يحتل الشيخ محمد عبده مكانة معتبرة فى الفكر الإسلامى، فالمنصفون يعتبرونه الإمام المجدد، وفي وصف آخر: إمام التنوير، فقد ترك الرجل أثرا بارزا ورصيدا هائلا، وكانت له
يحتل الشيخ محمد عبده مكانة معتبرة فى الفكر الإسلامى، فالمنصفون يعتبرونه الإمام المجدد، وفي وصف آخر: إمام التنوير، فقد ترك الرجل أثرا بارزا ورصيدا هائلا، وكانت له إسهاماته المتصلة فى تجديد الفكر الدينى، ومعاركه المتواصلة لإصلاح الأزهر والأوقاف والقضاء الشرعى، ودعواته الدائمة لتنقية الإسلام من الخرافات والشبهات والأفكار الرجعية، والرجوع به إلى ينابيعه الصافية بكل ما فيها من سماحة ورحمة وإنسانية.
عن الأستاذ الإمام وتاريخه يمكنك أن تقرأ مئات الكتب والدراسات والمقالات، والتى لم تترك شاردة ولا واردة فى سيرته منذ مولده في العام 1849لأب ينتمى إلى قرية "محلة نصر" بمحافظة البحيرة، وحتى ودع الحياة إثر أزمة قلبية فى العام 1905.
(1)
الملاحظة الجديرة بالتسجيل والتأمل أن الذين كتبوا عن الإمام المجدد وأبرز رواد حركة الإصلاح والنهضة فى تاريخ مصر الحديث، وخاصة فيما يتصل بأصحاب الفضل فى تربيته عقليا ووجدانيا، وأصحاب الأثر فى تكوينه الفكرى والدينى، فإنهم لم يذكروا أى فضل ولو عابرا لامرأة، فى حين تنافسوا فى الإشارة إلى أساتذته وشيوخه، بداية من شيخه الأول درويش خضر، خال أبيه، الصوفى النقى التقى، الذى رباه روحيا ودله على المنهج الصحيح الذى يتعامل به مع التراث الإسلامى، وأصلح علاقته مع كتب الأزهر ومناهجه بعد أن استعصت عليه فهمها، وكادت بتعقيداتها وصعوبتها وحواشيها تتسبب فى هروبه من دراستها.
ثم كان شيخه حسن الطويل، الذى درس على يديه الرياضيات والفلسفة، ولقنه الدروس الأولى فى السياسة والوطنية، وصولا إلى أستاذه الأهم جمال الدين الأفغانى، الذى تقاطع مصير الإمام مع الشيخ الثائر، فإذا بهما معا منفيين فى باريس بعد فشل ثورة عرابى وكانا من رفاق الثورة وداعميها، وإذا بهما يؤسسان تلك المجلة التى دخلت تاريخ الصحافة والسياسة: العروة الوثقى.
ومع كثرة الشيوخ والأساتذة لن تجد للمرأة أثرا أو دورا فى سيرة محمد عبده، ولولا تلميذه النجيب الشيخ مصطفى عبد الرازق لظل هذا الجانب مجهولا إلى الأبد، ولم نقف على ذلك السبب المهم فى تلك الاستنارة اللافتة التى ميّزت فكر وفتاوى الأستاذ الإمام، والتى تجلت فى فتاواه الرسمية الخاصة بالمرأة فى فترة توليه منصب مفتى الديار المصرية، ففى تلك السنوات الست بين 1899 و1905 أصدر الشيخ 944 فتوى، كان جانبا غير قليل منها ينتصر للمرأة وحقوقها، فى وقت لم يكن المجتمع يعترف لها بأى حق.
ومصطفى عبد الرازق، فضلا عنه أنه كان واحدا من أنبغ وأقرب تلاميذ الإمام محمد عبده، فهو نفسه واحدا من أبرز المجددين فى الفكر الإسلامي، ويعتبره المؤرخون مجدد الفلسفة الإسلامية فى العصر الحديث ومؤسس المدرسة الفـــلسفية العــــربية الإسلامية وصاحب أول تأريخ لها باللغة العربية، ونال الرجل من الشهادات العلمية الكثير لعل على رأسها درجة الدكتوراه من فرنسا، ومن المناصب الرفيعة الكثير لعل فى مقدمتها لقب شيخ الأزهر، فقد تولى رئاسة المشيخة من 27 ديسمبر 1945 وحتى رحيله فى 15 فبراير 1947.
كان والده حسن باشا عبد الرازق صديقا وزميلا للشيخ محمد عبده، فقد تزاملا فى مجلس شورى القوانين، المجلس النيابى الذى أنشأه الخديوى إسماعيل، وتشاركا فى تأسيس الجمعية الخيرية الإسلامية، والمرجح أن علاقة مصطفى الابن بالشيخ الإمام بدأت عن طريق صداقته بالأب، ثم تطورت إلى علاقة خاصة عندما جلس مصطفى عبد الرازق الطالب بالأزهر تلميذا يواظب على دروس الإمام فى الرواق "العباسى" بصحن الأزهر، وبسرعة انجذب التلميذ إلى الأستاذ وشعر أنه أمام عقلية فذة ورجل صاحب رسالة مكتملة وعلم فياض ورؤية إصلاحية تنويرية قادرة على النفاذ والتأثير والتحقق.
من حينها صار مصطفى عبد الرازق من تلاميذ الشيخ ومريديه وحاملى فكره وأفكاره، وهو ما تجلى عندما ترجم كتابه المهم "رسالة التوحيد" إلى الفرنسية بمشاركة صديقه برنارد ميشيل ونشره فى باريس.
ولذلك، فعندما يكتب الإمام الأكبر مصطفى عبد الرازق عن شيخه وأستاذه الإمام محمد عبده فإنه يكتب من مقام العارف، فقد كان قريبا وصديقا وتلميذا ويعرف عن الرجل الكثير.. والجديد.. والمخفى.
(2)
فى بداية دراسته القيّمة يبدى د. مصطفى عبد الرازق دهشته واستغرابه من إصرار الذين يكتبون عن حياة الرجال من أصحاب القيمة والمكانة على إغفال أى ذكر لدور المرأة فى حياتهم، وكأن الجانب المتصل بالنساء يكاد يكون مجانبا للحشمة لا يتطرق إليه باحث جاد" وكثيرا ما يُعجزك أن تعرف شيئا عن الأمهات والزوجات وغير الأمهات والزوجات كأن كل هؤلاء ليس لهن فى حياتنا أثر يذكر".
وإذا كان ذلك يحدث فى حياة المشاهير من المفكرين والساسة والمبدعين فما بالك برجال الدين، ولذلك كانت هناك مشقة مضاعفة تكفلها الشيخ مصطفى عبد الرازق فى بحثه الرائد عن أثر المرأة فى حياة شيخه محمد عبده.
ورصد البحث دورا لثلاث نساء لعبن أدوارا فاعلة فى حياة الإمام، أولهن أمه "جنينة"، وكانت عندما خطبها والده "عبده حسن خير الله" أرملة شابة توفى عنها زوجها تاركا لها طفلا وطفلة، ومن زوجها الثانى رزقها الله بمحمد عبده طفلها الذى تعلق به قلبها وغمرته بحبها، خاصة بعد أن أجبرها زوجها أن تترك أطفالها من زوجها الأول فى رعاية أهلها فى "حصة شبشير" القريبة من طنطا، وبعد أن تزوج زوجها بزوجة جديدة أنجب منها بنين وبناتا، فأصبح ابنها الصغير هو كل عالمها ودنياها.
وعن تأثير هذه الأم فى شخصيته يقول د. عبد الرازق: وإذا كان الشيخ محمد عبده قد أخذ عن أبيه قوة العزيمة والثبات والتعالى عن سفاسف الأمور فقد غذته بلين الجانب وسلامة القلب والرحمة والسماحة أم أورثها رقة القلب فقد زوجها الأول وقيامها على أيتامه، وراضتها على الرحمة عواطف أمومة موزعة بين أولاد زوجين مختلفين، وصفى بعد ذلك نفسها ما كابدت من آلام فى حياتها التى فرقت بينها وبين من فى حضنها من الأيتام والتى أطارتها عن وكرها الهادئ لتعيش فى دار غربة، رفيقة زوج قاس يضم إليها فى الحياة رفيقة أخرى".
المرأة الثانية هى زوجته، وكانت قريبة له من نفس قرية أبيه، وعلى عادة أهل القرى حينها كان على محمد عبده أن يتزوج مبكرا ومن قريبة له، ورزق منها الإمام بعدة بنات وبولد واحد مات فى ريعان شبابه، وبقيت هى الزوجة الوحيدة فى حياته حتى رحيلها، كانت هى شريكته فى السراء والضراء وتحملت بصبر ما جرى له من سجن ونفى بعد الثورة العرابية والاحتلال الإنجليزي، وبعد رحيلها تزوج فى منفاه ببيروت "بعقيلة من عقائل البيوتات الكريمة فيها وولدت له بنتا واحدة".
ويبدو أن تجربة حياة الإمام الشخصية، فى كنف أم عانت من قسوة زوجها ومن تعدد زوجاته، ومع ذرية من البنات رزق الله بهن الإمام، فإنه لمس بالتجربة ما تعانيه المرأة من ظلم وقسوة فى مجتمع لا يعترف لهن بحق ولا حقوق، فنذر نفسه لإنصافهن وصد أذى المجتمع عنهن وبيان ما يتعرضن له من جور باسم الدين، وهو ما يشير إليه د. عبد الرازق عندما يقول: وقد ظل الشيخ محمد عبده كل عمره يدافع عن حق المرأة فى العلم والحرية والكرامة ويلهج بذلك فى دروسه فى تفسير القرآن الكريم التى كان يلقيها فى الجامع الأزهر".
وفى مجتمع شديد المحافظة والتزمت والرجعية امتلك الشيخ محمد عبده الشجاعة لأن يعلن اعتراضه على تعدد الزوجات وضرورة تقييد هذا الحق الذى يساء استخدامه وتتعرض بسببه النساء لظلم بيّن باسم الدين والشرع، فى حين أنه بصريح القرآن مشروط بالعدل بين الزوجات، وهو شرط فى عداد المستحيلات.
(3)
قد يكون من الطبيعى أن يكون للأم والزوجة تأثير على شخصية الإمام محمد عبده وأفكاره، لكن المفاجأة التى يكشف عنها تلميذه وصديقه أن فى حياة الإمام "ملهمة" كان لها دور ربما أكبر وتأثير ربما أعمق فى رؤيته المستنيرة تجاه المرأة وحقوقها الشرعية والإنسانية.
هذه "الملهمة" لم تكن إلا الأميرة "نازلى فاضل"، التى يصفها المؤرخون بأنها "حُسنها أخاذ، قد ممشوق وثغر مرسوم وعينان ساحرتان ويدان مرمريتان. مجلسها ممتع، حديث طلى ومواضيع متنوعة وخطاب منمق. تتحدث بست لغات وتعقد صداقات قوية وعلاقات واسعة مع أعلام عصرها فتحادثهم باقتدار أتاحته تجاربها وصقلته معارفها. أقامت أول صالون ثقافى فى مصر، وربما فى الشرق بأسره.. بالفعل، تمثل الأميرة نازلى فاضل نموذجاً نسائياً فريداً فى تاريخ مصر المعاصر، بل فى تاريخ الشرق بأسره. فلم تعرف أقطار المشرق امرأة تمكنت من اجتياز الحواجز الاجتماعية والسياسية والثقافية التى فرضتها معطيات ذلك العصر عليها كامرأة وكأميرة، على نحو ما استطاعت نازلى".
وهو وصف يكاد يتطابق مع ما قاله عنها الشيخ مصطفى عبد الرازق وهو يحكى عن ملهمة أستاذه: "جمعت إلى جانب ذلك كله – حسبها ونسبها – جمالا رائعا وبيانا حلوا ولطفا نسويا فتانا، كانت ساحرة النظرات، عذبة الملامح، رشيقة القوام، ناصعة الجبين، ذات ثغر رقيق يفتر عن ابتسامة دائمة فيها معنى الألم العميق والسخرية بالألم، ومعنى العزيمة الماضية ومعنى الرجاء لا يصل إليه اليأس".
فمن تكون تلك الأميرة التى حظيت بتلك الأوصاف التى تصل لحد الغزل فى حسنها ورقتها وذكائها، وحظيت بإعجاب شيخ الأزهر.. وقبله مفتى الديار المصرية؟
هى ابنة مصطفى باشا فاضل، ابن إبراهيم باشا بن محمد على الكبير، وأخ غير شقيق للخديوى إسماعيل، وكان إسماعيل يكبره ب 40 يوما فقط، كانت سببا فى حرمان مصطفى فاضل من عرش مصر، ثم دخوله فى عداوة شرسة مع إسماعيل اضطرته للخروج من مصر والإقامة فى اسطنبول، ولذلك عاشت الأميرة نازلى (المولودة عام 1853) سنوات طفولتها وصباها بعيدا عن مصر، مع والدها فى تركيا، ثم مع زوجها الأول خليل باشا شريف فى لندن بحكم عمله فى السلك الدبلوماسى، فلما انفصلت عنه عادت إلى مصر عام 1875وهى فى مطلع العشرينيات من عمرها.
وبحكم السنوات الطويلة التى قضتها فى تركيا وأوروبا أصبح لديها شغف شديد بالثقافة وكانت تواظب على حضور الصالونات الأدبية فى لندن وباريس، وجاءت معها بالفكرة وقررت إقامة صالون فى قصرها الذى كان يقع خلف قصر عابدين تدعو إليه كبار المفكرين والسياسيين والمبدعين، وهكذا تجمع فى صالونها عقول بقيمة قاسم أمين ومحمد المويلحى وأديب إسحق، وسياسيين بأهمية اللورد كرومر وسعد زغلول وجمال الدين الأفغانى.
وكان محمد عبده من رواد هذا الصالون، وكان يحرص على حضوره مهما كانت مشاغله، ولم يكن الإعجاب المتبادل بينه وبين الأميرة خافيا، ولكن: هل تطور هذا الاعجاب إلى حب؟.
بوضوح أكثر: هل وقع الإمام فى حب البرنسيسة الجميلة؟وهل كان لهذا الإعجاب بشخصية الأميرة أثرا فى إعادة صياغة مواقف الشيخ السياسية.. والفقهية؟
الإجابة مليئة بالتفاصيل المثيرة وتستحق حلقة جديدة.. فانتظروها.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
في كثير من المنازل السعودية تتكرر شكوى شائعة بين المستخدمين، وهي أن بعض الأجهزة المنزلية تتعطل مرة أخرى بعد فترة...
في عالم الاشتراكات الرقمية، لا يبحث العميل عن المنتج فقط. هو يبحث عن تجربة كاملة تبدأ من لحظة دخوله إلى...
فى ذكرى ميلاده الخامس والتسعين أحدث نقلة فى المسرح الشعرى العربى.. وحرر المسرحية الشعرية من القصيدة الغنائية كان سابقا فى...
الرواية التاريخية مغرية لأى كاتب لا يوجد قالب جاهز أو كتالوج يلتزم به الكاتب اعتبر نفسى كاتبة نسوية