السر الذى قاله لى محفوظ عن أديب كبير سرق فكرته أتمنى أن تكون «نوتة» الأستاذ التى كان يدون فيها ملاحظاته موجودة لدى ابنته هذه سياحة فريدة ورحلة مختلفة إلى عالم نجيب
السر الذى قاله لى محفوظ عن أديب كبير سرق فكرته
أتمنى أن تكون «نوتة» الأستاذ التى كان يدون فيها ملاحظاته موجودة لدى ابنته
هذه سياحة فريدة ورحلة مختلفة إلى عالم نجيب محفوظ الواسع والكبير والزاخم، ما بين الشخصى الإنسانى والأدبى الإبداعى يصحبنا فيها محدثنا الكاتب والروائى الكبير محمد جبريل إلى أسرار ومواقف وتفاصيل كثيرة فى حياة صاحب نوبل، تمتد وتتواصل فى أفق واسع ومساحة عريضة وسنوات تقترب من الخمسة والستين، منذ وقعت عين الفتى محمد جبريل على رواية من روايات محفوظ القديمة، فافتتن بها وبصاحبها، وقرر حين أدركته حرفة الصحافة وعرف طريقه فى دنيا الإبداع أن يكون واحدا من مريدى وتلاميذ وأحباء عميد الرواية العربية وأستاذها.. وقد كان.. امتدت صلة محمد جبريل بنجيب محفوظ منذ منتصف الخمسينات وحتى رحيل كبير الرواية العربية فى أغسطس عام 2006.. وحفلت بالأحداث واللقاءات والمساجلات الكثيرة.. ونال جبريل شرف كتابة مقدمة لمجموعتين قصصيتين لمحفوظ بعد نوبل بسنوات قليلة.. شرف لا يدانيه سوى شرف محبة صاحب نوبل وصحبته الطويلة.
أحمد أفندى عاكف
أسأل الأستاذ محمد جبريل عن تلك البداية البعيدة فى محبة نجيب محفوظ وصحبته فيجيب: كان ذلك فى منتصف الخمسينات، وكنت فتى صغيرا دون الثامنة عشرة، حين قدمت من مدينتى الإسكندرية زائرا لعمتى فى منطقة المنيرة بالقاهرة، وكانت لى وقتها محاولات أدبية ساذجة فى الكتابة، وكنت أتردد على مكتبة المنيرة- وهى مكتبة كبيرة كانت موجودة فى حى المنيرة آنذاك على غرار مكتبات كثيرة مثلها كانت توجد بأحياء القاهرة والأقاليم فى مصر- وقد قررت بسذاجة فتى غرير أن أقرأ كل ما فى المكتبة من كتب، فلم أقرأ سوى مؤلفات المستشرق آدم ميتز الذى تخصص فى الكتابة عن الصوفية فى الإسلام، وبالصدفة وجدت على منضدة كبيرة بالمكتبة كتابا مفتوحا قلبت صفحاته، فإذا بى أطالع سطورا عن أحمد أفندى عاكف ذلك الموظف الكادح الذى يخرج من مقر عمله فلا يعود إلى بيته بالسكاكينى، وإنما يتجه إلى حى الحسين ليعتصم هناك بولى الله خوفا من قنابل الحرب العالمية الثانية التى كانت تأثيراتها على العالم كله كبيرة، والذى يضحى بحبه من أجل شقيقه الأصغر رشدى، كانت رواية خان الخليلى لعمنا الكبير نجيب محفوظ، أحببت خان الخليلى وأحببت أحمد عاكف وأحببت نجيب محفوظ، واعتبرته الروائى الذى يجب أن أحبه وأن أقتدى به إن أردت أن تكون لى بصمة فى عالم الرواية، ومنذ ذلك التاريخ البعيد صرت مفتونا بالأستاذ أسيرا لقصصه ورواياته عائشا بكليتى فى عالمه الواسع، عدت إلى الإسكندرية ولا يفارقنى إبداع نجيب محفوظ، فقرأت زقاق المدق والقاهرة الجديدة والسراب وبداية ونهاية التى كانت آخر ما كتب محفوظ آنذاك، وظللت أتتبع كل ما يصدر له من إبداعات عظيمة وصرت متخصصا فى نجيب محفوظ وأدبه.
وحين جئت إلى القاهرة للاستقرار بها وبحثا عن عمل فى الصحافة كانت أولى أولوياتى هى أن ألتقى بالأستاذ نجيب، وبعد أن بدأت العمل بجريدة الجمهورية، ومن بعدها المساء، سألت وعرفت أن الأستاذ يعقد ندوة أسبوعية فى كازينو أوبرا، طبعا ذهبت إلى تلك الندوة، وكان أملى أن أجلس إلى جوار محفوظ مباشرة، لكننى وقتها كنت "أجبن" من أن أحاول الجلوس بجانبه، كانت هناك شخصيات كبيرة تحضر تلك الندوة مثل أحمـــد عبـــــــاس صالــــــح، وتوفيق حنا وعبدالقادر القط وأحيانا الكبير يحيى حقى، ورغم أن محفوظ لم يكن وقتها قد بلغ الخمسين لكنه كان النجم الأوحد فى تلك الندوة، ليس لأنه صاحبها ولكن لشخصيته الكاريزمية ولعبقريته وتفرد إبداعه.
حضرت أكثر من مرة، وقررت ذات ندوة أن أجرى مع محفوظ حوارا للمساء، فذهبت إليه وقلت له: أستاذ نجيب أريد أن أجرى معك حوارا لجريدة المساء، فقال لى بالحرف الواحد: طيب هات لى أسئلة وأنا أرد عليك، وقدمت له الأسئلة.. وفى الأسبوع التالى جاء بإجاباته عنها، وكانت إجابات مختصرة ومقتضبة، لكنى فرحت بها جدا ونشر الحوار، وكنت قد أعطيته تليفون الجريدة، فاتصل بى بعد نشر الحوار وشكرنى كثيرا، وقال لى فى نهاية تلك المكالمة: أبقى أشوفك، ومن يومها أصبحت مريدا قريبا فى حضرة شيخى نجيب محفوظ، وتوطدت علاقتى به كثيرا، وبعد أن كنت أجبن عن الجلوس بجواره صرت أجلس معه بمفردى لأوقات طويلة نتجاذب أطراف الحديث فى أمور كثيرة، وتعددت الأماكن التى صرت أجلس إليه فيها، وحتى ندوة كازينو أوبرا كنت أجلس معه وحدى لبعض الوقت فى جانب من الكازينو، وحين يجتمع أغلب رواد الندوة يأتى أحدهم ليقول له: أستاذ نجيب عايزين نقعد، فينتقل وأنتقل معه إليهم.
مثقف موسوعى
يضيف محمد جبريل: كان نجيب محفوظ يشجعنى كثيرا على الكلام، وكان أبعد ما يكون عن أن يتعالى عليّ أو على غيرى خلافا لكثيرين من كتاب كبار كانوا يتعالون على الشباب، ويشعرونهم أنهم فى حضرة كبار، نجيب محفوظ لم يكن كذلك أبدا، كان الرجل يكلمنى فى أشياء أجهلها وهو يعلم تماما أننى أجهلها، ومع ذلك يقول: أصل الموضوع الفلانى زى ما انت عارف كذا أو فلان زى ما انت عارف كذا، ولو قلت أنا ملاحظة ساذجة مثلا يمر عليها ولا يتوقف عندها، فيكمل كلامه حتى لا يفقدنى الثقة فى نفسى وأنا جالس فى حضرته... فى حضرة كاتب كبير.. ونجيب محفوظ لم يكن مجرد مبدع كبير فقط، لكنه أيضا كان مثقفا كبيرا جدا.
أذكر أننى حضرت لقاء جمع بينه وبين عدد من كبار الكتاب والأدباء والنقاد عقب نشر الحلقة الأخيرة من رواية "أولاد حارتنا" بالأهرام عام 1959، وفى هذا اللقاء جاء عدد من النقاد وهم محتشدون لتوجيه سهام النقد لمحفوظ حول الرواية العاصفة وقالوا له: إنت عملت إيه؟.. أخذت قصص الأنبياء وأعدتها بصياغة عصرية، فقال لهم: أنا مش معترض بس المهم أنا كتبتها ازاى فقالوا له: فى النهاية انت أخدت من القرآن نفس هذه القصص فقال لهم متحديا: هاتولى عمل لم يتاثر بأعمال سابقة! فأجابوه بأن هناك أعمالا غير مسبوقة، فتحداهم مرة أخرى، هاتوا لى ما يؤكد كلامكم، فتوالت أسماء الأعمال الأدبية الشهيرة على ألسنتهم: رواية كذا.. مسرحية كذا.. كتاب كذا، فكان يجيبهم بكل تدفق ومعرفة وفهم وعمق مستمد من قراءاته لهذه الأعمال، ليثبت لهم أن كل عمل ذكروه كان متأثرا بعمل أو أعمال أخرى سبقته، لدرجة أن أحمد عباس صالح رفع يده وقال له مشدوها بعبقريته: لقد انتصرت يا نجيب.
كان محفوظ مثقفا موسوعيا كبيرا، تشعر كأنه "قاعد ومتفرغ للقراءة فقط.. فلم يكتب إلا حين قرأ كثيرا جدا وأكثر مما يتخيل أحد.
مساجلات أدبية
وأسأل الأستاذ محمد جبريل عن تلك المناقشات والمساجلات الأدبية التى كانت تحدث بينه وبين الأستاذ، فيقول:
بعد أن توطدت علاقتى بالأستاذ كنت أتردد عليه بشكل يومى وهو موجود بمكتبه بمؤسسة دعم السينما خلف سوق التوفيقية.. وكنت أجلس معه ساعتين من الثانية عشرة إلى الثانية ظهرا أناقشه فى كل شىء.. وفى واقع الأمر لم تكن مجرد دردشة، لكننى كنت أنجز أيامها كتابى "مصر فى قصص أبنائها المعاصرين" الذى بلغت صفحاته 4500 صفحة، وكنت أستفيد كثيرا من آرائه، وكان هو فى مقدمة من تناول الكتاب قصصهم، وظلت جلساتى مع الأستاذ مستمرة ومتواصلة فى مؤسسة دعم السينما وغيرها، ناقشته مثلا فى رواية الأجيال، وتكلمنا فى ثلاثيته وفى شجرة البؤس لطه حسين، وفى رواية فى قافلة الزمان لعبد الحميد جودة السحار.. وساعتها سألنى الأستاذ عن رأيى فى شجرة البؤس و«فى قافلة الزمان»، وإن كانتا روايتى أجيال أم لا، فقلت له إن «فى قافلة الزمان» هى رواية أجيال، أما شجرة البؤس فهى ليست كذلك؛ فهى تتناول جيلى الأب وابنته فقط، وسألنى كذلك عن رواية عودة الروح للحكيم فقلت له: يا أستاذى إنها تدور فى إطار زمنى لا يتجاوز سنوات قليلة جدا؛ فهى أيضا مثل شجرة البؤس لا تصلح رواية أجيال، ثم وقف محفوظ فجأة وأغلق الباب وقال لى: ساقول لك سرا؛ فى ندوة كازينو أوبرا ذكرت أننى بصدد كتابة رواية أجيال "يقصد الثلاثية"، وكان أحد أصدقائى من الأدباء الكبار موجودا، وسمع ما قلت واختفى بعدها عن الندوة تماما، وجاء بعد ستة أشهر وقد ألف رواية أجيال، حتى يكون له السبق، لكنها لم تكن رواية متفوقة؛ ذلك أنه كتبها سريعا، وذكر لى الأستاذ اسم صديقه لكنه طلب منى ألا أذكر اسمه أبدا، ولذلك أحتفظ بالاسم لنفسى امتثالا لرغبة الأستاذ.
ومرة أخرى اتصل بى الأستاذ فى مكتبى وسألنى: هل شاهدت مسرحية بيكيت الجديدة "لعبة النهاية"، فقلت له: لم أشاهدها لكنى قرأت عنها، وبيقولوا ما حدش فاهمها حتى بيكيت نفسه، فقال لى: كل ده كلام فارغ مافيش عمل فى الدنيا يستحق أن يكون فنا وما يكونش مفهوم وعلشان كدة باكلمك تعالى لى علشان أكلمك فى الموضوع ده، وذهبت إليه فى مؤسسة دعم السينما، وقال رؤيته كاملة للمسرحية، وكان رأيه أن أى عمل دون تيمة ودون حدوتة لا يصلح أن يكون عملا فنيا، فالغموض المطلق لا يصنع عملا حقيقيا، ونشرت حواره معى ورؤيته فى "المساء".
وبمناسبة المسرح أذكر أننى تحدثت معه مرة عن المسرحيات الحوارية الست التى كتبها بعد نكسة 67 ولم يتوقف عندها الكثيرون، وقلت له فيها نقدا صريحا؛ فهى مسرحيات تفتقد الدراما تماما، وتعيبها المباشرة الصارخة فقال لى: أنا لو هاوصل للناس عن طريق فن المقامة هاكتب مقامة، أنا يهمنى الوصول للناس.. فى هذا الوقت والظرف الصعب بعد النكسة.
رحلة فى إبداع محفوظ
ويواصل الأستاذ جبريل: تحدثت مع الأستاذ فى أغلب أعماله التى أبدعها، والتى كان يتوالى نشرها، وتوصلت إلى أن الهم الأساسى لنجيب محفوظ فى أعماله كلها كان يتمحور فى ثلاثة أركان أو قيم مهمة جدا؛ هى الدين والعلم والعدالة الاجتماعية، والأمر بالنسبة لى هو أن العدالة الاجتماعية فى أعمال الأستاذ كانت عربة يجرها جوادان هما الدين والعلم، ولكل من هذه القيم عمل يشير إليه ويعتبر رأس حربة بالنسبة له.. أولاد حارتنا للعلم والحرافيش للعدالة الاجتماعية ورحلة ابن فطومة للدين.. وقد طرحت عليه هذه الرؤية التى كونتها لأعماله فلم ينكرها، ودائما كان يقول لى: تستطيع أن تعرفنى وتتعرف علىّ من خلال أعمالي.. لكن طبعا –هناك تنويعات كثيرة لأفكار وتيمات مختلفة يمكن تبينها فى أعمال محفوظ؛ فقد شغلته على سبيل المثال فكرة الموت وهى تتضح تماما فى مجموعة دنيا الله؛ فالسيد فى هذه المجموعة هو الموت وهى مجموعة فاصلة لأنها مرحلة ما بين الواقعية الطبيعية التى توقفت عند بداية ونهاية، ثم بدأ بعدها ينتقل نقلة أخرى مع أولاد حارتنا، والمرحلة الرمزية التى بدأت تتضح مع الطريق والشحاذ وقد شغلته فيهما فكرة ما بعد الوجود.. ما بعد الحياة.. وفى نفس الفترة كتب محفوظ رواية اللص والكلاب التى كانت استثناء من المرحلة الرمزية، وقد كتبها بعد أن تفاعل وانفعل مع قصة السفاح محمود أمين سليمان، وقد أكد هو هذه الحقيقة فى مقال كتبه عن الرواية.. وقد قال يحيى حقى إنه كان يدخل إلى نجيب محفوظ فى مكتبه بمصلحة الفنون فيجده ماشيا جيئة وذهابا واضعا يديه خلف ظهره، فيسأله عما يشغله، فيجيبه بأنه يفكر كثيرا فى قصة السفاح.. ليخرج لنا بعدها برائعة اللص والكلاب وبطلها سعيد مهران، وهى الرواية التى ناقشت فكرة العدل وفكرة القهر الذى تعرض له سعيد مهران بطل الرواية ليصبح مجرما خطيرا.. وفى الشحاذ مثلا يمكن أن نتبين أن شخصية بطل الرواية عمر الحمزاوى هى نفسها شخصية نجيب محفوظ.. مشكلة محفوظ فى الواقع والحياة كانت هى نفس مشكلة الحمزاوى فى الرواية أنه يريد أن يؤمن ابنتيه تأمينات شتى، ولا أدرى لماذا كانت فكرة الموت تلح على محفوظ فى الحقيقة مبكرا - وقد رزقه الله العمر الطويل- فكان يريد أن يحتفظ لابنتيه بما يكفل لهما الحياة الميسورة حال رحيله.. وفى الشحاذ كتب ما يشبه هذا.. كتب أن الحمزاوى يريد أن يؤمن ابنتيه تأمينات شتى، ووقت كتابة الرواية كانت ابنتا محفوظ طفلتين صغيرتين..وفى نفس الوقت كان الأستاذ يبحث فى فكرة الحياة والموت والكون إلى أن ينتهى إلى تلك النهاية الصوفية حين يقول: إن كنت تريدنى حقا فلم هجرتنى؟.... هذه الأفكار الوجودية كانت إرهاصاتها عند محفوظ قد بدأت بشكل واضح فى مجموعة دنيا الله التى تبقى دليلا إلى فكر محفوظ وما يشغله، ولذلك هى مجموعة مهمة.. وسبقتها -فيما يتعلق بالأفكار الوجودية ايضا لدى محفوظ - روايته الشهيرة أولاد حارتنا التى اشتغل فيها محفوظ على تيمة العدل الاجتماعى والحرية، وكذلك القضايا الفلسفية الكبرى مثل فكرة الموت والعدل والخلود، وربما كتب محفوظ ملحمة الحرافيش بعد أولاد حارتنا بسنوات قليلة جدا، لكنه أخر إصدارها إلى عام 1977؛ فالحرافيش هى صياغة جديدة وامتداد متطور لأولاد حارتنا، لكن أكثر التصاقا بالواقع وأكثر فنية، ففيها أيضا تيمة البحث عن العدل والحرية والمساواة والقضايا الإنسانية والفلسفية الأخرى، ورأيى الخاص أن محفوظ كتب "الحرافيش" بعد "أولاد حارتنا" بفاصل زمنى قصير.. وهو فعل ذلك من قبل؛ فقد احتفظ مثلا بأربع روايات فى درج مكتبه خلال الفترة التى جذبه فيها صلاح أبو سيف إلى عالم السينما ليكتب السيناريو، ورأيى أيضا أن محفوظ لم يكتب رواية بين القصرين التى شتم فيها الملك فؤاد قبل 52 كما هو شائع وإنما كتبها بعد الثورة.
أيام وذكريات
وأسأل الأستاذ جبريل عن بعض تلك الذكريات الجميلة التى يحتفظ بها لأيامه فى صحبة صاحب نوبل فيتذكر:
نجيب محفوظ كان قادرا على إثراء أى تجربة، وحين كنا نريد أن نضيف نوعا من الإثراء والزخم والروح الجديدة على صفحات "المساء" كان المسئولون فى الجريدة يقولون لى: اعمل لنا حوارا مع نجيب محفوظ، وبالمناسبة كنت وزميلى الفنان التشكيلى والقاص صلاح طنطاوى سباقيْن إلى الاحتفال بعيد ميلاد محفوظ الخمسين عام 1961 قبل أن يأخذ منا محمد حسنين هيكل الفكرة ليحتفل بها فى الأهرام، وكان صلاح طنطاوى مفتونا مثلى بإبداع نجيب محفوظ، وتحولنا أنا وهو إلى مجذوبين من مجاذيب الأستاذ، واصطحبنى طنطاوى ذات مرة إلى زقاق المدق وهو يتخيل الشخوص والأماكن فى رواية زقاق المدق، وكيف أن محفوظ استلهمها من أرض الواقع فعلا، وكذلك ذهبنا إلى قصر بشتاك فى مواجهة سبيل كتخدا، وهو المكان الذى اختاره محفوظ ليكون بيتا لأسرة السيد أحمد عبد الجواد فى بين القصرين، وكان طنطاوى يشير إلى شرفة معينة ويقول لى: هنا كانت تقف عيشة، وهذه هى المشربية، وهنا كان يقف بائع العصير، وللأسف مات طنطاوى دون أن يعرف نجيب محفوظ أن واحدا من مجاذيب رواياته العظيمة كان يتتبع مشاهدها وأحداثها فى أحياء القاهرة القديمة، وكأنها حدثت بالفعل على أرض الواقع.
قال لى طنطاوى نريد أن نحتفل بعيد ميلاد نجيب محفوظ الخمسين، ورسم عدة بورتريهات تصور الشخصيات التى أبدعها محفوظ فى رواياته، واتصلنا بالزملاء فى الصحف وأخبرناهم أننا سنحتفل بعيد ميلاد نجيب محفوظ الخمسين، واتصلنا بالطبع بمحفوظ فوافق ورحب بالحضور، ورغم ضعف إمكانياتنا المادية أنا وصلاح حجزنا قاعة فى نادى موظفى الدولة بجوار مسجد الكيخيا بوسط البلد.. وبالفعل أقمنا الحفل فى ليلة صاخبة، وجاء عدد هائل من الكتاب والصحفيين، وجاء نجيب محفوظ وجاء يحيى حقى الذى كان نجما فى الحفل، وأذكر أن الأستاذ حقى وقف أمام بورتريه عيشة الذى رسمه طنطاوى وقال بتأثر بالغ: "الست دى اتظلمت قوى فى حياتها"، وأدركت ساعتها كم كان تأثير محفوظ عظيما حتى على زملائه من كبار الأدباء.. وبعدها أخذ هيكل الفكرة وأعاد تكرارها فى الأهرام، وأقام عيد ميلاد آخر لنجيب محفوظ بحضور أم كلثوم وتوفيق الحكيم وغيرهما.
وتواصلت علاقتى بمحفوظ، وأجريت حوارات كثيرة جدا معه نشرت وضمنتها فى كتابى "نجيب محفوظ.. صداقة جيلين" الذى صدر فى حياة الأستاذ.
ولذلك حين قيل بعد فوز محفوظ بنوبل إن نجيب قد اكتشف بعد جائزته العالمية الأشهر.. رددت وكتبت وقلت إن نجيب محفوظ كنز نحن الذين اكتشفناه، وليس أولئك الذين اقتربوا منه بعد نوبل.
ولذلك اندهشت كثيرا من تلك الهجمة التى تعرضت لها حين طلب منى سعيد السحار فى تسعينيات القرن الماضى، وبعد نوبل بسنوات قليلة أن أكتب مقدمة لمجموعتين مبكرتين جدا من أعمال محفوظ، هما فتوة العطوف وصدى النسيان وبموافقة الأستاذ وترحيبه.. وكتبت فى تلك المقدمة أنها عبارة عن كلمات محبة للأستاذ من تلميذه، وليست مقدمة ولا تقديما، ولكن قيامة الكثيرين من المثقفين قامت، واتهمنى بعضهم بأننى أقحم نفسى على نجيب محفوظ، وجاء الصحفى الأستاذ ماجد حبتة الذى أثار القضية وجلس مع سعيد السحار الذى اتصل بالأستاذ نجيب وطلب رأيه فى مسألة كتابة محمد جبريل لمقدمة مجموعتيه القصصيتين، فأبدى الرجل العظيم صاحب نوبل موافقته وترحيبه؛ ذلك أن الرجل كان وفيا دائما لأصدقائه القدامى الذين أحبوه وأخلصوا له واحتفوا بإبداعه العظيم قبل أن يحصل على نوبل بسنوات طويلة.. ولا أتجاوز الحقيقة حين أقول إنه بالنسبة لى شخصيا كان الأستاذ يعتبرنى صديقا قريبا، وكان يهدينى إبداعاته المتوالية بكلمات رقيقة طيبة وبخطه الجميل، وكان ينادينى دائما بالأستاذ جبريل بفتح الجيم وليس كسرها.
ويواصل جبريل: ومع ذلك وعلى مشاعر المحبة التى حظى بها محفوظ من أغلب المبدعين والمثقفين والجمهور العادى لشخصه وإبداعه، فلم يسلم من بعض النقد.. وأذكر أن محفوظ تعرض فى فترة من الفترات للهجوم عليه من عبد العظيم أنيس ومحمود عبد المنعم مراد ومحمود أمين العالم أصحاب الواقعية الجديدة.. وكانوا يقولون فى نقدهم لمحفوظ إنه اهتم فقط بالطبقة الوسطى ونسى طبقة البروليتاريا، وأنا أندهش طبعا من هذا النقد.. وهنا أضرب مثالا ببعض شخصيات محفوظ، أليس جعدة الفران وزيطة صانع العاهات والمعلم كرشة شخصيات بروليتارية صميمة! وكان محفوظ مستاء جدا، وقال لى: هؤلاء حين يكتبون نقدا فإنهم يكتبون ضدي، لكن فيما بعد غير هؤلاء المنتقدون مواقفهم بعد أن أدركوا عظمة إبداع محفوظ، لدرجة أن محمود أمين العالم ألّف كتابا عن الأستاذ.. ربما كانوا فى السابق شبابا صغارا نسبيا يطمحون للتنظير وحاولوا أن يجدوا فى محفوظ هدفا لهم، وكان لديهم حماس زائد عن اللزوم، وفى الناحية المقابلة كتبت وكتب غيرى كثيرون عن محفوظ باعتباره الروائى الكبير الأهم والأكثر إبداعا وتفوقا، ولا ننسى أن نجيب سرور كتب مقالا ت نشرت على حلقات عن نجيب محفوظ تعطيه حقه الذى يستحقه باعتباره روائيا كبيرا متفردا، ونشرت بعد ذلك فى كتاب، وكتب طه حسين مقالا رائعا عن "بين القصرين" فى "الأهرام".
وأذكر أيضا أن يوسف السباعى نشر رواية بين القصرين فى مجلة الرسالة الجديدة، وأسهمت بشكل كبير فى تعرف قطاع غير قليل من القراء على نجيب محفوظ وأدبه، وفاز عنها محفوظ بجائزة الدولة فى الأدب، غير أن السباعى لم ينشر بعد ذلك قصر الشوق والسكرية، ولم أعرف سببا لذلك.
وفى كل هذا كان الأستاذ عازفا تماما عن الأضواء والظهور الإعلامى.. وأذكر أن البرنامج الثانى قرر عمل حلقة عن "بين القصرين" يناقش فيها يحيى حقى نجيب محفوظ حول روايته، وذهب حقى ولم يذهب محفوظ، فحدث النقاش والحوار بين حقى والمذيع الذى قدم الحلقة، وحين يعزف كبير مثل محفوظ عن الأضواء فهو ترفع وانشغال بما هو أهم، وهو الإبداع والقراءة والكتابة.. وبمناسبة "بين القصرين" التى كتبها محفوظ فى بيت أسرته الكبير بالعباسية أذكر أننى التقيت ابن شقيقه عبد العزيز، وذكر لى أن عمه نجيب حين كان يكتب رواية بين القصرين كان يغلق على نفسه الباب باستمرار، وحين كنا نقدم إليه الطعام كنا نقدمه من وراء الباب، وكان يفتح لنا ووجهه يتصبب بالعرق.. وبمناسبة كلام ابن شقيقه أقول إننى احترمت تماما رغبة محفوظ فى عدم الحديث عن حياته الخاصة على الإطلاق، ولم أزره فى شقته مطلقا، ومرة سألته كيف تكتب فأجاب أكتب على السفرة، وأضع ستارة بينى وبين بقية الشقة، فسألته طيب وإن جالك ضيوف؟، قال يقعدوا مع ابنتيّ وزوجتى لأنه لا يأتينى ضيوف غير عائلتي.. فقلت له طيب لو حبوا يقعدوا معاك فأجابنى سريعا: يبقوا عايزين يعطلوني.
"نوتة" الأستاذ
ويضيف محمد جبريل: كان لويس عوض - الذى قرأ محفوظ متأخرا باعترافه- صادقا تماما حين قال إن نجيب محفوظ مؤسسة.
وأنا أضيف أن محفوظ كان يفكر فى إبداعه طوال الوقت وفى شخصياته وأبطاله وحكاياتهم وسردياتهم ولم يترك شيئا إلا واستفاد به، وهنا أذكر على سبيل المثال أننى كنت أسير فى شارع الأزهر ولفتتى لافتة لأحد تجار الشارع باسم فلان الرحيمي، وتذكرت مباشرة شخصية صابر الرحيمى فى رواية الطريق، وقلت لنفسي: لابد وأن اسم الرحيمى هذا لفت نظر الأستاذ، وهو كثيرا ما كان يسير فى شوارع القاهرة القديمة فاختاره كلقب لبطل الرواية.. وهو ما فعله محفوظ بالنسبة لاسم احمد عاكف فى خان الخليلى وقد كان الاسم لموظف طيب حظى بمحبة محفوظ أثناء رحلته الوظيفية الطويلة.. محفوظ كان يستلهم من الواقع ومن الحياة ليس فقط اسماء الشخصيات ولكن أفعالهم وسلوكياتهم ومسارات حيواتهم.. ومثلا كانت المرايا سيرة ذاتية لأشخاص عرفهم نجيب محفوظ جيدا وكتب سيرتهم، لكنه اختار لهم أسماء غير أسمائهم الحقيقية؛ فقد كان له رأى سلبى فى كثيرين منهم.. وبالمناسبة كان نجيب محفوظ خبيرا بالحياة وبصنوف البشر، وفى "المرايا" يمكن أن نكتشف جانبا من جوانب شخصية وحياة محفوظ؛ ففى "المرايا" قال كلاما كثيرا عن صلاته بنساء كثيرات وبالمجتمع عموما، وهو قد وصف نفسه بقوله: كنت شوارعيا بكل معنى الكلمة.. وهو هنا يقصد أنه اختبر الحياة وعاشها وليس شيئا آخر.. نجيب محفوظ كان لديه نوتة يدون فيها كل شىء يرى أنه يستحق التدوين، ولا أدرى أين ذهبت هذه النوتة، وأتمنى أن تكون ما زالت موجودة لدى ابنته أم كلثوم.. وقد رأيته فى يوم عيد ميلاده السادس والخمسين الذى وافق الحادى عشر من ديسمبر عام 1967، أى بعد نكسة يونيو بخمسة أشهر فقط يفتح هذه النوتة ويكتب بمناسبة يوم عيد ميلاده ثلاث كلمات فقط هى "عيد ميلاد زفت" حزنا بسبب ما حدث فى النكسة.
فلسفة حياة
أخيرا يقول محمد جبريل: ذات مرة قلت لنجيب محفوظ: يا أستاذ فى الغرب يكون للمبدعين الكبار فلسفة حياة، يعنى مثلا الأبطال عند هيمنجواى يسقطون سقوطا أقرب للانتصار.. سقوط مشرف مثل سنتياجو فى العجوز والبحر، وفلسفة البير كامى مثلا أن الحياة عبث لكن لا ينبغى إطلاقا أن نستسلم لهذا العبث.. وساعتها رد عليّ محفوظ قائلا: بالنسبة لى يمكن أن تعثر عليّ فى أعمالى جميعا، وهو هنا لا يريد أن يقول إن له فلسفة حياة.. غير أننى سألته عن شخصية سعيد مهران فى اللص والكلاب وعن الخيانة التى تعرض لها من زوجته وصديقه رؤوف علوان فقال لي: من يسقط فلنعتبره شهيدا.. وهو هنا كما بدا فى الرواية لا يريد أن يدين من يسقط كسعيد مهران، فالإدانة الأكبر على المجتمع وعلى الآخرين الذين يدفعون البطل إلى السقوط.. كان نجيب محفوظ إنسانا حتى مع أولئك الذين شاءت قريحته المبدعة العبقرية أن يكونوا مجرمين فى رواياته.
انتهى الكلام ولا ينتهى الإبحار فى نهر الإبداع الصافى نجيب محفوظ.. فانتظرونا فى الحلقة القادمة.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
في كثير من المنازل السعودية تتكرر شكوى شائعة بين المستخدمين، وهي أن بعض الأجهزة المنزلية تتعطل مرة أخرى بعد فترة...
في عالم الاشتراكات الرقمية، لا يبحث العميل عن المنتج فقط. هو يبحث عن تجربة كاملة تبدأ من لحظة دخوله إلى...
فى ذكرى ميلاده الخامس والتسعين أحدث نقلة فى المسرح الشعرى العربى.. وحرر المسرحية الشعرية من القصيدة الغنائية كان سابقا فى...
الرواية التاريخية مغرية لأى كاتب لا يوجد قالب جاهز أو كتالوج يلتزم به الكاتب اعتبر نفسى كاتبة نسوية