المهندس محمد الكفراوى يحكى عن الغضب المحفوظى الساطع

فى شخص نجيب محفوظ اجتمعت جوانب ومفردات الشخصية المصرية على مر تاريخها، فى جيناته خلاصة تفرد وعبقرية المصريين الذين صنعوا التاريخ، وهو فى شخصه العبقرى يعبر عن مصر وعن

فى شخص نجيب محفوظ اجتمعت جوانب ومفردات الشخصية المصرية على مر تاريخها، فى جيناته خلاصة تفرد وعبقرية المصريين الذين صنعوا التاريخ، وهو فى شخصه العبقرى يعبر عن مصر وعن المصريين فى كل أحوالهم، هو المصرى الصميم، هو المصرى أفندى، ابن النيل وابن الحضارة، هو الثائر الهادر أحيانا  قليلة نادرة، وهو الهادئ الوادع البسيط المتسامح فى أغلب الأحيان، يغضب فيكتم غضبه إلا حين يكون هذا الغضب ساطعا لا يستطيع كتمانه، ويهدأ ويتسامح فينسى ما أغضبه، يحزن فكأنه أوتى مجامع الحزن، ويسخر ويضحك ويقول النكتة فكأنه لا يعرف الحزن.. نعم هذا هو العبقرى نجيب محفوظ.. ابن مصر الكبير.. الذى نتعرف على كثير من مفردات شخصيته العبقرية فى حوار مختلف مع المهندس محمد الكفراوى، الذى كان واحدا من أصفياء أديب نوبل وأصدقائه القريبين، ويكفى أنه من أوكل إليه محفوظ  مهمة تلخيص الأخبار والأحوال، ومهمة إسماعه وهو صاحب الصوت الجهور-  كلام الجالسين من أحبائه ومريديه، فى ندوتى الأحد والأربعاء حين ضعف سمعه، وهو من اختصه أديب نوبل الكبير بجلسات خاصة، يلخص فيها له ما لم يصل إليه من أخبار فى باقى ندواته.

  الغضب المحفوظى

هل كان نجيب محفوظ يغضب وينفعل ويثور؟ يجيب محمد الكفراوى: لم يكن الأستاذ يغضب كثيرا، ولم يكن ينفعل ويثور إلا نادرا، لكنه حين يفعل كان ينطبق عليه تماما المثل القائل "اتق شر الحليم إذا غضب" وهنا أتذكر موقفين رأيت فيهما الاستاذ فى قمة ثورته وانفعاله. طبعا كلنا يعرف أن الأستاذ أيد معاهدة السلام مع اسرائيل كما فعل كثيرون من المصريين وثبتت بعد ذلك صحة هذا الموقف.. وكان هناك كاتب يسارى اسمه محمد عطية أصدر كتابا صغيرا هو أقرب للكتيب هاجم فيه بضراوة من أيدوا السلام مع اسرائيل وسماهم عملاء التطبيع وفى مقدمتهم نجيب محفوظ، وقرأ الأستاذ الكتاب فغضب وحزن لأن بعض المثقفين اتهموه اتهامات جزافية دون أن يعرفوا موقفه جيدا، وفى إحدى ندوات قصر النيل جاء محمد عطية وكأنه جاء لقدره، فقد أراد أن يناقش الأستاذ فى موقفه من قضية السلام، وفوجئ عطية وفوجئنا جميعا بنجيب محفوظ ينتفض ويقفز من على كرسيه ويمد ذراعه أمامه ويصرخ بصوت كالرعد موجها كلامه لمحمد عطية قائلا: "مش قبل ما تشتمنى تفهم أنا بأقول إيه"، وظهرت الخضة على وجه عطية وهو يقول العفو يا أستاذ.. العفو يا أستاذ.. بينما أصابنا جميعا ذهول ووجوم وخضة وخوف أيضا وصوت نجيب محفوظ يهدر كالرعد.. وتفسيرى لهذه الثورة هو أن محفوظ  أدرك بذكائه أن هناك من يريد تشويهه من أجل التشويه فقط دون أن يتبين حقيقة رؤيته التى وضح بعد ذلك وعلى مر السنوات أنها كانت صائبة تماما.. أما الموقف الثانى فقد حدث معى شخصيا.. كان الأستاذ نجيب يرى أن حزب الوفد بعد عودته إلى الساحة السياسية ليس هو حزب الوفد القديم وأن أى مقارنة بين الوفد الجديد والوفد القديم هى بالطبع ستكون لصالح الوفد القديم، بل إن الأستاذ مضى فى انتقاده الشديد للوفد الجديد إلى درجة أنه فى حديث له مع مجلة آخر ساعة فى 30 ديسمبر عام 1992 قال إن أهداف الوفد الجديد هى نفس أهداف الحزب الوطنى وأنه أحرى به أن يدخل فى تحالف مع الحزب الوطنى، وكنت وقتها أفكر فى الانضمام للوفد وكنت متحمسا أشد الحماس للحزب، فكتبت أول مقالاتى لصحيفة الوفد بعنوان "لا يا أستاذ نجيب" أنتقد فيه ما قاله الأستاذ لمجلة "آخر ساعة" انتقادا شديدا وأصف كلامه بالنكتة التى لا يحسد عليها، وحين حان موعد الندوة مع الأستاذ ذهبت كالعادة ولديّ اعتقاد بأن نجيب محفوظ لم يصله ما وجهته إليه من نقد وجلست قريبا من الاستاذ وفى مواجهته، على المقعد الذى كان يجلس عليه الاستاذ مصطفى أبو النصر الذى غاب عن الندوة فى ذلك المساء، ووقعت عينى فى عين الأستاذ فوجدته مكفهرا مكتسىياً بالغضب، وأدركت أن كل ما كتبته وفيه هجوم شديد على رأيه وحواره فى "آخر ساعة" قد وصله عن طريق الدكتور فتحى هاشم   أثناء قيامه بتوصيله  للندوة والأستاذ جالس بجواره، وتكلمت بصوت عال كى يسمعنى الأستاذ محاولا أن أذكر تفاصيل ما كتبت لأشرح له رأيى الذى هاجمته فيه فإذا بصوت نجيب محفوظ يهدر ويرعد كما حدث قبلها مع محمد عطية، ولكن لأنه كان يحبنى كثيرا ولا يريد إلا أن أعرف فداحة ما قلته فى المقال تجاهلنى تماما وهو يصرخ "فين الاستاذ مصطفى أبو النصر؟ أين هو؟ وكأنه يريدنى أن أنصرف من أمامه.. فسكتت تماما وغيرت كلامى إلى موضوع آخر حتى هدأ الأستاذ، ومع مرور الوقت والسنوات اكتشفت كم كان الأستاذ صائبا فى رأيه محقا فى كلامه، فلم يكن هناك فرق بين رجال الوفد الجديد ورجال الحزب الوطنى.

 حبايب الأستاذ

غير أن السماحة والبساطة والتواضع الشديد، كانت هى السمات الغالبة والمتغلبة فى شخص عميد الرواية العربية، وكما يقول الكفراوى: قصة تعرفى وكل مريدى الأستاذ عليه وهو الأديب الكبير والكاتب الشهير تعكس سماحة وتواضعا لا حد لهما.. ويضيف الكفراوى: كنت طالبا بالفرقة الأولى بكلية الهندسة بجامعة الإسكندرية حين وقعت فى يدى رواية خان الخليلى، كانت اكتشافا مذهلا بالنسبة لى، فهذه رواية عظيمة بكل المقاييس، أعرتها لكثير من زملائى  فوافق رأيهم رأيى وكنا قبلها بنات وبنين-  نحن زملاء الدراسة بهندسة الإسكندرية نقرأ لإحسان عبدالقدوس ويوسف السباعى فقط، فكان اكتشافى لرواية محفوظ فتحا بالنسبة لنا جميعا، وفيما بعد  كانت إحدى قريباتى صديقة لواحدة من ابنتيه بالمدرسة، فأخذت منها رقم تليفون منزل الأستاذ، وأردت الاتصال به أكثر من مرة لكننى كنت أخشى أن أحادثه تليفونيا دون سابق معرفة فيحرجنى، وسافرت إلى السعودية وعملت سنوات ثم عدت إلى مصر، وفى أحد أيام صيف 1982 كنت جالس مع صديق له فى كازينو كليوباترا القريب من بيته، والتفتت بجانبى، لأجد الأستاذ جالسا بمفرده فى حالة تأمل شديد، وقررت ألا أضيع فرصة أن أسلم عليه   فناديت على الجرسون وطلبت منه أن يخبر الأستاذ نجيب أن هناك شخصا يجلس بالقرب منه يريد أن يسلم عليه ويجلس معه خمس دقائق، وجاء الجرسون سريعا ليخبرنى بترحيب الأستاذ، وذهبت إليه وسلمت عليه، وعرفته بنفسى وجلست دقائق معدودة طلب منى خلالها أن أكون عضوا بندوته فى كازينو قصر النيل كل يوم جمعة، ثم بعد ذلك فى شبرد وسوفوتيل المعادى كل يوم أحد ويوم أربعاء من كل أسبوع، ومن وقتها ولمدة أربعة وعشرين عاما أصبحت واحدا من مريدى نجيب محفوظ وخلصائه، وأشرف أنه اصطفانى كواحد من القريبين منه، وأذكر أنه بعد نوبل ثم حادث الطعنة الغادر أن زاد عدد ندوات محفوظ  وكثر ضيوفها، ولكن كان هناك من ضيوف الندوات أصدقاء لمحفوظ اصطفاهم وقربهم وكان يحبهم جدا مثل زكى سالم وفتحى هاشم وإبراهيم عبد العزيز ونعيم صبرى وحسين عبد الجواد وعادل عزت وعلى سالم وعزيزة الياسرجى ومديحة أبو زيد والعبد لله.

ويواصل الكفراوى: محفوظ كان لديه حاسة استشعار غريبة يعرف بها من يحبونه ويخلصون له إخلاصا حقيقيا، أذكر مثلا قبل حصول الأستاذ على نوبل بحوالى أسبوعين فقط أن جاءت سيرة الجائزة العالمية فى ندوة الأستاذ فوقفت وقلت له بأعلى صوتى: أنت أجدر أديب وروائى على سطح الأرض تستحق هذه الجائزة فنظر لى وقال بصوت خفيض: لا.. أنا ما استحقهاش، فقلت بنفس الصوت العالى: كيف لا تستحق الجائزة يا نجيب بيه؟ هل تعتبرنا نحن الموجودين هنا فى الندوة بهائم؟ لقد قرأنا جميعا إنتاجك وقرأنا كثيرا من إنتاج أدباء كثيرين حصلوا على نوبل ونقول لك جميعا إن رواياتك وإنتاجك الأدبى أعظم كثيرا من إنتاج وإبداع من استحقوا الجائزة، ورأيت ابتسامة عريضة على وجه الأستاذ وبدا عليه شعور هائل بالامتنان لكلامى،  وبعد أسبوعين فاز الأستاذ بالجائزة وذكرنى الأستاذ يوسف القعيد وقتها بما قلته للأستاذ نجيب منذ أيام من أنه الأجدر بنوبل.

وبمناسبة نوبل أذكر أن من ضمن من جاؤوا لتهنئة الأستاذ بالجائزة الشاعر السورى المعروف أدونيس، كنا فى ندوة قصر النيل ورحب محفوظ كثيرا بأدونيس الذى سلم وهنأ وغادر الندوة سريعا وبعدها سألت الأستاذ سؤالا خبيثا قلت له: ما رأيك فى شعر أدونيس فأجابنى سريعا: لا أفهمه.

وقتها كان يجىء كثيرون لندوات الأستاذ للتهنئة بنوبل، أذكر منهم فاتن حمامة وعادل إمام، وكثير من الأدباء والنقاد مثل عبد الوهاب الأسوانى وفؤاد دوارة وسليمان فياض وفيصل ندا ومفيد فوزى وعبد الرحمن أبو عوف وصبرى حافظ وسمير فريد وغيرهم.

وفى إحدى المرات جاء المفكر اليسارى المعروف محمود أمين العالم، وقد ألف الرجل كتابا متميزا عن نجيب محفوظ ورحب به الأستاذ ورحبنا به، ثم دارت المناقشات فى الندوة وحدث ما كان يحدث دائما من عصف ذهنى وحوارات ومساجلات وآراء متضاربة، وجاء الحديث عن نكسة يونيو فوجه بعضنا نقدا شديدا لعبد الناصر ونظامه فانتفض محمود أمين العالم واكفهر وجهه وغضب بشدة ووقف وقال: هذا الكلام خيانة..  وانصرف غاضبا، وبالطبع لم تعجب طريقة اختلافه معنا فى الرأى نجيب محفوظ فتركه يغادر الندوة دون أن يوجه إليه كلمة واحدة ودون أن يحاول تهدئته أو استبقاءه فى الجلسة.

وبعد نوبل أثيرت حكاية غضب يوسف إدريس من فوز محفوظ بالجائزة معتقدا أنه كان الأجدر باستحقاقها: ووقتها قال محفوظ حزينا متاثرا:  يزعل ليه أنا أكبر منه سنا، وكنت وقتها أصطحب معى المهندس محمود عبدالسميع أبرز زملائى وأمهرهم فى المقاولات والإنشاءات، وكان معنا طبيب نفسى ماهر كان يعيش فى   أمريكا اسمه الدكتور سامح، ووجدتنى منفعلا للمقارنة بين محفوظ وغيره وعلقت على ما قاله الأستاذ بحزن عن غضب يوسف إدريس أنه أكبر منه سناً، وقلت بصوت عال سمعه محفوظ نفسه: سنا إيه يا نجيب بيه معنا هنا فى الندوة واحد صاحبى أشطر مهندس فى دفعتنا اسمه المهندس محمود عبد السميع  مهندس هايل جدا هل ينفع إنه يزعل أو يمتعض لما اتحاد المقاولين العالمى يمنح جائزة أفضل مهندس فى الشرق الأوسط لعثمان احمد عثمان؟! ومعنا أيضا دكتور سامح وهو طبيب نفسى ماهر جدا بأمريكا هل يغضب مثلا لأن العالم احتفل بمرور خمسين عاما على وفاة فرويد رائد علم النفس؟! وقد وقع الحدثان وقتها- فوز عثمان والاحتفال بفرويد -.. إيش جاب لجاب انت أعظم روائى فى العالم، وبالطبع نحن نعرف أن الدكتور يوسف إدريس أستاذ القصة القصيرة لكن مفيش مقارنة يا نجيب بيه، وهنا لمعت عينا الأستاذ تحت نظارته وارتسمت علامات الرضا والفرح على وجهه.. وبعد انتهاء الندوة أراد أن يعبر لى عن امتنانه على الطريقة المحفوظية، وكان من عادته أن يسلم على كل الحاضرين وهو يغادر المكان، وسلم علىّ وبعدها بدقائق وقبل أن يغادر نادانى قائلا: كفراوى.. أنا سلمت عليك ثم مد يده لكى يسلم علىّ مرة أخرى.

  حكايات

 هذا البسيط المتواضع بشدة كان عزيزا وقويا وشامخا حين يتعلق الأمر بمن يعتقدون أنفسهم فوق الأصول والأعراف، ومثلا جاءت صحفية من النيويورك تايمز تطلب إجراء حوار معه بغير سابق ميعاد فأشاح عنها ورفض إجراء الحوار معها واستمر يوجه كلامه إلينا وانصرفت غاضبة، وجاءت كاتبة وأديبة فرنسية إلى ندوة شبرد وسألت عنى وقالت لى إن زوجة الأستاذ السيدة عطية الله تطلب منك أن تسهل لى مهمتى وطلبى فى أن أحاور الأستاذ وأستمع منه.. وكان ذلك بعد حادث الطعنة وفى أواخر حياة الأستاذ، وكنت أعرف أنه لن يوافق لأنه لن يستطيع الكلام الكثير، فقد كان يحب أن يستمع، ونقلت للأستاذ رغبة الصحفية الفرنسية لكنه أشار لى بما يعنى الرفض، فانصرفت غاضبة وأبلغت السيدة عطية الله بأننى لم ألبِ لها طلبها، وفى أحد اتصالاتى بمنزل الأستاذ للسؤال عنه فوجئت بزوجته غاضبة منى فشرحت لها ما حدث، لكنها استمرت غاضبة، وفى الأيام الأخيرة من حياة الأستاذ غضبت زوجته منى مرة أخرى، وكان الأطباء قد قرروا منع الزيارة عنه وذهبت للاطمئنان عليه ودخل معى إلى المستشفى المصور السينمائى المعروف هاشم النحاس ووجدنا السيدة عطية الله، وبمجرد أن رأتنى قالت إيه يا باشمهندس اللى انت قلته ده، فانزعجت وقلت لها: قلت إيه يا هانم، فأجابتنى: فيه تصريح على لسانك لإحدى الصحف إنى أنا جبت للأستاذ اكتئاب.. واندهشت جدا وأقسمت لها أن هذا لم يحدث على الإطلاق، وإن الحقيقة هى أنه حين سألنى صحفى بإحدى الصحف الكبرى عن حالة الأستاذ وكانت حالته حرجة جدا فى أيامه الأخيرة فقلت له إننى شعرت بالاكتئاب، حين رأيت أن حالته خطيرة ولا أدرى كيف نشر الخبر وفيه أننى أقول إن زوجته أصابته بالإكتئاب، ووقتها قالت لى زوجته إنها سترفع دعوى قضائية على الصحيفة، وأعلنت استعدادى للتضامن معها فى الدعوى لكن جاء رحيل الأستاذ لتنسى هى الأمر برمته.

ويواصل الكفراوى: نجيب محفوظ كان موضوعيا جدا، لا يكره أحدا وإنما ينظر للجميع على أنهم أحبابه، وحين يرى خطأ يشير إليه وحين يرى صوابا يذكره ويثنى عليه، ومثلا كان محفوظ ينتقد كثيرا من الأوضاع فى عصر مبارك، ولم يكن راضيا عن مبارك لدرجة أنه حين أقام مبارك حفلا لتكريمه بعد فوزه بنوبل وقف محفوظ موجها كلمة لمبارك قال فيها "أشكرك سيادة الرئيس على تهنئتك لى بأنى حققت ما أصبو إليه من آمال، وأتمنى أن يأتى اليوم الذى أهنئك فيه بتحقيق آمال الشعب المصرى"، ولا يغيب عن أى فطن أن محفوظ هنا  أراد أن يقول لمبارك إنك لم تحقق آمال الشعب المصرى حتى حينه، وقابلت الأستاذ بعدها وهنأته على كلمته وعلى شجاعته وكنت الوحيد الذى هنأه على كلمته  فابتسم لى بما يعنى أننى فهمت مقصده. لكن فى موقف آخر أشاد محفوظ بمبارك حين أخبرته بأنه كرم عددا من قيادات نصر أكتوبر ومن صناعه فى حفل كبير فسعد محفوظ جدا، وبدت على وجهه ابتسامة عريضة وهو يقول: سعيداً ياسلام.. ياسلام.

  ابن نكتة

يواصل الكفراوى: فى أغلب ندوات الأستاذ كان الرجل يتحفنا بلمحات وومضات جميلة ورائقة وخفيفة تدل على خفة دمه المصرية الصميمة وأنه نموذج للشخصية المصرية الآسرة.. ولو تحدثنا وأفضنا فى المواقف الساخرة التى كان محفوظ يبدعها فسوف نحتاج صفحات كثيرة، لكننى هنا أذكر أننى فى إحدى الندوات قلت له: يا نجيب بيه الأغانى الغربية تحفل بالكلمات الخارجة التى لو تم غناؤها فى مصر لقمنا بسجن المغنى والمؤلف والملحن فنظر لى ضاحكا وقال: زمان قبل ثورة يوليو وعلى أيام شبابى كانت مثل هذه الأغانى تنتشر بكثرة، ولا أدرى كيف تذكر أغنية تمتلئ بالكلمات الخارجة وأخذ يدندن بها، وعلى وجهه ابتسامة وعلى وجوهنا ذهول، إذ كيف يحفظ هذا العبقرى أغنية سمعها منذ أكثر من نصف قرن وكأنه سمعها بالأمس، وبالمناسبة فإن مثل هذا الجانب الساخر كان يظهر أكثر حين كان محفوظ يجلس مع أصدقائه الحميمين من شلة الحرافيش مثل أحمد مظهر وتوفيق صالح وبهجت عثمان، وقد قال لى بعض أصدقائه القدامى إن نجيب محفوظ فى شبابه كان يمتلك شقة أسموها "الطيارة" كان يجلس فيها مع أصدقائه المقربين للترويح غن أنفسهم، وذكر لى صديق كان عمه صديقا قريبا لمحفوظ أن لديه خطابا قديما بعثه محفوظ فى شبابه إلى عمه يتكلم فيه -عن سيدة كان يعرفها هو وصديقه- كلاما خارجا.. وأنا أعتقد أن نجيب محفوظ لم يكتب سيرته الذاتية لأنه كان سيقول أحداثا ومواقف سيكون من الصعب علينا فى  مصر تقبلها، بدليل أنه حين كتب لويس عوض سيرته الذاتية قامت عائلته بمقاطعته والهجوم عليه.  

ويواصل الكفراوى حديثه عن نجيب محفوظ  ابن البلد وصاحب النكتة فيقول: أذكر أن شخصا ماركسيا كان يحضر ندوة قصر النيل، وكان دائم الكلام الكثير الذى لا يقدم ولا يؤخر وليس منه فائدة على الإطلاق، جاء مرة إلى الندوة متأخرا بعض الشىء وجلس قريبا من الأستاذ ووجه إليه حديثا لا جدوى منه كالعادة، حيث ذكر للأستاذ أنه دخل سجالا طويلا مع سائق التاكسى الذى أقله إلى الندوة فقد طلب السائق أجرة مبالغا فيها بينما أصر صاحبنا على أن يعطيه أجرة أقل، ولكن السائق اعترض بينما أصر هو على رأيه، ولما أحس صاحبنا أن الأستاذ نجيب بدأ يشعر بالضيق والضجر سكت وغير الكلام إلى منحى آخر ثم أضاف: أريد أن ألقى على حضرتك نكتة يا نجيب بيه، فما كان من الأستاذ إلا أن رد ببديهة سريعة وحاضرة لينقذ نفسه وينقذنا من هذا الرغى واللغو الكثير فقال له: نكتة إزاى تانى أمال كل اللى انت كنت بتقوله ده إيه؟ وانفجرنا جميعا فى الضحك.

 ليبرالى .. وموضوعى

وبمناسبة صاحبنا الماركسى أقول إن نجيب محفوظ الذى كان يحب الاشتراكية ويحب الفقراء هو بالأساس رجل ليبرالى حتى النخاع، ولا تعارض بين هذا وذاك فى شخصه على الإطلاق، وربما كان الرجل يشعر بقربى منه ربما أيضا لتلاقينا على حب الليبرالية، فيما كان عدد غير قليل من رواد ندواته ينتمون للناصرية قلبا وقالبا، ولكن نجيب محفوظ كان يرتبط بعلاقات طيبة مع الناصريين واليساريين، دون أن يؤثروا على قناعاته الأيدولوجية والفكرية الراسخة، وقد كان يدرك جيدا أنهم كانوا يسيطرون بنسبة كبيرة على الصحف والمجلات والصفحات الثقافية والأدبية وعلى كثير من منافذ النشر ولم يرد بالطبع أن يخسرهم، لكن رؤيته ومبدأه هو الانتماء للفكر الليبرالى،وكان دائما مع الحرية ومع الديمقراطية الحقيقية، وكم من انتقادات وجهها لأنظمة ولرجال ما بعد ثورة يوليو فى أعماله الكثيرة العظيمة مثل ثرثرة فوق النيل وميرامار واللص والكلاب، ويوم قتل الزعيم التى كال فيها الاتهامات بضراوة على لسان شخصياته للعصر الناصرى.. أذكر أن السيدة جيهان السادات حين سمعت عن هذه الرواية وأنه بصدد نشرها اتصلت بمحفوظ معتقدة أنه يقصد السادات لكنه نفى لها أية علاقة بين الرواية وبين السادات رحمه الله، غير أنه انتقد السادات كثيراً فى أعماله مثل "الحب فوق هضبة الهرم وأهل القمة" ، وغيرهما من أعمال.

 وأذكر أن نجيب محفوظ  صرح فى حوار لمجلة "المصور" فى بداية عصر مبارك بكل صراحة ووضوح:  إن أعظم زعيمين فى تاريخ مصر الحديث هما سعد زغلول ومصطفى النحاس.

لكن كما ذكرت وأحب أن أؤكد دائما أن نجيب محفوظ كان موضوعيا إلى أقصى درجة ممكنة، وكان يتمتع بالعقل النقدى المستنير، فهو لم يكن مع على طول الخط ولا ضد على طول الخط.. هو كان يدرك تماما أن لكل عصر ولكل نظام ولكل زعيم بل ولكل إنسان ميزاته وعيوبه، وقد تعلمت منه هذه الفضيلة النقدية التى نفتقدها فى كثير من الأحوال، فعلى سبيل المثال فإن الناصريين مثلا لا يرون فى عبد الناصر أية سلبيات على الإطلاق.

 أخيرا يقول محمد الكفراوى: نجيب محفوظ  كان قادراً على فرز أحبائه وأصدقائه، وهو ما حدث بالنسبة لى، وأذكر أنه فى آخر عيد ميلاد له أن جاء للاحتفال به مصطفى الفقى ومحمد سلماوى وإبراهيم المعلم، وتأخرت أنا فى الذهاب لهذا الحفل، وفوجئ الفقى وسلماوى والمعلم أن الأستاذ دائم السؤال عنى، ويسأل كل عدة دقائق أمال فين الكفراوى؟..  وحين رآنى بانت علامات السعادة على وجهه وهو يقول انت فين يا كفراوى.. هذا هو نجيب محفوظ العبقرى والمبدع والإنسان النبيل الذى يمتن لكل الذين يخلصون له ويضعهم فى منزلتهم التى تليق بهم عنده.. انتهى الحوار ولكن الكلام لا ينتهى عن فخر مصر ومجدها الباقى.. نجيب محفوظ.

 


 	محمود مطر

محمود مطر

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - صلاة الطفولة

  ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...

سهيلة الرملى: «اتكلمى» ركزت على المسكـوت عنه فى كتب التاريخ

الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى

«السيد فى حقل الأدب».. شهادات وقـراءات كاشفة لعالم صبرى موسى

ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية

خالد أمين: وقعت فى غرام الـرعب والغموض

أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد