 28 فبراير 2026 09:00 ص
إدارة المفاجأة… حين يصبح الزمن سلاحا
  • الجمعة، 27 فبراير 2026 02:21 م
منزل زينب خاتون
  • الجمعة، 27 فبراير 2026 09:00 ص
القراصيا في طبق من ذهب
  • الخميس، 26 فبراير 2026 06:00 م