«تـاد».. فنــان التراجـيديــا الشعـبية

الفنان الراحل تاد (1964-2007) أحد أقطاب الفن التشكيلى المصرى المعاصر، حيث عبر بريشته عن نبض الشارع المصرى ومشكلاته، لاسيما على أغلفة مجلات صباح الخير وروز اليوسف

الفنان الراحل تاد (1964-2007) أحد أقطاب الفن التشكيلى المصرى المعاصر، حيث عبر بريشته عن نبض الشارع المصرى ومشكلاته، لاسيما على أغلفة مجلات صباح الخير وروز اليوسف وغيرهما.. عمل "تاد" فى مؤسسة روز اليوسف منذ عام 1966، وشارك برسوماته المتميزة طيلة سنوات فى باب نادى القلوب الوحيدة وباب "زياد الحياة"، وتميزت أعماله بكونها طاقة متراكمة فى الذاكرة البصرية بصفائها النادر وشفافيتها وتلقائيتها فى صياغة ومعالجة عالمه الإنسانى الذى  اكتشفه فى البيئة الشعبية الدافئة؛ ورغم رحيل الفنان تاد منذ 15 عاماً، إلا أن أعماله ما زالت جاذبة لمتذوقى الفنون، ومنذ رحيله تحرص أرملته السيدة "جيهان سلامة" على عرض لوحاته فى معارض سنوية فى مجمع الفنون بالزمالك، وكذلك فى قاعة الفنون  التشكيلية بمركز النقد والإبداع، وفى متحف أمير الشعراء أحمد شوقى أيضاً.

فى 11 مايو الماضى استقبلت "ساقية الصاوى" معرضاً للوحات "تاد" التشكيلية، لاسيما تلك الشاعرية والرومانسية التى سبق نشــــرها على صفـحات مجلتـى روز اليوسف وصباح الخير، رصد من خلالها تفاصيل  الشارع المصرى، وما تحتويه الأحياء الشعبية والأزقة القديمة وما تتعطر به من أصالة وتراث، واستدعى  من خلالها كل الأدوات والعادات المتلازمة بالفنون الشعبية.

العديد من النقاد تابعوا عالم "تاد" الفنى وكتبوا عنه فى حياته، ورافقت تلك المقالات معارضه الإستعادية المتعددة، ومنها المعرض الذى أقامته أرملته السيدة جيهان سلامة فى ذكراه الخامسة عشرة بساقية الصاوى.

 الناقد التشكيلى الراحل "أحمد فؤاد سليم" كتب عن "تاد" فى مقالة نادرة إنه يذكره بأحد الشخصيات الشكسيبرية  المعذبة بين الخوالى وبنى الظاهر، وهذه هى غاية الفن المستحيلة، وأضاف: "استطاع تاد أن يخضع الواقع لنسقه الخاص وأن يحتفظ بتلك الشفافية فى النسيج المتواتر لعملية تلوين العالم".

وكتب الدكتور "أحمد نوار" إن الفنان تاد إنسان  يهمس بالمعانى والدلالات ويرسل إليك حروف كلماته متواترة تتلاحق بشفافية مفرطة وكأنها نغمات من قلب رقيق، وأضاف: "جذبتنى أعماله لكونها طاقة متراكمة فى الذاكرة البصرية ولصفائها النادر ولشفافيتها المستحيلة والتلقائية المباشرة فى صياغة ومعالجة عالمه الإنسانى الذى اكتشفه فى البيئة الشعبية الحية والدافئة  وعاداتها  وتقاليدها وحركاتها الجسدية المتميزة كما فى حالات الجرار وباعة الحبوب والعرقسوس بالشارع المصرى".

وقال «نوار» إن تاد يذكرنا  بما  هو غير مرئى فى الفنان، ويدفعنا لمحاولة الاكتشاف والتوغل فى أعماق الفنان على المستويين الفكرى والإبداعى، لأن العمل الفنى عند تاد هو جغرافيا الفراغ الذى يملأه بمساحاته الصافية وبألوانه وبقوة الدفع الشعورى فى تلقائية فريدة منظمة وبالغة الحساسية وغير نمطية، كما أن اختياره لزوايا  بعينها من أعلى أو للزاوية المائلة أو الرؤية الأفقية بمثابة صياغات يبتكر تاد فيها نسقا جماليا غير متكرر.

وقالت السيدة جيهان سلامة أرملة تاد ورفيقة دربه إنها تعمل جاهدة على إحياء ذكراه بإقامة المعارض بشكل مستمر، وتحكى عن إنها عثرت بالصدفة على صندوق ضخم ملئ بكم كبير من اللوحات الكاملة دون إطار، لكن ما حدث هو أن أصابها تسريب من مياه وبعض التلف، وذلك لتعرض المرسم الخاص بالفنان للغرق بشكل جزئى، لكننا استطعنا السيطرة على الحادثة وإنقاذ كل لوحاته، وما تلف من اللوحات عدد ليس بالكبير استطاع حينها تاد أن يعيدها لسابق عهدها.

وقالت جيهان إن زواجها بالفنان تاد لم يكن تقليدياً، بل بدأ كنتاج لصداقة كانت قائمة بالفعل بينهما، وأضافت: "لحبى الشديد له تفهمت طبيعة الفنان وكيفية التعامل معه والأهم هو توفير الجو المناسب ليبدع، فقد كان ودودا وحساسا، وكان طفوليا كذلك كاسمه تماما، وكان يكتب لى يوميا خطابات لمواقف جمعتنا، وكان أول كل شهر بعد تقاضيه لراتبه من مجلة «صباح الخير» لا بد أن يأتى لى بهدية حتى ولو كانت بسيطة، فالمهم هو الهدية وليس سعرها".

وعن طقوسه أثناء الرسم، قالت جيهان: "كانت له غرفة مخصصة للرسم قبل أن تأتى ابنتنا ليندا إلى الحياة، وكان غير مسموح لى على الإطلاق الدخول إليها، وأظل فى انتظاره مهما حدث، وما أن ينتهى من لوحته حتى يأتى إلىّ ويقبل يدىّ كالطفل بين يدى أمه، لكن ليندا ابنتنا كبرت وأصبح من الضرورى أن يكون  لها غرفة منفصلة، لذلك انتقل إلى المطبخ ليرسم، وأصبح من الممنوع بالنسبة لى أن أدخل المطبخ نهائياً طالما هو بالداخل، وإذا اضطرنى أمر ما وأريد أن أتحدث إليه أطفئ النور وأشعله وحتى ألفت انتباهه لى، وكان يأتى أو لا يأتى كيفما يريد، لكن بعد وقت ليس بطويل استقل بمرسم خاص به".

"كزوجة لم يكن لدى غيرة نهائياً".. قالت جيهان، وأضافت: "كنت أعرف مكانى بالنسبة له، فى قلبه وحياته"، أما عن علاقته بابنته ليندا فهى علاقة العاشق بمعشوقه كما قالت جيهان تأمر ليندا فيطيع تاد أمره، وأضافت عن المعارض التى أقامتها فى ذكراه: «4 معارض كان أبرزها  معرض قاعة الفنون التشكيلية بدار الأوبرا عام1991، كما أقمت  له معرضاً فى قاعة  الفنون التشكيلية  بمركز النقد والإبداع بمتحف أمير الشعراء أحمد شوقى، بالإضافة لمعارض خارج مصر، لكن معرض أتيليه الاسكندرية كان مفاجأة بكل المقاييس، حيث تم  عرض مائة وستون عملا فنيا من القياسات الصغيرة».

لا تقف فكرة إقامة المعارض للفنان الراحل تاد عند هدف تخليد ذكراه فقط، إنما تقوم أرملته السيدة جيهان سلامة بالتبرع بجزء من عائداتها للجمعيات الخيرية والمستشفيات إكراما لروح زوجها، وتتمنى أن تحمل ابنتها تحمل لواء تلك المهمة فيما بعد، وأن تكون سفيرة لفن أبيها لتستطيع تحقيق أمنياته فى المحافظة على فنه فى كل أرجاء مصر والعالم.


 	عايدة محسب

عايدة محسب

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - صلاة الطفولة

  ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...

سهيلة الرملى: «اتكلمى» ركزت على المسكـوت عنه فى كتب التاريخ

الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى

«السيد فى حقل الأدب».. شهادات وقـراءات كاشفة لعالم صبرى موسى

ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية

خالد أمين: وقعت فى غرام الـرعب والغموض

أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد