فاروق سلامة: بليغ حمدى منعنى من التلحين لميادة الحناوى

يعشق فاروق سلامة المغامرة، إلى حد أنه قرر مرة أن يسافر من بيته إلى فرنسا بسيارته، فقطع بها الطريق الساحلى مارا بليبيا وتونس والجزائر حتى وصل إلى المغرب، ومن هناك

يعشق فاروق سلامة المغامرة، إلى حد أنه قرر مرة أن يسافر من بيته إلى فرنسا بسيارته، فقطع بها الطريق الساحلى مارا بليبيا وتونس والجزائر حتى وصل إلى المغرب، ومن هناك حملته الباخرة بسيارته إلى إسبانيا، ومن مدريد قاد سيارته إلى باريس!

بتلك الروح المغامرة العاشقة للحياة عاش يبحث عن الجديد ويقتحم المجهول. ملك الأكورديون فاروق سلامة ما زال يحكى لنا عن مغامراته فى الحياة والفن.

(1)

طول عمرى أعشق السفر، لفيت الدنيا شرقها وغربها، ولى فى كل بلد ذكريات وأصدقاء، وكنت أحرص على أن أعود من كل بلد أزوره بمجموعة من الاسطوانات الموسيقية، مرة مثلا رجعت من الهند باسطوانات عليها موسيقى هندية، وقتها كان بليغ حمدى من أقرب أصدقائى ولا يمر يوم دون أن نلتقى، قلت له: تعالى اسمع معى الاسطوانات الجديدة، سمع وانسجم وقال بحماس: الله دى حلوة قوى!

أيامها كان بليغ يلحن أغنية "بعيد عنك" لأم كلثوم، وأنا فاكر واقعة لا تُنسى فى الأغنية دى، كانت الست لسه فى مرحلة البروفات على اللحن، وكما قلت من قبل إنها كانت تجرى بروفات عديدة على كل غنوة لغاية الفرقة ما "تشرب" اللحن ولا تحتاج إلى النوت الموسيقية.

لكن حدث أن الرئيس عبد الناصر طلب منها أن تغنى الغنوة الجديدة فى الحفل السنوى الذى يقام بنادى الضباط بالزمالك فى ذكرى ثورة يوليو، وكانت مشكلة بالنسبة لأم كلثوم لأنها لا تستطيع أن ترفض طلبا للرئيس.. وكان الحل أن يكون بليغ جالسا مع الفرقة الموسيقية منعا لأى غلطة.

أنا فاكر الحفلة دى بالذات، لأنى مفروض ليلتها أن أكون مع الفرقة الماسية وقائدها أحمد فؤاد حسن لمصاحبة عبد الحليم حافظ فى فقرته، ووصلنا فعلا إلى نادى الضباط، وفوجئنا بمن يبلغنا أن الحفل سيقتصر فقط على فقرة أم كلثوم!

كنت من أقرب أصدقاء بليغ وقتها، والعديد من أشهر ألحانه وقتها سمعتها منه قبل أن تخرج للنور.. مثلا أغنية "أنا بستناك " لنجاة، أذكر أن بليغ كان فى سيارتى وأحنا ماشيين على كورنيش الإسكندرية، كان قاعد يدندن اللحن ومنسجم من منظر البحر، قلت له تعالى أفرجك على منظر أحلى من ده، وأخذته ورحنا "الأزاريطة"، كانت بنات البلد الجميلات يرتدين "الملاية اللف" وبمجرد وصولهن للبحر يخلعن الملايات بدلال ويفرشنها على الشط ويجلسن عليها، ونسى بليغ اللحن وراح يتفرج باستمتاع على المنظر، كنا فى ساعة الغروب وجلسنا فى السيارة نتابع المشهد حوالى ساعة.. ورجعت بليغ بعدها على شقته فى "استانلى"، وكانت شقة صغيرة أوضة وصالة اشتراها أيام زواجه من وردة، ولحن فيها أغانى كتير.

وفاكر كمان لحن "على حسب وداد قلبى"، كان بليغ عامل اللحن فى الأساس علشان تغنيه إلهام بديع، وهى مطربة شعبية اشتهرت بأغنية "يا حضرة العمدة "، وأخذ بليغ منها عربونا وكانت تستعد لتسجيلها بصوتها.. لكن حصل وقتها أن المياه عادت لمجاريها بين بليغ وحليم بعد فترة انقطاع طويلة انشغل خلالها بليغ مع أم كلثوم.. أيامها بليغ عمل تجربة مهمة جدا مع محمد رشدى فى الشعبيات خلت عبد الحليم يغير ويسعى لاسترداد بليغ والشغل معه.

حليم قال له فى أول قعدة: سمعنى الجديد عندك، وكان من ضمن ما سمعه لحن "على حسب وداد قلبى"، حليم أول ما سمع اللحن "شبط" فيه وقال لازم أغنيه، يا عم يهديك يرضيك دى إلهام بديع دافعة عربون وداخله تسجله، حليم صمم وقال لبليغ رجع لها العربون الأغنية دى بتاعتى، وكان الموقف فى غاية الإحراج بالنسبة لبليغ، وإلهام بديع زعلت وهددت وكاد بليغ يطردها من مكتبه، وفين وفين لغاية لما وافقت إنها تتنازل عن اللحن مقابل إن بليغ يعمل لها لحن تانى!

(2)

ورغم علاقتى القوية والطويلة ببليغ إنسانيا وفنيا، إلا أنه اندهش جدا لما عرف أننى اتجهت للتلحين، ولم يصدق أن الشاب الذى اكتشفه كعازف أوكورديون وقدمه لأم كلثوم يمكن أن يتحول إلى ملحن ناجح.. أذكر أن بليغ ومنير مراد حضرا تسجيل لحنى لشريفة فاضل "معقولة حلاوتك دى"، والاثنان كانا "هيتجننوا" منى ومن اللحن، ووقفا غير مصدقين أننى يمكن أن أنافسهما فى ملعبهما: الأغنية الشعبية، والحقيقة أن الأغنية نجحت بشكل أكثر مما توقعت وكان الجمهور يطلبها من شريفة فى كل حفلاتها، ومن فرط إعجاب الجمهور بها وتفاعلهم معها كان بعضهم يلقى بالنقوط على قدميها!

بعدها عملت لمحرم فؤاد 3 أغانى، ورغم نجاحى كملحن فى اللون الشعبي، لكن كنت أعمل بنصيحة أحمد فؤاد حسن: أوعى تسيب الأوكورديون يا فاروق حتى لو بقيت أعظم ملحن!.. ولذلك لم أكن أرفض العزف وراء المطربين فى حفلاتهم، خاصة لما تكون الحفلات خارج مصر بحكم عشقى للسفر.

وقتها كنت متزوجا من "نوال الصغيرة" (أم ابنتى الفنانة نهلة سلامة)، وكان بليغ ييجى كل ليلة يسهر معنا ومعه شلته خاصة محمد حمزة وعبد الوهاب محمد وماهر العطار.. أيامها حصلت خلافات شديدة بينى وبين زوجتى، وحصل إن فريد الأطرش وصباح عرضا على أن أسافر معهما إلى لبنان لإحياء مجموعة حفلات، وافقت بلا تردد وقلت أروح أغيّر جو وأبعد شويه عن المشاكل، وقبل سفرى جاءنى بليغ وقال لى: لازم تحسم موضوع نوال، يا تصطلحوا يا تطلقها قبل ما تسافر، قلت: تعتبر نفسها مطلقة، وسافرت على كده.. والأمور معلقة.

وفى لبنان كان الجو مشجعا فنسيت نفسى وقعدت 3 شهور،  اشتغلت وكسبت فلوس كتيرة  واشتريت أورج كان الأحدث والأول من نوعه فى مصر، وقبل ما أنزل كلمت أم كلثوم علشان تساعدنى فى دخوله من الجمارك.. وعزفت عليه لأول مرة فى أغنية " أقبل الليل" من ألحان الأستاذ السنباطى.



وأنا فى بيروت أستعد للرجوع للقاهرة جاء ماهر العطار، وإحنا سهرانين فوجئت به يقول لى: إحنا كنا سهرانين عندك فى البيت مع بليغ والشلة، الحقيقة إنى زعلت جدا من بليغ، فلم أتصور إنه يروح يسهر فى بيتى فى عدم وجودى، ولما رجعت وعاتبته قعد يبرر موقفه ويهون من الحكاية، لكن "ما قدرتش أسامحه"!

كمان زعلت منه فى موقف آخر، ذات مرة كلمتنى ميادة الحناوى، وقالت لى: بليغ عمل لى 5 ألحان لم ينجح منها غير "كان ياما كان "، فأنا عايزاك تعمل لى لحن طويل مختلف، فعملت لها لحن "يا نعمة النسيان" وكسر الدنيا، ولما بليغ سافر سوريا لف على محلات بيع الكاسيت يسألهم عن ألبومات ميادة الأكثر توزيعا، قالوا له: نعمة النسيان!، كان ح يتجنن، بقى فاروق اللى اكتشفته من عشرين سنة وقدمته لأم كلثوم كعازف أوكورديون ينافسنى الآن كملحن؟

تانى سنة لقيت ميادة تتصل بى من الأردن وتطلب منى لحنا جديدا، قالت لى: بليغ عامل لى لحن جديد اسمه " سيدى أنا"، وعايزة منك لحن كمان أغنية مع أغنية بليغ فى حفلى القادم بالعاصمة عمان.. وفعلا عملت لها "يا مالك قلبى بالمعروف"، من تأليف محمد ياسين قاسم وتقول كلماتها: يا مالك قلبى بالمعروف / حبك كوانى تعالى شوف / دوبت قلبى شوق وحنين / وأشكى الغرام وعمايله لمين / شغلت بالى طول الليالى / مش عارفه مالى / قلبى عليك دايما ملهوف / يا مالك قلبى بالمعروف.

وخلصت اللحن وعجبها جدا وقالت هات النوت وتعالى حفظنى اللحن، وسافرت لها إلى الأردن، وحفظتها اللحن وكله تمام، وفى ليلة كنا سهرانين عند صديقتنا هالة شوكت وعرفنا أن بليغ وصل الأردن من ساعتين، فكلمناه فى الفندق وعزمناه يسهر معنا، فلما جاء سألنى عن أخبارى وشغلى الجديد، وأخبرته عن لحنى الجديد لميادة، قال لى بفضول: سمعنى كده، وكنت أعانى من صداع شديد فقلت له: مش مستعد دلوقتى، لكنه أصر فقمت وعملت قهوة حتى استعدت توازنى وأسمعته اللحن، فى البداية ظن أنه لحن فلكلورى من التراث لكنه فوجئ أنه جديد ومبتكر، ولم يعلق بليغ.

تانى يوم عرفت أنه قابل ميادة وهددها بشكل واضح: لو غنيتى لحن فاروق هطلع من هنا ع المطار، ورضخت ميادة ولم تغن "يا مالك قلبى بالمعروف" وكانت الأغنية من حظ سميرة سعيد.

ولأول مرة يخالف بليغ عادته المزمنة بعدم حضور أى حفل يُقدم فيه لحن جديد له، يعنى عمره ما حضر حفلات أم كلثوم التى كانت تغنى فيها ألحانه، لكنه هذه المرة حضر حفل ميادة وجلس فى أول ترابيزة!

 (3)

لكن رغم هذا الموقف فإن الإحباط لم يتسرب إلى نفسى، وصممت على مواصلة تجربتى كملحن، بل شعرت أن مثل هذه المواقف بمثابة شهادة لنجاحى، وأقول مواقف لأن ما حدث من بليغ تكرر من ملحن عظيم آخر هو الأستاذ عبد الوهاب.

والحقيقة أن الأستاذ عبد الوهاب كان من أعز أصدقائى واعتبره أستاذى وأحمل له كل المحبة على المستوى الإنسانى والفنى،  وأعتز أننى عزفت أغلب ألحانه وراء أم كلثوم.. لكن حصل موقف زعلنى منه..!

فى يوم عديت على الأستاذ عبد الوهاب فى البيت وفى دماغى جملة موسيقية جديدة، طلبت مقابلته ولما سمع الجملة طلب منى إنى أسجلها له، وإحنا قاعدين كلم الفنانة وردة، وسألها: إيه رأيك لو جبت لك لحن " فى يوم وليلة " الذى كان قد أعطاه لميادة الحناوى، وكانت وردة نفسها تغنيه، فقالت له بحماس: ده أنا كنت أبوسك من هنا ومن هنا، حتى أنه هزّر معها وسألها: هو جوزك فين؟ وكان بليغ وقتها فى أبو ظبى يصور برنامجه "جديد فى جديد".. وفعلا كلم ميادة وأقنعها بالتنازل عن اللحن، ومن فرحته أخرج من درج مكتبه 5 آلاف دولار وأعطاها لى وهو يقول: خد حلى بقك، الأغنية خلاص ح تبقى لوردة!

وقبل تسجيل الأغنية طلب من وردة تعزم بعض الأصدقاء كنت على رأسهم أنا والإذاعى القدير وجدى الحكيم، وبتلك المناسبة أقامت وردة عزومة عندها فى البيت، وفى نهايتها طلبت منى أن أمر عليها فى اليوم التالى، وبعد جلسة ودية حكت لى فيها عن مشاكلها مع بليغ، وكانت علاقتهما قد وصلت إلى حافة الطلاق بعد قصة الحب الكبيرة بينهما، طلبت منى لحنا، وكنت وقتها بدأت تلحين أغنية عنوانها

"معقول كده" تقول كلماتها: إن كان هواك ظالم كده / ماقدرش أعيش بالشكل ده / معقول كده / حد ينسى قلب حبه الحب ده / هنساك وهنسى كل ده /  معقول كده.. فيه قلب عاشق يعمل كده.

وهتفت وردة: هو ده الكلام اللى أنا عايزاه، وأدركت أن الكلام جاى على الجرح وكأنه يحكى عن حبها الضائع لبليغ.

قعدت شهر أحفظها فى اللحن، وكانت وردة مقتنعة به جدا، وكنت سعيدا بالتعاون معها.. لكن فجأة تدخل عبدالوهاب ليفسد كل شىء..!

ونستكمل الحكاية فى الحلقة الأخيرة فى العدد القادم


 	أيمن الحكيم

أيمن الحكيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - صلاة الطفولة

  ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...

سهيلة الرملى: «اتكلمى» ركزت على المسكـوت عنه فى كتب التاريخ

الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى

«السيد فى حقل الأدب».. شهادات وقـراءات كاشفة لعالم صبرى موسى

ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية

خالد أمين: وقعت فى غرام الـرعب والغموض

أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد