أبو ذر الغفارى.. حبيب الفقــــراء الذى أحبه الله ورسوله

كان الصحابى الجليل أبو ذر الغفارى، موحدا، يؤمن بدين نبى الله إبراهيم، قبل رسالة النبى الأعظم، محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يكن يشرب الخمر، وكان مستقيم الخلق، ولما سمع

كان الصحابى الجليل أبو ذر الغفارى، موحدا، يؤمن بدين نبى الله إبراهيم، قبل رسالة النبى الأعظم، محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يكن يشرب الخمر، وكان مستقيم الخلق، ولما سمع خبر الرسالة المحمدية أرسل أخاه "أنيس"، ليتقصى ويعرف عن الرسالة والرسول القرشى، ولم يشف أخوه غليله، فقرر أن يزور "مكة" ويتقصى الحقيقة بنفسه، وهناك لقى الإمام على بن أبى طالب، وعرف أنه غريب، فاستضافه ثلاثة أيام، ولما سأله عن سبب قدومه إلى مكة، أخبره بما دار فى نفسه، فاصطحبه الإمام على إلى النبى الأعظم، وبين يديه جلس "أبو ذر" وأسلم لله رب العالمين، وطلب منه النبى أن يعود إلى قومه فيخبرهم ويدعوهم إلى الإسلام، وعاد ودعا وأجابه منهم الكثير.

هو "أبو ذر الغفارى" الذى كان من فقهاء الصحابة وعلمائهم، وكان إيمانه بالإسلام قائما على التدبر والتفكر، فهو من طائفة الموحدين الذين آمنوا بالله وكرهوا عبادة الأصنام، وسرهم مقدم النبى الأعظم، فبحثوا عنه وآمنوا بالرسالة وجاهدوا وجادوا بالنفوس والنفائس، فى سبيل نشر كلمة الحق، وهو الذى امتحن فى زمن "عثمان بن عفان"، وقاسى الأهوال، لأنه كان قوى العقيدة، وكان عثمان يمنح بنى أمية المال والسلطان حتى استبدوا بالمسلمين، ومنهم "معاوية بن أبى سفيان" ـ الذى أسلم يوم فتح مكة وكان هو وأبوه من الطلقاء ـ وكان "أبو ذر" يحارب معاوية من أجل حماية نصوص القرآن الكريم، والسير على الهدى النبوى، وانحاز ـ عثمان ـ لابن عمه معاوية، فأبعد ـ أبا ذرـ عن "الشام"، إرضاء للوالى "معاوية بن أبى سفيان".

والمسلمون يعرفون قدر أبى ذر الغفارى، وقد أحبه الله وأمر رسوله بحبه، فصار ذكره خالدا فى التاريخ، مرتبطا بنقاء عقيدته وقوة إيمانه رضى الله عنه.

 وهو فى كتب السيرة "أبو ذر جندب بن جنادة الغفارى"، كان من السابقين إلى الإسلام، فهو رابع أو خامس المسلمين، وأحد الذين جهروا بالإسلام قبل هجرة النبى الأعظم من مكة إلى المدينة، وكان موحدا، وهاجر إلى المدينة بعد "بدر" و"أحد"، وشارك فى ماعدا هاتين الغزوتين، وشهد فتح "بيت المقدس" مع "عمر بن الخطاب"، وأقام فى "الشام"، وهناك اشتدت الخصومة بينه وبين "معاوية" والى الشام من قبل عثمان بن عفان، فكتب "معاوية" شاكيا أمره إلى "عثمان"، فاستدعى عثمان ـ أبا ذرـ إلى المدينة، وأخرجه بعد ذلك إلى "الربذة"، وقيل فى كتب التاريخ إن "معاوية" أرسل "أباذر" من الشام إلى المدينة على ظهر ناقة وجعل مقعده من الشوك، فتألم طوال رحلته وصبر واحتسب.

ونشأة أبى ذرالغفارى كانت فى مضارب قبيلته "غفار" على طريق القوافل بين مكة والشام، واشتهرت غفار بالسطو على القوافل، وكانت قريش تخشاها، ونسبه "جندب بن جنادة بن سفيان بن عبيد بن حرام بن غفار بن مليل بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة" وأمه "رملة بنت الوقيعة الغفارية"، وقصة دخوله الإسلام مشهورة، فلما سمع خبر النبى الأعظم قال لأخيه "أنيس":

ـ اركب إلى هذا الوادى، فاعلم لى خبر هذا الرجل الذى يزعم أنه نبى يأتيه الخبر من السماء، واسمع قوله ثم ائتنى.

فانطلق "أنيس" وحضر إلى ـ مكةـ وسمع النبى، ثم رجع إلى "أبى ذر" فأخبره:

ـ رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، ويقول كلاما ما هو بالشعر..

فقال "أبو ذر":

ما شفيتنى مما أردت..

فتزود ـ أى حمل زاد السفرـ وانطلق إلى مكة، والتمس النبى الأعظم وهو لا يعرفه، وكره أن يسأل عنه حتى أدركه الليل، ورآه على بن أبى طالب، وعرف أنه غريب، فاستضافه على عادة العرب، ثلاثة أيام، وفى اليوم الرابع سأله عن سرقدومه، فقال أبو ذر:

ـ إن أعطيتنى عهدا وميثاقا أن ترشدنى فعلت..

فأعطاه ـ على ـ العهد، فأخبره، وسأله عن النبى، فأخبره على الخبر، واصطحبه إلى النبى الأعظم، وأسلم ـ أبوذرـ وقال له النبى الأكرم:

ـ ارجع إلى قومك وأخبرهم حتى يأتيك أمرى..

فقال "أبوذر":

والذى نفسى بيده لأصرخن بها بين ظهرانيهم "يقصد قريشا"..

فخرج حتى أتى البيت الحرام ونادى بأعلى صوته:

ـ أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.

فقام القوم إليه فأوسعوه ضربا، وأتى ـ العباس بن عبدالمطلب ـ وزاد عنه وصرخ فيهم:

ـ ألستم تعلمون أنه من "غفار"، وأنه من طريق تجارتكم إلى الشام!

ثم توجه أبو ذر إلى قومه، فدعاهم إلى الإسلام، وأقام فيهم يعلمهم شعائر الدين الجديد، فآمن معه نصف القبيلة، وأعرض النصف الآخر، وترك فيهم "إيماء بن رحضة الغفارى" ليؤمهم فى الصلوات، ولما هاجر النبى الأكرم من مكة إلى المدينة، أسلم من بقى من "غفار"، وأسلمت قبيلة أخرى تدعى "أسلم"، وجاء وفد من غفار وأسلم إلى المدينة لمبايعة النبى، ودعا لهم صلى الله عليه وسلم:

ـ غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله.

وكان قدوم أبى ذر إلى المدينة بعد غزوة أحد، ولم يغادر ـ أبوذرـ النبى، وقال "ابن اسحق" فى السيرة النبوية:

ـ آخى رسول الله بين أبى ذر الغفارى والمنذربن عمرو أحد بنى ساعدة..

ويذكر أيضا أن النبى الأكرم استعمل أبا ذرعلى المدينة، لما خرج إلى غزوة "ذات الرقاع"، وحمل ـ أبوذرـ راية "غفار" فى غزوة "حنين".

ولما انطلق النفير، ليجمع الرجال إلى "غزوة تبوك" لقتال الروم، تحسس المسلمون المتخلفين عن الغزوة، وأعلموا النبى فقالوا "يارسول الله تخلف فلان" فقال النبى الأعظم:

ـ دعوه، إن يكن فيه خير فسيلحقكم، وإن يكن غير ذلك فقد أراحكم الله منه..

حتى قيل: ـ يا رسول الله تخلف "أبو ذر"..

وكان بعيرـ أبى ذرـ قد أبطأ به، فأخذ متاعه، فجعله على ظهره، وخرج ماشيا، ونظر رجل فقال "إن رجلا يمشى على الطريق"، فقال النبى "كن أبا ذر"، فلما تأمله المسلمون قالوا "هو والله أبو ذر"، فقال النبى الأكرم:

ـ رحم الله أبا ذر، يمشى وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده.

وكان أبو ذرأثناء إقامته فى المدينة المنورة يقوم على خدمة النبى، وهو من رواة الأحاديث عنه صلوات الله وسلامه عليه، وعنه روى أنس بن مالك وعبدالله بن عباس، وكانت له مكانة رفيعة عند النبى الأعظم، وروى ـ الترمذى ـ وابن ماجه وأحمد والحاكم عن طريق شريك عن أبى ربيعة عن ابن بريدة عن أبيه قال:

ـ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله أمرنى بحب أربعة وأخبرنى أنه يحبهم ، قيل يارسول الله سمهم لنا، قال "على" منهم ، و"أبوذر" و"المقداد" و"سلمان".

وسمع عبدالله بن عمرو النبى الأكرم يقول "ما أقلت الغبراء، ولا أظلت الخضراء من رجل أصدق لهجة من أبى ذر.

ويروى ـ أبوهريرة ـ عن النبى الأكرم قوله:

ـ من سره أن ينظر إلى تواضع "عيسى بن مريم" فلينظر إلى أبى ذر..

وقال الإمام على بن أبى طالب "لم يبق أحد لا يبالى فى الله لومة لائم غير أبى ذر"، ثم ضرب بيده على صدره وقال "ولانفسى"..

**وشارك أبو ذر فى فتح الشام، بعد وفاة النبى الأكرم، وشهد فتح بيت المقدس مع عمر بن الخطاب، وكان فى حياته يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وكان يخاطب الأغنياء بقوة القرآن الكريم ويطلب إليهم أن يؤدوا حق الله فى أموالهم، واشتهر عنه أنه كان يتقاضى راتبه المقرر له من بيت مال المسلمين، فيفرقه على الفقراء، وكره "معاوية" وجوده فى الشام، واشتكاه إلى الخليفة "عثمان بن عفان"، ولما رجع أبو ذر إلى المدينة، وقف عند باب عثمان، ليؤذن له، ومر رجل من قريش فقال له "يا أبا ذرما يجلسك ها هنا؟"، فقال أبوذر:

ـ يأبى هؤلاء أن يأذنوا لنا..

فدخل الرجل على عثمان وقال:

ـ يا أمير المؤمنين ما بال أبى ذر على الباب؟

فأذن له، فجاء حتى جلس، فإذا عثمان يسأل "كعب الأحبار" فى ميراث يقسم بهذه الصيغة:

ـ أرأيت المال إذا أدى زكاته، هل يخشى على صاحبه فيه تبعة؟

فقال "كعب" لا..

فقام أبو ذر وضربه بعصا، ثم قال:

ـ يا ابن اليهودية، تزعم أنه ليس عليه حق فى ماله إذا آتى زكاته، والله يقول "والذين تبوءوا الدار و الإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولايجدون فى صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون" ويقول "ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا"، فقال ـ عثمان ـ "إنما نكره أن نأذن لأبى ذر من أجل ما ترى"، وأخرج ـ أبوذرـ إلى "الربذة" منفيا، وكان رضى الله عنه قد تعلم فى المدرسة المحمدية وكان يكثر من السؤال وطلب المعرفة حتى أصبح من المقدمين للفتوى فى عهدى أبوبكر وعمر، وكانت وفاته فى ـ الربذة ـ مصداقا وتصديقا لوعد النبى "يموت وحده"، فلما حضرته الوفاة أوصى امرأته وغلامه فقال: ـ إذا مت فاغسلانى وكفنانى وضعانى على الطريق، وأول ركب يمرون بكم قولا لهم "هذا أبوذر"، فلما مات فعلا ذلك، فإذا ركب من أهل "الكوفة" فيهم "عبدالله بن مسعود"، فسأل:

ـ ما هذا؟

قيل: جنازة أبى ذر..

فبكى "ابن مسعود"، وتذكر قول النبى الأعظم:

رحم الله أبا ذر، يمشى وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده..

ثم صلى عليه ودفنه بيديه، ومضى الركب إلى طريقه، وطويت صفحة المجاهد المحبوب من الله ورسوله أبو ذر الغفارى رضى الله عنه وأرضاه.

 


 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - صلاة الطفولة

  ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...

سهيلة الرملى: «اتكلمى» ركزت على المسكـوت عنه فى كتب التاريخ

الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى

«السيد فى حقل الأدب».. شهادات وقـراءات كاشفة لعالم صبرى موسى

ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية

خالد أمين: وقعت فى غرام الـرعب والغموض

أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد