ذكريات نجيب محفوظ فى رمضان

فكر فى إعداد رسالة ماجستير عن «فلسفة الجمال فى الإسلام» يعترف الكاتب الكبير نجيب محفوظ فى صفحات من مذكراته، التى سجلها الكاتب الكبير رجاء النقاش، أنه لم يقرأ كتابا

فكر فى إعداد رسالة ماجستير عن «فلسفة الجمال فى الإسلام»

يعترف الكاتب الكبير نجيب محفوظ فى صفحات من مذكراته، التى سجلها الكاتب الكبير رجاء النقاش، أنه لم يقرأ كتابا واحدا طيلة حياته مرتين، والاستثناء الوحيد من هذه القاعدة كان كتاب الله، القرآن الكريم، حيث واظب على قراءة أجزاء منه يوميا، والسؤال الذى يثار الآن: ما قصة نجيب محفوظ مع القرآن وما أسباب تعلقه به؟ وما أحب السور إليه وما تأثير القرآن على أسلوبه وأدبه.

قراءة القرآن منذ الصغر

لا بد فى البداية من الإشارة إلى رواية نجيب محفوظ نفسه، التى تعد صادمة لكثيرين روجوا عنه الكثير من المفاهيم المغلوطة حول انحيازه الفكرى، والمنابع الأصلية لثقافته، يقول نجيب محفوظ فى الفصل المعنون "الله والإنسان": لم أقرأ فى حياتى كتابا واحدا أكثر من مرة، باستثناء كتاب واحد هو "القرآن الكريم"، قرأت القرآن منذ الصغر، وتعلقت به، مازالت أقرأ فيه بشكل يومى، ولو أجزاء قليلة، قرأت كذلك كتب التفاسير، خاصة القرطبى وسيد قطب، وإن كان أكثرها راحة وسهولة بالنسبة لى هو "منتخب التفاسير" الصادر عن مجمع البحوث الإسلامية.

 علاقته بالقرآن الكريم بدأت مبكرا

كشف محفوظ السر وراء عدم التردد على كتاب واحد أكثر من مرة، قائلا: بدأت تثقيف نفسى ثقافة أدبية فى وقت متأخر نسبيا من حياتى، وبالتحديد بعد عامين من تخرجى فى الجامعة، فكان الوقت أمامى ضيقا، وعلى أن أقرأ كل ما يقع تحت يدى، وكل ما يتعلق بالأدب وهو كثير، ومن هنا لم يكن عندى الوقت لإعادة قراءة ما سبق أن قرأته، حتى ولو نال إعجابى أكثر من غيره، فقد كنت أعتبر ذلك ترفا لا أقدر عليه، ولا يسعفنى الوقت لأدائه، وهذه خطة لم أحد عنها أبدا. أما علاقتى بالقرآن الكريم، والتى بدأت فى وقت مبكر من حياتى، فإنها توطدت أكثر بعد تعلقى بأصوات كبار القارئين فى ذلك العصر، خاصة الشيخ على محمود، الذى كان يملك صوتا موازيا للوطن، فإذا كان مشهد الوطن يحرك مشاعرك، فكذلك كان صوت الشيخ على محمود فى ترتيله للقرآن، واعتدت على حضور ليلة حفنى الطرزى التى يحييها الشيخ على محمود فى أيام مولد الحسين، وأظل ساهرا حتى مطلع الفجر، مبهورا بصوته المعجز، وكنت أداوم على سماعه فى الوقت المخصص له بالإذاعة.

 من هو الشيخ البربرى؟

يروى محفوظ قصة تعلقه بشيخ يرتل القرآن دون استخدام الميكرفون، وكان هو الشيخ البربرى، وهو لا يتذكر اسمه كاملا، ولكنه يتذكر أنه امتلك طريقة فريدة فى ترتيل القرآن لم يسمعها من قارئ قبله أو بعده، ويصف محفوظ طريقته بأنها كانت أقرب إلى الخطابة ولكن بشكل جميل ومؤثر، يقول محفوظ: كان للقرآن وأسلوبه وموسيقاه العذبة أثر كبير فى أسلوبى فى الكتابة، وظهر ذلك بشكل واضح فى "أحاديث الصباح والمساء"، أما أكثر سور القرآن التى سحرتنى بموسيقاها وأسلوبها فهى سورة الرحمن، وأتذكر أن صحفيا أمريكيا جاء إلى القاهرة ليجرى معى حديثا، وسألنى عن علاقتى بالقرآن وتأثيره على وأسئلة أخرى، ثم سافر عائدا إلى بلاده، وبعد بضعة أيام فوجئت برسالة بريدية منه، حيث أخبرنى أنه نسى سؤالا هاما ويريد منى الإجابة عنه، وكان السؤال: ما أحب سور القرآن إلى نفسك؟ وأرسلت له الإجابة: إنها سورة الرحمن.

 دراسة الأديان

يرى محفوظ أن ثقافته الإسلامية وتعبيره عنها بدقة وانعكاسها فى كثير من أعماله، كانت جزءا من برنامج عام متعلق بدراسة الديانات الكبرى، وتاريخ الحضارة، وعن ذلك يروى فى مذكراته: عندما وضعت لنفسى برنامجا للتثقيف الذاتى فى بداية حياتى، كان جزء كبير من هذا البرنامج يتعلق بدراسة الأديان الكبرى، وتاريخ الحضارة، والفكر الإنسانى. لذلك قرأت "الكتاب المقدس" بإمعان، وكان من مصادرى التى اعتمدت عليها فى كتابة رواية "أولاد حارتنا"، كما اقتبست منه قصة "أيوب" التى تحولت فيما بعد إلى فيلم سينمائى قام ببطولته عمر الشريف، وهناك اختلافات بين قصة أيوب فى الكتاب المقدس وقصة أيوب التى كتبتها أنا، إلا أن المصدر الرئيسى الذى أوحى إلى بكتابة القصة هو ما جاء عنها بالكتاب المقدس. قرأت فى تاريخ الفكر الهندى وخاصة البوذية، وإن لم تستغرقنى كما استغرقتنى الكتابات الصوفية الإسلامية، ورغم أننى لا أؤمن بالأفكار الصوفية ومعتقداتها، كما يؤمن بها المتصوفون، فإننى وجدت فى قراءة كتبهم وتأملها راحة عقلية ونفسية كبيرة، جذبتنى فى الصوفية فكرة السمو الروحى، وفى المقابل لم أقتنع بفكرة رفض الدنيا، فلا أتصور مذهبا دينيا يرفض الدنيا أبدا، وظهر رأيى بوضوح فى رواية "اللص والكلاب"، فى شخصية الرجل الصوفى الذى يلجأ إليه "سعيد مهران"، عسى أن يجد عنده حلا لمشكلته، فلا يجد سوى لحظات من الراحة النفسية، هى أقرب إلى المسكنات، وليس فيها أى نوع من الحل الأساسى أو الدواء الشافى.

 صورة جديدة للإسلام

أراد نجيب محفوظ أن يقدم صورة جديدة للإسلام، يظهر فيها اهتمامه بالجمال والتذوق والانفتاح على العالم، وأنه لم يدع أبدا إلى الزهد والانغلاق، ففكر أن يعكس ذلك فى دراسته للماجستير فى قسم الفلسفة بكلية الآداب، التى تخرج منه. وعن ذلك يروى محفوظ الذى لم يكمل دراسة الماجستير وانصرف إلى الأدب كلية: بلغ تأثرى بالقرآن والكتابات الإسلامية، أننى اخترت لرسالة الماجستير، التى كنت أنوى إعدادها بعد تخرجى فى قسم الفلسفة بكلية الآداب، موضوعا عنوانه "فلسفة الجمال فى الإسلام"، وعرضت الموضوع على أستاذى الشيخ مصطفى عبد الرازق، فوافق عليه وتحمس له، رغم جرأة الموضوع، وكانت هذه المرة الأولى التى يقبل فيها أستاذ الفلسفة الإسلامية موضوعا بهذه الخطورة، ولم يخشى ما يمكن أن يجره عليه من مشاكل ومتاعب، خاصة بعد المتاعب التى تعرض لها المفكرون المستنيرون، من أمثال طه حسين وزكى مبارك ومنصور فهمى.

من المعروف أن الشيخ الجليل مصطفى عبد الرازق كان له فضل كبير فى تغير مسار محفوظ الوظيفى، الوظيفة التى احتفظ بها محفوظ حتى خروجه على المعاش، فعندما تخرج فى كلية الآداب عام 1934 عمل موظفا فى إدارة الجامعة، وفى عام 1939عين الشيخ مصطفى عبد الرازق وزيرا للأوقاف، وعينه للعمل معه فى وظيفة سكرتيره البرلمانى، وعن عمله فى الأوقاف قال محفوظ: "ظللت فى وزارة الأوقاف أكثر من عشرين عاما أعمل فى نفس الوظيفة، ومع وزراء مختلفين فى اتجاهاتهم وانتماءاتهم السياسية. والطريف أننى عندما دخلت وزارة الأوقاف، اعتقد العاملون أننى من الأحرار الدستوريين، وكان الشيخ مصطفى عبد الرازق وحده يعلم بميولى الوفدية".

 ذكريات رمضان

احتفظ محفوظ بروح مرحة، محبة للحياة، وقد سجل ذكرياته مع رمضان فى لقاء تليفزيونى نادر مع الكاتبة الصحفية سكينة فؤاد حيث روى لها قائلا: أغانى رمضان تمتلئ بالذكريات، لأن بعض الألحان والأغانى تم تأليفها فى أوج العبقرية المصرية، الراديو والتليفزيون أصبح شريكا أساسيا فى كل شىء، رمضان طول عمره مرتبط بسهرات رمضان، سواء قبل التليفزيون أو بعده، أصبح التليفزيون يلعب دورا فى الترفيه، ومن حيث الوعظ والإرشاد، سهرات زمان كانت مختلفة، إرتبط رمضان ببيوت الطبقة الوسطى العليا والأعيان، والتى كانت تتنافس فى استقطاب المقرئين الكبار من أول الآذان وحتى تلاوة القرآن وقت السحور، وكانوا يفتحون بيوتهم. أذكر الحارة التى جنب بيتنا "درب قرمز"، كنت تجد نحو 10 إلى 12 مؤذنا على الصفين، كان بيجى مقرئين كبار فى المنادر، وكانت المنادر مفتوحة لكل أهل الحى، وبها كبار المقرئين زى الشيخ ندا والشيخ على محمود، وكانت المنادر مليئة بأهل الحى لسماع القرآن، وكنا كأطفال فى رمضان نمنح من الحرية للعب ما لم يمنح لنا فى الشهور الآخرى.

 الإسلامية والروحية

ألف الناقد د. محمد حسن عبد الله كتابه "الإسلامية والروحية فى أدب نجيب محفوظ" عام 1972، وقد تلقى من نجيب محفوظ رسالة خطية، ومن أهم ما تضمنته تلك الرسالة قوله "ولعل الاضطراب الناشئ من قراءة أدبى أحيانا، مصدره أن قلبى يجمع بين التطلع لله والإيمان بالعلم والإيثار للاشتراكية، ومحاولة الجمع بين الله والإشتراكية مثار للظن بالإلحاد عند قوم، وبالمحافظة عند آخرين"، ويقول د.حسن عبد الله فى كتابه "جماليات الحضور الفرعونى فى روايات نجيب محفوظ": أهل الأيديولوجيا فى الاتجاهين هاجم الكتاب، بدعوى أنه يحاول أن يضع عمامة على رأس نجيب محفوظ، وهذا فيما يراه الإسلاميون باطل، أو بدعوى أن استنطاق الأعمال الأدبية أى الإهتمام بالمعنى أو القضية ليس من النقد الأدبى والكتاب بمحتواه ومنهجه لم يفكر مطلقا فى أن يخلع لقب "صاحب الفضيلة الشيخ" على شيخ الرواية العربية.

 ليالى ألف ليلة

يضيف د.محمد حسن عبد الله "فى ليالى ألف ليلة مقولات إسلامية ومبادئ وتحديات غاية فى القوة والأهمية. إن المحور الذى نعنى به يأخذ فى حقبة الثمانينيات خاصة طابعا يمكن أن نصفه بأنه أكثر مباشرة وتحددا، وربما حدة أيضا فى "الباقى من الزمن ساعة" 1982، و"رحلة إبن فطومة" 1983، ولكن الظاهرة لا تنحصر فيهما، هذه الرواية "ليالى ألف ليلة" استوعبت عددا غير قليل من حكايات الليالى والتراث الحكائى العربى، وحافظت على الطابع العجائبى. إن الشيخ البلخى الصوفى، أستاذ شهرزاد، وجميع الشخصيات البشرية أقوى حضورا وتأثيرا من الشيخ الجنيد فى "اللص والكلاب"، بمقولته المختصرة "توضأ واقرأ".

 من المعجم القرآنى

فى ثلاث روايات "عبث الأقدار، رداوبيس، كفاح طيبة"، كعينة على استخدام محفوظ عدد غير قليل من الألفاظ والتراكيب القرآنية التى لا يخطئ السامع لها أن القرآن الكريم هو مصدرها الوحيد الأصيل، وأن إدراكها واستخدامها فى سياقاتها يؤكد أن محفوظ لم يكن يكتفى بسماع آيات الذكر الحكيم من المذياع مثلا، وإنما قرأ القرآن قراءة جيدة، وحفظ الكثير من آياته وسوره..ففى "عبث الأقدار"، رصد الناقد د.محسن حسن عبد الله هذه الألفاظ والتعبيرات القرآنية مثل "نمرقه، يجعله آية للناس، اجعله آية للناس، يتربصون بى الدوائر، وأذهب ريحهم، فصل الخطاب، فى السر والنجوى، وزلفى، أن يولى وجهه قبلة واحدة، لا تسأل عما تفعل وهم يسألون، ران على قلبه".

 هدى نجيب محفوظ تتحدث

تحدثت هدى نجيب محفوظ، فى تصريحات خاصة عن والدها عميد الرواية العربية قائلة: أبى كان شخصا استثنائيا فى كل شىء، ربما دراسته وثقافته الفلسفية جعلته يكتب وينظر للأشياء بطريقة فلسفية، هو الذى علم نفسه الأدب، كان يقرأ فى الأدب الأوربى، لم يكن حال الأدب المصرى مثل اليوم، فلجأ لتثقيف نفسه تثقيفا ذاتيا، كان شديد الاهتمام بالشأن العام.

وتضيف: على المستوى الشخصى، كان شخصا لطيفا وطيبا ودمه خفيف، ولم يكن يعنف أبدا فى حديثه، فكان يوجه لنا الانتقاد بطريقة لطيفة، يجعلنا نضحك على أخطائنا، كنا أسرة سعيدة، ماما كانت هى التى تجمع له كل ما يكتبه، حرصت حتى على جمع ما يرميه من أوراق فى سلة القمامة، حيث جمعت مسودات قصص قصيرة، قدرت تلم "ميرامار" بالكامل، وجزءا من "أحلام فترة النقاهة"، عرض علينا كأسرة بيع مخطوطات أعماله من شخص أمريكى ورفضنا الطلب، لأننا نحافظ على قيمته ولن ننشر أى شىء لمكاسب مادية.

وتكمل هدى حديثها قائلة: لطالما عبر محفوظ عن الحارة المصرية فى رمضان، وهى تزدحم بالمقرئين والشيوح. الحارة فى زمنه كانت مختلفة، كانت حارة جميلة ونظيفة، تضم عائلات الطبقة الوسطى والأعيان، وكان بيته صغيرا من الأرابيسك، وقد اصطحبنا يوما معه فى جولة هناك، وغضب جدا من وضع بيته الذى أزيل، شعر أن المكان لم يعد يحتفظ بنظافته، وهو لم يعش بمنطقة الحسين سوى 7 أو 8 سنوات فقط، وبعد ازدحامها انتقل للعباسية، حيث اشترى جدى منزلا أكبر، ليسع أولاده المتزوجين معه فى نفس المنزل.

وتواصل حديثها قائلة: بالنسبة لرمضان ونجيب محفوظ، كان بالطبع مريضا بالسكر الذى أثر على صومه، لكنه كان حريصا على تناول الإفطار معنا، وكان شديد القرب من القرآن، كان يقرأه يوميا الصبح قبلما يهم بالخروج، وفى فترات ضعف بصره، قبل وفاته بنحو 15 عاما، تم إهداء مصحف كبير له لكى يستطيع القراءة.

تعلق محفوظ بشخصيات حقيقية عديدة من عالم الواقع وتأثر بها وكتب عنها، وعنها تقول هدى نجيب محفوظ: مرة قلت له إن هناك امرأة شاهدتها على التليفزيون تقول إنه كتب قصتها الحقيقية. وبعد "الكرنك"، زعم أكثر من شخص أنه كتبها عنه، فأجابنى قائلا: أمال فين الأدب؟! فى إشارة إلى أنه قد يتأثر بشخص أو موقف، لكن الخيال يعمل بعد ذلك.


 	هانم الشربينى

هانم الشربينى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

مشروع ذا سباين طلعت مصطفى The Spine TMG New Cairo

تطرح شركة طلعت مصطفى القابضة مشروعها الجديد في شرق القاهرة وهو مشروع ذا سباين طلعت مصطفى The Spine TMG New...

جرجس شكري: حلمي رفلة "صانع النجوم" كان ينتج ثُلث أفلام السينما المصرية

ناقشت اللجنة الثقافية والفنية بنقابة الصحفيين كتاب "صانع النجوم.. حلمي رفلة.. سيرة سينمائية بلا ماكياج" للناقد والكاتب الصحفي جرجس شكري،...

مزايا استخدام الشريحة الإلكترونية (eSIM) أثناء السفر

مع التطور السريع في عالم التكنولوجيا، أصبحت تجربة السفر أكثر سهولة وراحة بفضل الابتكارات الرقمية التي تهدف إلى تبسيط حياة...

قصة مصورة - «الورد » هلت أنواره

بدأ الربيع بعواصف تراب ومطر، وانتهى بعد البروق والرعود إلى سماء صافية ومناخ نقى النسمات وشمس لينة تطبطب على الناس...