خدعوك فقالوا: أمريكا لم تكن تعلم بنية العدوان على مصر عام 1956 !

استقر فى الأدبيات السياسية أن أمريكا لم تكن تعلم بأمر العدوان على مصر عام 1956 وهو ما أصبح ما يعرف بالعدوان الثلاثي

استقر فى الأدبيات السياسية أن أمريكا لم تكن تعلم بأمر العدوان على مصر عام 1956 وهو ما أصبح ما يعرف بالعدوان الثلاثي ، ولكن الحقيقة أن أمريكا كانت تعلم منذ اليوم الثاني لتأميم عبد الناصر للقناة ، بنية بريطانيا باستخدام القوة ضد مصر ، وبريطانيا نفسها هي التى أبلغت أمريكا بهذه الرغبة ، كما تكشف الرسائل المتبادلة بين الرئيس الأمريكي أيزنهاور ، ورئيس الوزراء البريطاني إيدن ، لا يهم بعد ذلك إذا كانت بريطانيا قد اتفقت مع فرنسا وإسرائيل سرا على العدوان ، بعيدا عن علم أمريكا ، لكن بريطانيا رأس الحربة فى العدوان وصاحبة فكرة العدوان نفسه قد أبلغت أمريكا مقدما أن الهجوم على مصر هو اختيارها ، وكان يمكن لأمريكا أن تمنعها من العدوان ، إذا اتخذت موقفا حازما كالذى اتخذته بعد العدوان . أما الأمر المحير فهو أن الرئيس عبد الناصر كما هو ثابت فى كل المراجع التاريخية  أنه كان يعلم بخطة العدوان الثلاثي قبل وقوعها ، ومع ذلك استبعد وقوع العدوان ، وظل مطمئنا إلى هذا الاعتقاد ، دون التفكير حتي فى وضع أى استعداد لهذا الاحتمال حتى وإن لم يقع ، وكان يمكنه أن يوقف العدوان قبل وقوعه إذا خرج فى خطاب جماهيري أو مؤتمر صحفي عالمي ليكشف خطة العدوان ، فما الذى منعه من هذه الخطوة وهو يملك بين يديه كنزا ثمينا من المعلومات لم يستثمره أو يستفيد به على أي وجه من الوجوه ، كعلمه بموعد عدوان الخامس من يونيو ، ولم يتخذ من الإجراءات الوقائية الحربية أو الدبلوماسية للحيلولة دون وقوع العدوان ، بل إنه سعي لوقوعه بإغلاق خليج العقبة ، أسئلة لازالت تبحث عن جواب ، ويا ليت مؤرخنا الكبير د. زكريا الشلق يجيبنا ، هو والكاتب الكبير حلمي النمنم الذى يكتب سلسلة مقالات يتناول فيها خلفيات تلك المرحلة . وإليه وإلى كل من كان يعتقد أن أمريكا لم تكن تعلم بالعدوان ، الدليل على أنها كانت تعلم ، ولكنها تواطأت بالصمت حتى وقع العدوان ، فاتخذت موقفها الذى خدعنا به ، وكأنها لم تكن تعلم فعلا .

" كشفت البرقيات المتبادلة بين الرئيس الأمريكي أيزنهاور، ورئيس الوزراء البريطاني أنتوني إيدن ، والتى تم إعلانها بعد أن مضى عليها أكثر من ثلاثين سنة  ، أن رئيس الوزراء البريطاني كانت تسيطر عليه تماما فكرة ظهور ديكتاتور جديد فى صورة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ، وأن هذه الفكرة قد شوشت أحكامه على الرئيس المصري .

كما كشفت البرقيات أن إيدن كان يقارن عبد الناصر بالديكتاتور الإيطالي موسوليني ، ويصفه بأنه مروج للثورة فى العالم العربي كله ، وأن أيزنهاور كان نادرا ما يستطيع احتواء غضب إيدن فى هذا الشأن .

وقد أبرق ايدن إلى ايزنهاور يوم 27 يوليو 1956 أي فى اليوم التالي لإعلان تأميم قناة السويس قائلا :" صديقي العزيز .. إنني وزملائي مقتنعون بأنه يجب علينا أن نكون مستعدين لاستخدام القوة كحل أخير من أجل إجبار ناصر على العودة إلى وعيه . ومن جانبنا فإننا مستعدون لهذا الحل ، وقد أعطيت تعليماتي هذا الصباح لرؤساء أركاننا بإعداد خطة عسكرية فى هذا الخصوص ".

وفى 31 يوليو تلقي ايزنهاور تقريرا من روبرت مورفي مبعوثه الخاص إلى لندن . وفى برقية إلى انتوني ايدن شرح ايزنهاور أن ايدن وهارولد مكميلان قد أبلغا روبرت مورفي بسرية بالغة قرار إيدن باستخدام القوة دون تأخير ودون محاولة اللجوء إلى أي وساطة أو استخدام خطوات أقل تطرفا . وقال ايزنهاور :" إنني لا أستطيع أن أؤكد كثيرا قوة اقتناعي بأن بعض الوسائل ( مثل الضغط الدبلوماسي  الدولي ) ينبغي تجربتها قبل اللجوء إلى عمل من النوع الذى ذكرته .. إنني أبلغتك باقتناعي الشخصي واقتناع زملائي أيضا بعدم معقولية حتى التطلع إلى استخدام القوة العسكرية فى هذه اللحظة " .

ومرة أخرى أبرق ايدن إلى أيزنهاور يوم 6 أغسطس قائلا :" إنني لم أفكر أبدا أن ناصر هو هتلر ، فليس وراءه شعب يحب الحرب .. ولكن مقارنته بموسوليني هي الأقرب . فكلانا لا يستطيع أن ينسي الأرواح والأموال التى تكبدناها بسببه قبل أن نستطيع فى النهاية دحره " .

ورد الرئيس أيزنهاور شارحا مدى اختلاف المواقف البريطانية عن المواقف الأمريكية ، وقال :" إن الاستعدادات العسكرية فى بريطانيا قد أدت بالفعل إلى تقوية مركز ناصر" .

ولكن إيدن لم يقتنع . وبعد شهر بالضبط بعث ايدن إلى ايزنهاور يوم 6 سبتمبر 1956 ببرقية شكره فيها أولا على صراحته ، ثم حث ايدن الرئيس الأمريكي على أن يقارن بين ما يفعله ناصر وما كان يفعله هتلر ، وما يفعله الروس الآن ، وقال إنه إذا نجح ناصر فإن " هيبته فى العالم العربي ستتعاظم " . وتساءل ايدن :" هل يستطيع الغرب أن يعول على أن يكون العرب أكثر تعقلا مما كان عليه الألمان – وأضاف : حتى لو أن العرب قد تفرقوا عمليا مرة أخرى مثلما حدث لهم بعد الخلفاء الأوائل (يقصد خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم ) فإن الضرر سيكون قد حدث بالفعل " . وتحدث ايدن عن التحذيرات التى تلقاها بشأن ناصر من  القادة الأصدقاء  فى الشرق الأوسط بما فى ذلك شاه إيران والليبيون ، والعراقيون - الذى سقط مليكهم فيصل فى ثورة قامت بعد ذلك بسنة واحدة .

واختتم ايدن نداءه إلى ايزنهاور قائلا :" لقد كانت هناك أوقات كثيرة قدنا فيها أوروبا للقتال من أجل الحرية . وسوف تكون نهاية غير مشرفة لتاريخنا الطويل ، إذا نحن قبلنا طائعين أن نتراجع إلى هذا الحد " .

ورد ايزنهاور على وجه السرعة يقول : " إنك تجعل من ناصر شخصية أكثر أهمية بكثير مما هو فى الواقع " . ووصف ايزنهاور وجهة نظر ايدن بشأن القلاقل فى العالم العربي بأنها " شديدة المبالغة ". وحذر مرة ثانية من " أخطار العمل العسكري ضد ناصر " .

ورد ايدن المهتاج ، على ايزنهاور فى أول أكتوبر يقول :" إنه ليس هناك شك فى تفكيرنا أن ناصر سواء أراد أو لم يرد هو الآن فى قبضة الروس تماما ، مثلما كان موسوليني فى قبضة هتلر " .

وكان ايدن لا يزال يخفي على صديقه الأمريكي العجوز اهتماماته الحقيقية . وفى برقية تعتبر على ضوء التحالف بين بريطانيا وأمريكا ، تضليلا للرئيس الأمريكي ، قال ايدن يوم 30 أكتوبر 1956 عند الهجوم الجوي البريطاني ضد مصر :" إنه قد يمكن إدانة إسرائيل بالعدوان ، ولكننا نرى من ناحية أخرى أن إسرائيل لديها فرصة للاحتجاج بأنها تتصرف للدفاع عن النفس . ولو لم يكن الأمر كذلك لما رغبنا فى مساندة إسرائيل أو حتى التعاطف معها " .

وكان ايزنهاور مغتاظا فرد على ايدن يقول :" إن هناك جوانب مؤكدة للقضية بأكملها هي التى تضايقني كثيرا " – وقال ايزنهاور فى برقيته إنه :" اندهش عندما اكتشف أن بيرسون ديكسون السفير البريطاني فى الأمم المتحدة كان غير متعاطف كلية مع اقتراح لوقف إطلاق النار " . وقرر بصراحة أن :" حكومته لن توافق على أي إجراء مهما كان يتم اتخاذه ضد إسرائيل " . وأضاف ايزنهاور أنه :" لو أن ناصر طلب مساعدة السوفييت فإن ثروة الشرق الأوسط كلها ستقع حقيقة فى النار " . وفى وقت لاحق من هذا اليوم – 30 - أكتوبر أبلغ أيزنهاور، ايدن أنه :" علم من الصحف بالتدخل البريطاني الفرنسي  ( للفصل بين المصريين والإسرائيليين ) وفى الصيغة التى أطلقت على العدوان البريطاني ضد مصر " .

وفى 5 نوفمبر وهو اليوم الذى سحقت فيه القوات السوفيتية الثورة المجرية ، ونزلت فيه القوات البريطانية إلى أرض بورسعيد ، كان ايدن لايزال يخاطب ايزنهاور باسم " صديقي العزيز " ، وقد أبرق ايدن فى هذا اليوم إلى ايزنهاور يقول :"  إنه لأمر محزن جدا لي أن أحداث الأيام القليلة الماضية قد أضفت مثل هذا التوتر على العلاقات بين بلدينا " . وقال :" إن ناصر قد أصبح موسوليني المسلم " . وأضاف أنه :"  يعتقد بإصرار كما كان دائما أن مستقبل الغرب كله يتوقف على التعاون الوثيق بين أمريكا وبريطانيا ". وقال :" إن التاريخ وحده هو الذى سيحكم على ما إذا كنا قد اتخذنا القرار الصحيح ، ولكني أريد أن أؤكد لك أننا اتخذنا هذا القرار من إحساس صادق بالمسئولية ، ليس تجاه بلدنا فقط ولكن تجاه العالم كله " .

وفى اليوم التالي كان قد تم إعادة انتخاب ايزنهاور رئيسا للولايات المتحدة ، وقام ايزنهاور بإبلاغ ايدن بأن موافقة أمريكا على قرض الصندوق النقد الدولي إلى بريطانيا وقيمته ألف مليون دولار ، تتوقف على وقف إطلاق النار .

وتصف إحدى الوثائق التى أفرج عنها أخيرا ، إحدى اللحظات الأخيرة لحكومة إيدن خلال اجتماع تم عقده يوم 8 يناير 1957 وأعلن فيه بعض الوزراء تأييدهم لتوثيق التعاون مع أوروبا ، وفى هذا الاجتماع قال أحد الوزراء :" إن التحالف البريطاني الأمريكي كان حيويا لأمن العالم الحر .. ولكن أزمة السويس قد تركته عاريا ، لدرجة يتعين معها إجراء بعض التعديلات فى أسس العلاقات البريطانية الأمريكية ". 

وثيقة سرية : بريطانيا خططت لقطع مياه النيل عن مصر

كان البديل الأسوأ للعدوان الثلاثي على مصر هو قطع مياه النيل عن شعبها ، ولكن استعجال بريطانيا للانتقام من تأميم عبد الناصر للقناة ، جعلها تقوم بالعدوان المسلح بالتنسيق مع فرنسا وإسرائيل ، باعتبار أن قطع النيل سيأخذ وقتا ، ومن ثم كان العدوان هو أقرب الطرق وأسرعها ، فقد كشفت وثيقة سرية بريطانية النقاب عن أن بريطانيا فكرت فى تنفيذ خطة يتم بموجبها تغيير مجري نهر النيل ، بهدف الضغط على الرئيس الراحل جمال عبد الناصر فى عام 1956 ، للتراجع عن قراره بتأميم قناة السويس . وجاء فى الوثيقة فى إطار مجموعة من وثائق المخابرات البريطانية التى رفعت عنها السرية بعد مرور خمسين سنة عليها ، أن قادة الجيش البريطاني الذين أعدوا هذه الخطة ، اعتقدوا أنه يمكن تغيير مجري النيل لقطع تسعين بالمائة من المياه التى تصل إلى الأراضي المصرية ، مما سيساعد على الإضرار بالمساحات الزراعية الشاسعة فى مصر ، وكذلك بشبكة المواصلات ، وبالتالي تدمير الاقتصاد المصري ، وإضعاف عبد الناصر داخليا . وبمقتضي هذه الخطة ، كان من المقرر أن تستخدم بريطانيا سدا فى أوغندا من أجل خفض مستوى المياه فى النيل الأبيض بمقدار سبعة أثمانه ، وتم عرض الخطة بالفعل على رئيس الوزراء البريطاني آنذاك أنتوني إيدن ، قبل عدة أسابيع من بدء العدوان الثلاثي على مصر ، الذى شاركت فيه بريطانيا وفرنسا وإسرائيل . وأوضحت الوثيقة أنه تم التخلي لاحقا عن تنفيذ الخطة بسبب المخاوف البريطانية من أن يثير تنفيذها رد فعل عكسيا عنيفا من جانب المصريين ، كما أن واضعي الخطة أدركوا أن المشروع قد يستغرق شهورا من أجل تحقيقه ، فضلا عن أنه قد يلحق أضرارا بدول أخري كينيا مثل كينيا وأوغندا . وكشفت الوثيقة أيضا عن أن جون هانت وزير شئون مجلس الوزراء البريطاني الأسبق لاحظ أن هذه الخطة قد تكون فعالة فقط فى حالة ما إذا تم نشر مقولة بين المصريين – الذين كانت تنتشر بينهم الأمية – مفادها أنه إذا لم يتنح عبد الناصر عن منصبه ، فإن بريطانيا ستخفض مياه النيل .

ويبدو أن المؤامرة ممتدة منذ عام 1956 حتى اليوم بهدف خنق مصر عن طريق نهر النيل ، وهو الدور الذى تقوم به حاليا أثيوبيا ، إذ تبدو هي فى صدارة المشهد ، ولكنها لم تكن تجرؤ بمفردها على هذا التحدي الخطير لولا أن دولا أخري تحرضها وتساندها من خلف الستار ، ولكن مصر أعلنت ولازالت أن الإضرار بمصر عن طريق نهر النيل يعتبر خطا أحمر .


 	إبراهيم عبد العزيز

إبراهيم عبد العزيز

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - صلاة الطفولة

  ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...

سهيلة الرملى: «اتكلمى» ركزت على المسكـوت عنه فى كتب التاريخ

الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى

«السيد فى حقل الأدب».. شهادات وقـراءات كاشفة لعالم صبرى موسى

ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية

خالد أمين: وقعت فى غرام الـرعب والغموض

أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد