بنت الشاطئ.. أول امرأة تحاضر فى الأزهـر وأول كاتبة فى جريدة الأهرام

كنت أرى صورتها فى "الأهرام"، امرأة وقورة محجبة، وأسفل صورتها تعريف "بنت الشاطئ"، ثم قرأت أعمالها التى تقع داخل نطاق الدراسات الإسلامية والقرآنية، وأعجبنى أسلوبها،

كنت أرى صورتها فى "الأهرام"، امرأة وقورة محجبة، وأسفل صورتها تعريف "بنت الشاطئ"، ثم قرأت أعمالها التى تقع داخل نطاق الدراسات الإسلامية والقرآنية، وأعجبنى أسلوبها، وقاموسها اللغوى، أما على المستوى الفكرى فهى تفهم الإسلام فهما يوافق العقل، ولا يلوى أعناق النصوص، ولها اهتمام بالتأريخ لحياة النبى الأعظم، ونساء البيت الذى طهره الله من الرجس، وجعل محبة أفراده، قربى لله عزوجل، وهى من جهة والدها، شريفة تنتمى إلى "آل البيت"، ورأيت أنها جديرة بتقديمها ـ من جديد ـ فى "شهرمارس"، شهر المرأة فى العالم، وفى مصر أيضاً، وفى حياتها قصة كفاح تستحق التوقف أمامها بالإعجاب والتقدير..

على شاطئ النيل فى مدينة دمياط كان مولدها فى بيت جد والدتها، لأن والدتها يتيمة، رباها جداها، وكان جد والدتها الكبير هو الشيخ "الدمهوجى" أحد العلماء الكبار الذين تولوا مشيخة الجامع الأزهر، أما والدها فهو شيخ أزهرى متصوف ينتمى إلى "شبرابخوم" بالمنوفية، وانتقل إلى دمياط ليعمل فى مدرسة دمياط الابتدائية للبنين، وتزوج والدة "عائشة" ـ التى هى بنت الشاطئ ـ وكانت أمنية "والد عائشة" أن يرزق بذكر يورثه ميراثه العلمى وميراث جد والدته الشيخ "الدمهوجى"، ولكنه رزق بطفلة أسماها "عائشة" وخصص لها الوقت لتدريسها القصار من سور القرآن الكريم، وحروف الهجاء، وكان الشيخ متصوفا، وله شيخ يقيم فى محافظة "الشرقية"، يسافر إليه، ويحضر موالد الأولياء فى مدن المملكة المصرية من أقصاها إلى أقصاها، وكانت خطته تقوم على تعليم "عائشة" علوم القرآن، حتى تتم العاشرة، وبعدها تبقى فى البيت، حتى يخطبها من يصلح لها زوجا، لكن الأقدار كانت تدخر"عائشة" لمهمة أكبر، وكانت تدخر لها طرقا أخرى لتمشى فيها، وهوـ والد عائشةـ اختار"دمياط" لتكون مقرا للإقامة بدافع التصوف، ففيها أضرحة "سيدى شطا" و"سيدى على الصياد" و"سيدى المظلوم"و"سيدى الجربى"، وسعى لدى من لهم سطوة داخل وزارة المعارف، لينتقل من "المدرسة الإبتدائية" إلى "المعهد الدينى"،  وتم له ما أراد، لكن خطته التى وضعها لحياة ابنته "عائشة"، لم تمض كما تصورها، لأن زوجته ـ حفيدة الشيخ الدمهوجى ـ دعمت ابنتها بكل ما تملك، ورغم أن  والد"عائشة" لم ينقطع عن أهله فى "شبرا بخوم" وكان ينتقل وأسرته الصغيرة إليها كل صيف، إلا أن زوجته كانت "دمياطية" تعشق النهر والبحر، وتشتاق للمدينة التى ولدت فيها، ومن الممكن القول إن "المنوفية" و"دمياط" تمثلان نموذجين متناقضين،  فالأولى نموذج لحياة الفلاحة، والثانية نموذج للصناعة والتجارة، وكان الرجل يعرف أن"عائشة" ذكية ومتفوقة فى التحصيل، فقرر أن يدفع بها إلى "كتاب القرية" فى "شبرا بخوم"، وكان عمرها قد بلغ الخامسة، فى العام 1918، وبقيت تفاصيل اليوم الأول فى مجتمع الكتاب حية فى ذاكرة "عائشة عبدالرحمن" "بنت الشاطئ"فكتبته فى سيرتها الذاتية التى حملت عنوان "على الجسر":

"رجعت إلى أمى مخطوفة اللون والقلب، فتلقتنى فى حضنها بحنان، وهى تدعو الله أن يفتح على، ويعيننى على احتمال التجربة فى شدتها الأولى، وقد خففت عنى بعض الرعب حين سمعت أمى تؤكد أن "سيدنا" لن يضربنى بفلكته، وعكفت أمى بقية يومها، تخيط لى كيسا من القماش، أحمل فيه لوحى الصفيح وقلمى الغاب، وتجهز لى بعض الفطائر.."

وهذا المشهد الذى رسمته "بنت الشاطئ "يحتاج توضيحا ـ للقارئ ـ فقد كانت الكتاتيب منتشرة فى القرى المصرية، ولها مهمة تعليم الأطفال القراءة والكتابة والحساب وتحفيظهم القرآن، وكان يتولى إدارتها شيوخ، يعاونهم ـ عرفاء ـ وهؤلاء العرفاء ينشطون فى الكتاتيب التى يتولاها شيوخ مكفوفون، ومهمتهم مراجعة ما حفظه الأطفال ومتابعة تحصيل الأجور الأسبوعية التى يتقاضاها الشيوخ لقاء تعليمهم الأطفال والوصول بهم إلى مرحلة "ختم القرآن" حفظا وتلاوة، وكتب دكتور طه حسين تفاصيل مجتمع الكتاب فى "الأيام" ـ سيرته الذاتيةـ وتحولت إلى مسلسل تليفزيونى،  موجود على شبكة الانترنت لمن يرغب فى مشاهدة صورة مشابهة لمجتمع الكتاب الذى كان المؤسسة التعليمية المتاحة للناس، ومنها يستمد الأزهر الشريف رجاله، فيدرسون العلوم القرآنية، ويصبحون علماء لهم حق الفتوى والقضاء وإمامة المسلمين فى صلواتهم، وكانت العائلات فى الوجه البحرى ترسل البنات ليتعلمن القراءة والكتابة ويحفظن القرآن الكريم "أم كلثوم المطربة المعروفة نموذجا"، لكن فى الصعيد لم يكن الأمر متاحا للبنات، فكانت نسبة الأمية فى البنات مرتفعة، وفى "شبرا بخوم" كانت الخطوات الأولى للدكتورة "عائشة عبدالرحمن"، وتوالت الخطوات، فبعد أن حفظت القرآن الكريم فى الكتاب، ظل والدها يمارس دوره فى تعليمها علوم التراث الإسلامى.

"كان والدى ينتزعنى من ملعب حداثتى، ويلزمنى صحبته فى مجلسه فى البيت أو فى مكتبه فى جامع البحر"، ولو قمنا بتحليل المتاح لنا من معلومات عن حياة "بنت الشاطئ"، لوجدنا أنها جمعت فى خصائص شخصيتها، الثقافة الريفية المحافظة، والثقافة العملية الطموحة، فالوالد المتصوف الريفى المعلم فى المعهد الدينى، كان يريدها فقيهة تتزوج فقيها،  والأم الدمياطية حفيدة شيخ الأزهر، أرادت لابنتها أن تحظى بأرفع درجات الترقى، فى التعليم والوظائف، فكان فى قلب "عائشة" نموذجان يتصارعان، وانتصر، النموذج الدمياطى، على النموذج المنوفى الفلاحى، ومما ورد فى سيرتها الذاتية أنها رأت مناما، تحول إلى منهج لحياتها كلها .

"رأيتنى فى المنام جالسة فى مقعدى بحجرة الدراسة، وإذا بملاك مجنح يهبط من السماء قرب النافذة المجاورة لمكانى ويعطينى لفافة خضراء، ثم يحلق عاليا فى السماء، ولما فتحت اللفافة وجدت فيها مصحفا شريفا، لم تكن عينى وقعت على مثله فخامة وبهاء، فلما صحوت من نومى أدركت عن يقين أن حياتى كلها مرتبطة بهذا المصحف، هدية السماء فى رؤياى".

وبعد أن حفظت "عائشة" القرآن الكريم، التحقت بالمدرسة  بعد صراع مع والدها الشيخ.. "لاحظ والدى أننى لا أكاد ألقى السمع إلى ما يلقى على من دروس، فلما سألنى عما بى، تشجعت فصارحته بما يشوقنى من الذهاب إلى المدرسة مع بنات الجيرة، فكأننى نطقت كفرا، وجاءنى الرد، حازما حاسما: ليس لبنات العلماء أن يخرجن إلى المدارس الفاسدة المفسدة وإنما يتعلمن فى بيوتهن، وأمرنى فتلوت سورة "الأحزاب" إلى قوله تعالى "يا  نساء النبى لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن  بالقول فيطمع الذى فى قلبه مرض وقلن قولا معروفا وقرن فى بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا واذكرن ما يتلى فى بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا".

وتضيف "بنت الشاطئ" فى مذكراتها عن تفاصيل "المعركة" الأولى بين طموحها وطموح والدها الشيخ:

"وتدخل الجد رحمه الله لحسم الموقف، فما زال بوالدى حتى انتزع موافقته على التحاقى بمدرسة اللوزى للبنات بشروط ثلاثة: لا يتدخل ـ والدى ـ بأى طلب للالتحاق بالمدرسة، وأن أتابع دراستى الدينية فى البيت دون أن يترتب على دخولى المدرسة أى تهاون أو تقصير فى دروسى الخاصة، وأن أنقطع نهائيا عن الخروج إلى المدرسة بمجرد أن أشارف سن البلوغ".

والتحقت "بنت الشاطئ" بمدرسة اللوزى، واجتازت الامتحان وانتقلت للصف الثانى، برصيدها من المعلومات التى عرفتها من دروس والدها المنزلية، ولم تكن هذه المعركة هى الأخيرة فى مشوارها العلمى، ومن مدرسة "اللوزى" التحقت بمدرسة تسمى "الراقية"، وكانت تؤهل الفتيات للحاق بمدرسة للمعلمات تمنح المتخرجات فيها شهادة تسمى "الكفاءة" وتؤهل حاملتها للعمل فى المدارس "الإلزامية والأولية"، ومنها انطلقت إلى "الشهادة الإبتدائية" ثم "الثانوية العامة" وكانت تسمى "البكالوريا"، وجمعت بين العمل "معلمة ابتدائى" والمذاكرة، للحصول على "البكالوريا"، ومنها إلى وظيفة إدارية فى "كلية البنات"، وحصلت على البكالوريا، والتحقت بكلية الآداب فى جامعة "فؤاد الأول" ـ القاهرة حاليا، أما العمل العام فى حياتها، فبدأ باللحاق بمجلة

"النهضة النسائية"، وكتبت على صفحاتها مقالات تدعم نهضة المرأة المصرية، التى كانت تخوض حربا ضد أنصار

"عصرالحريم"، الذين يرون أن "المرأة مقرها المطبخ"، وفى الوقت ذاته كتبت فى قضايا الفلاحين وقضايا القرية، ودفعت بمقالاتها إلى "الأهرام"، ورحب بها رئيس التحرير"أنطون الجميل"، وخصص لها غرفة فى مقر االجريدة، وظلت تكتب فى الأهرام حتى يوم "26 نوفمبر 1998"، وكان رحيلها عن الدنيا فى "1 ديسمبر 1998"، وبلغت أعلى درجة فى السلك الأكاديمى، وكانت أول امرأة تحاضر فى الأزهر الشريف ويسمعها علماؤه الكبار، وكانت الكاتبة المصرية ـ الأولى ـ التى تكتب فى "الأهرام"، ولم تسبقها سوى الكاتبة الشامية  "مى زيادة"، وعملت فى تسع دول عربية، ومن خلال جامعات المملكة المغربية والمملكة السعودية والسودان والإمارات وغيرها، أسهمت فى تخريج باحثين فى مجال الدراسات الإسلامية والقرآنية، وكانت تلميذة ـ ثم زوجة ـ للشيخ" أمين الخولى" الأستاذ بالجامعة المصرية، وأشرف دكتور طه حسين على رسالتها العلمية للدكتوراه، وكان ترتيبها الدائم هو "الأولى" على كل فرقة دراسية، وعاشت حياتها مخلصة للعلم والدين، ولما رحل زوجها "أمين الخولى" بقيت ذكراه فى قلبها وعقلها، وكتبت عنه فى سيرتها الذاتية:

ـ لقد آمنت منذ اللحظة الأولى للقائنا أنه اللقاء الذى تقرر فى ضمير الغيب، منذ خلقنا الله من نفس واحدة وخلق منها زوجها.

ومازالت مؤلفاتها تزين المكتبة العربية ومن أشهرها "بنات النبى، سكينة بنت الحسين،  التفسير البيانى للقرآن الكريم، القرآن وقضايا الإنسان، بطلة كربلاء، أم الرسول آمنة بنت وهب" وغيرها من المؤلفات المهمة، ولكن الأثر الأقوى لهذه السيدة الرائدة المعلمة، هو درس العزيمة والإصرار على تحقيق الحلم رغم قسوة الظروف وجهامة الحياة.


 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - صلاة الطفولة

  ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...

سهيلة الرملى: «اتكلمى» ركزت على المسكـوت عنه فى كتب التاريخ

الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى

«السيد فى حقل الأدب».. شهادات وقـراءات كاشفة لعالم صبرى موسى

ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية

خالد أمين: وقعت فى غرام الـرعب والغموض

أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد