دولة المماليك.. بالخيانة قامت وبالخيانة سقطت فـى مرج دابق

بالمصادفة وحدها، عثرت على كتاب "حكايات من مصر" ـ طبعة بيروت ـ للكاتب الراحل "صلاح عيسى"، وبعد قراءتى هذا الكتاب الجميل بسنوات، قرأت موضوعاته ذاتها ضمن "حكايات من دفتر

بالمصادفة وحدها، عثرت على كتاب "حكايات من مصر" ـ طبعة بيروت ـ للكاتب الراحل "صلاح عيسى"، وبعد قراءتى هذا الكتاب الجميل بسنوات، قرأت موضوعاته ذاتها ضمن "حكايات من دفتر الوطن" الذى أصدره الكاتب الراحل وأعيدت طباعته عدة مرات فى القاهرة، ومنذ سنوات قليلة، خرجت علينا الروائية "ريم بسيونى" -وكتاب آخرون "بيست سيلر"- بكتب مصاغة فى شكل قصصى، تمجد العصر المملوكى وتترحم عليه، وتجعل المصريين يندمون ويبكون ـ بدلا من الدموع دما ـ على ذلك العصر، الذى كان عصر قتل وترويع وخطف واغتصاب لكل شىء، حتى بيوت الله نفسها، سرقها أمراؤهم ونسبوها لأنفسهم!

لعل "ريم بسيونى" وهى عندى "كاتبة" لها جمهور، مثل جمهور أحمد خالد توفيق ونبيل فاروق، وأحمد مراد، وغيرهم من الذين يكتبون لقارئ له طبيعة خاصة، هو ما جعلنى أرجع لمراجع تناولت قصة "المماليك"، أعجب قصة عرفتها البلاد العربية، وكان القطاع الوحيد الذى يعادى هؤلاء المماليك، هم "العربان"، البدو الذين كانوا يعتبرون المماليك عبيدا، لا يصح لهم ولا يجوز أن يحكموا الأحرار، ولهذا ظل العداء بين "العربان" والمماليك طوال العصر الذى كان فيه المماليك يحكمون مصر والشام والحجاز وبرقة، ولعل جماعة الباكين على العصر المملوكى، ينتسبون لهذا العرق، وهو "الشركس" أو "الترك"، لأن الدين الإسلامى الذى اعتنقه الشركس والأتراك، جعلهم يتزوجون من العرب وينصهرون فيهم، فى العصور المتأخرة، بعد زوال "دولة المماليك" و"دولة العثمانيين"، وبعد أن جاءت ثورة 23 يوليو 1952 لتقطع كل علاقة جمعتنا بهؤلاء "الشركس والأتراك" الذين كانت بقاياهم تتحكم فى الجيش المصرى، والقصر الملكى، ولكن مازال أحفادهم من رجال الأعمال، يحاولون استعادة المجد الضائع، ولو باستخدام فن رفيع هو فن "الرواية"، ومن باب حرصى على الدقة رجعت للمصادر المتاحة لى، وقررت أن أقدم معلومات للقارئ عن "المماليك"، العبيد الذين حكموا مصر لمدة زادت على المائتى عام، وتركوا فى الشخصية المصرية صفات التآمر، والغدر، والقتل لأهون سبب، وهم الذين جعلوا الرشوة فى الجهاز الإدارى للدولة قاعدة مقررة، بل إن عصر سلطانهم الأخير شهد وجود "ديوان البرطلة" وكانت مهمته، بيع وشراء الوظائف العليا للقادرين، وهذا قمة الفساد فى تاريخ مصر الإسلامية، وهم الطائفة التى كان منها قطاع يختص بالإشباع الجنسى للأمير، وقطاع يختص بالحرب، ولم يكن الواحد منهم يعرف أباه وأمه، وكان نسبه ينتهى للنخاس ـ تاجر الرقيق ـ الذى باعه، أو إلى القرية التى وهبها له "الأمير" أو "السلطان" ليتولى زراعة أرضها والارتزاق منها، ولعل الكاتب صلاح عيسى فى كتبه "حكايات من مصر، حكايات من دفتر الوطن، رجال مرج دابق"، كتب التاريخ الصحيح لهذه الطائفة من الرقيق الأبيض التى وضعتها ظروف الدولة الإسلامية فى بغداد، على عرش مصر والشام، فكان "أحمد بن طولون" أول مملوك يحكم مصر، ويكثر من شراء المماليك، حتى بلغ عددهم عنده أربعة وعشرين ألف مملوك، وكذلك فعل "محمد بن طغج الإخشيد" الذى اشترى منهم الآلاف، وجاءت دولة "بنى أيوب" لتفتح الباب أمام المماليك لحكم مصر، بعد وفاة "الملك الصالح نجم الدين أيوب" فى العام "674 هجرى ـ 1249 ميلادى"، وكانت "مصر" تخوض حربا ضد الصليبيين، فى "دمياط" و"المنصورة "، واستطاعت زوجته "شجر الدر" ـ الجارية ـ كتم خبر موته، حتى لاينهزم الجند فى المعركة، وظلت تصدر القرارات باسمه وخاتمه، واستدعت ولده "توران شاه" الذى كان خارج مصر مقيما فى "الجزيرة الفراتية"، وجاء ومعه "مماليكه" وحاول الانفراد بحكم مصر، الأمر الذى لم يرق للماليك القدامى المتواجدين فى مصر منذ زمن، فاتفقوا مع "شجر الدر" على قتل "توران شاه"، وبذلك الحادث، انتهت دولة "بنى أيوب"، وبدأت "دولة المماليك"، فهى بالخيانة ولدت، وظلت "الخيانة" تحكمها، حتى جاءت النهاية، بالخيانة أيضا، وكانت "شجر الدر" التى حكمت مصر، ثمانين يوما، هى أول امرأة تجلس على عرش الحكم فى بلاد المسلمين، وهى "مهندسة" حكم المماليك، وهى التى تزوجت "عز الدين أيبك" المملوك، وهى التى قتلته بسبب "الغيرة"، ولكن مطلقته وأم ولده، انتقمت له واستطاعت أن تقتل "شجر الدر" بمعاونة الخدم، بالضرب بالقباقيب، وألقيت جثتها، وأكلت الجوارح والقوارض منها، وما تبقى منها، جمعه الخدم فى "قفة" ودفنوه فى مقبرة، حسب وصف الكاتب الراحل "صلاح عيسى" لمشهد نهاية "شجر الدر" فى كتابه "رجال مرج دابق"، وهو الكتاب الذى خصصه لرصد تفاصيل نهاية "دولة المماليك" فى "مرج دابق" فى بلاد الشام، ثم فى "الريدانية" بمصر، فى العام 1517 ميلادى.

 يقول صلاح عيسى، واصفا حال "السلطان الغورى" وهو فى "مرج دابق" قبل وقوع المعركة التى قضت عليه وعلى "المماليك":

"فى وقت متأخر من ليلة الأحد ـ 25 رجب سنة 922 هجرية ـ 23 أغسطس سنة 1517 ميلادية، خرج السلطان "قنصوه الغورى" من الخيمة الكبيرة التى اتخذها مقرا لقيادته فى "مرج دابق"، ومضى يتحرك فى أنحاء المعسكر الواسع، وخلفه عدد قليل من حراسه، والمكان مزدحم بالخيول وأدوات الحرب، ووقف السلطان على أحد تلال مرج دابق المنخفضة بقامته الطويلة، ووجهه الأبيض المستدير ذى اللحية السوداء، رغم أنه تجاوز الخامسة والسبعين من عمره.. لا أحد يدرى فيم كان يفكر السلطان، هل كان يحاول أن يرى المستقبل بعينيه الواسعتين اللتين لاتحدهما أجفان، أم كان يبحث عن إجابة لمئات من علامات الاستفهام ملأت رأسه وزحمت عقله؟.. هل تكون معركة الغد، نهاية سلطنته التى استمرت خمسة عشر عاما طويلة، رأى فيها ما لا عين رأت من العز والعظمة والمجد، يتنزه ويتمتع ويبنى ويشيد، ويسمع الشعر والغناء، ويصيد الغزلان والطيور، ويمرح على سطح الخليج، وفى جزيرة بولاق، وفى قبة الأمير "يشبك"، يلعب مع الأمراء بالسيف والرمح والنشاب، وتمتد الموائد وعليها أشهى طعام وأحلى شراب، وحولها أجمل الوجوه وأعذب الألحان.

 ويضيف صلاح عيسى واصفا "دولة المماليك" والطريق التى أوجدتها على مسرح المجتمع وجعلتها تحكم وتتحكم فى البلاد والعباد:

"..هؤلاء المماليك الذين فتحوا أعينهم على الدنيا وقد خانهم آباؤهم وأمهاتهم، فتخلوا عنهم، وحرموهم دفء الأمومة ورعاية الأبوة، وظل الوطن، شبوا لايعرفون لأنفسهم وطنا إلا أنفسهم، ولايعرفون لأنفسهم أسرة إلا أنفسهم، ولايدرى أحدهم أين يدفن إذا مات، لذلك عبدوا السيف والطبر والنشاب "أدوات القتال والحرب"، بها ينتزعون حقوقهم أحيانا ويجورون بها على حقوق الآخرين فى أغلب الأحيان، لا يخلصون لعهد، ولا يحافظون على وعد، دولة -المماليك-  العجيبة التى بدأت بالخيانة، حين ردوا جميل سادتهم "بنى أيوب" بالانقلاب عليهم والاستيلاء على عروشهم، فما إن مات "الملك الصالح" آخر ملوك بنى أيوب، حتى تآمرت أرملته "شجر الدر" مع كبير مماليكه "عز الدين أيبك" فقتلا خليفته وابنه "الملك المعظم توران شاه"، وظلت جثته على شاطئ النيل تتناهبها جوارح الطيور، رمزا لوفاء "الجارية" التى صنع منها "نجم الدين" ملكة، ودليلا على إخلاص "المملوك" الذى قربه وصنع منه أميرا".

وسبحان مغير الأحوال، توالت الحروب والمعارك، حتى جاءت اللحظة الحاسمة، لحظة سقوط "دولة المماليك"، بالخيانة، فما يبدأ بالخيانة، ينتهى ـ حتما ـ بالخيانة، وهذا ما جرى، فقد اتفق عدد من الأمراء المماليك، مع "السلطان العثمانى سليم الأول" على فتح الطريق له ليستولى على مصر، وكان من هؤلاء "الأمير خاير بك"، الذى كان له دور مهم فى شق الصف، وزرع الفتنة بين المماليك أثناء معركة مرج دابق، وهو الذى هرب من الميدان، ومعه آخرون، فسهلت مهمة "السلطان العثمانى"، وانتصر على جيش "قنصوه الغورى"، وقبض "المماليك" الخونة، الثمن، وضاع العرب، بسبب هذه الخيانة، فقد ظلت دولة العثمانيين تحكم العرب لمدة أربعة قرون من الزمان، دفع خلالها المصريون والشوام والحجازيون والمغاربة أثمانا باهظة للحكم العثمانى ـ الدموى ـ الذى قام على مص دم الفلاحين والحرفيين فى كل بلاد العرب، ولكن مصر شهدت محاولة كبرى للقضاء على من تبقى من هؤلاء "الشركس ـ المماليك"، فى عهد محمد على، الذى كان مثلهم، عسكريا، مرتزقا، ضمن الجيش العثمانى، وهو الذى دبر مذبحة للمماليك فى العام 1811 "مذبحة القلعة" التى قيل إن ضحاياها بلغوا الخمسمائة مملوك، ولكن المصريين بقيادة "أحمد عرابى" خاضوا معركة ضد "عثمان رفقى الشركسى" وزير الحربية، فى زمن "الخديو توفيق"، وهو من أحفاد "المماليك" القدامى، وكان يحتقر الفلاحين ويمنع ترقية الضباط المصريين، وخاض العسكريون الوطنيون معركة ضد "الشركسى" وضد "الخديو"، وانتزعوا بعض الحقوق، ورغم دخول بريطانيا والقوى الاستعمارية على خط الصراع بين المصريين و"الغز" أو "المماليك" واستيلائهم على مصر، إلا أن ضباط 23 يوليو 1952 قضوا على النفوذ المملوكى، وبقيت شراذم منهم فى المدن الصغيرة والقرى، تحمل الحنين للماضى، وتحمل الشعر الأصفر، والبشرة البيضاء، وتحاول من خلال نخبة قارئة كاتبة، أن تزور التاريخ، وتغسل "المماليك" من عار السرقة والنهب والقتل، وربما لا يعرف الكثيرون أن "السلطان مؤيد شيخ" المملوكى، له مسجد مشهور بالقاهرة، وهذا المسجد هو حاصل جمع سرقات قام بها رجاله من مساجد أخرى، فالمنبر، والأخشاب والأحجار والرخام، وجميع المواد التى أنشئ منها، مسروقة، حتى أن بعض المؤرخين سخر من "المؤيد" ومسجده فأطلق عليه لقب "المسجد الحرام"، لأن كل ما فيه جاء من مصدر حرام.

 


 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - صلاة الطفولة

  ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...

سهيلة الرملى: «اتكلمى» ركزت على المسكـوت عنه فى كتب التاريخ

الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى

«السيد فى حقل الأدب».. شهادات وقـراءات كاشفة لعالم صبرى موسى

ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية

خالد أمين: وقعت فى غرام الـرعب والغموض

أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد