الروائى يوسف القعيد:محفوظ كان يستحق نوبل قبل 27 عامًا من حصوله عليها

بعد إعلان فوزه بنوبل اتصل بيوسف إدريس لــ«يطيب خاطره» رفض أن يضع كلمة عامية واحدة فى رواياته وكان يطرب لشعر الأبنودى كل مصرى.. كل إنسان.. أى شخص.. كان من حقه أن

 

بعد إعلان فوزه بنوبل اتصل بيوسف إدريس لــ«يطيب خاطره»

رفض أن يضع كلمة عامية واحدة فى رواياته وكان يطرب لشعر الأبنودى

كل مصرى.. كل إنسان.. أى شخص.. كان من حقه أن يجلس مع نجيب محفوظ.. فقد كان الرجل شديد التواضع شديد الإنسانية، لا يغلق بابه أبدا فى وجه أحد.. غير أنه كان رجلا حذرا بطبعه "مهواش سبهللة زينا".. يقيس الأمور بدقة شديدة.. صموتا أكثر منه محبا للكلام، يستمع أكثر كثيرا مما يتكلم.. هكذا يلخص لنا الروائى والكاتب الكبير يوسف القعيد جانبا مهما من جوانب شخصية أديب نوبل الخالد.. وعبقرى مصر العظيم عميد الرواية العربية وملكها المتوج نجيب محفوظ.. وحين يتكلم يوسف القعيد عن نجيب محفوظ فلابد أن ننصت ونسمع جيدا ما يقوله هذا الرجل الذى تعرف على نجيب محفوظ وأصبح واحدا من تلاميذه النجباء ومريديه الكبار وأصدقائه القريبين قبل أكثر من ستة وخمسين عاما.. فهو واحد من أقدم الذين أسعدتهم حظوظهم بصحبة محفوظ ومحبته.. ممن ما زالوا على قيد الحياة.. أمد الله فى عمره.. وإذن فلنترك يوسف القعيد يتكلم ولنسمع وننصت فى حضرة مبدع كبير يتحدث فى مقام حضرة المحترم وأعظم مبدعى العرب فى تاريخنا الحديث.

سوء ظن

يقول يوسف القعيد: كنت مجندا فى القوات المسلحة فى بداية عام 65 فى الدفعة التى استبقيت حتى عام 1974 عقب نصر أكتوبر العظيم، وكان تجنيدى فى مستشفى غمرة العسكرى.. وأصدرت فى ذلك الوقت أولى رواياتى بعنوان "الحداد".. كنت أتلمس الطريق وأريد أن أعرف كيف وأين أسير وهدانى تفكيرى إلى أن أسعى للقاء نجيب محفوظ الروائى الأعظم والأشهر وكان قد أنجز وقتها من الأعمال العظيمة ما يؤهله لنوبل فى بداية الستينات وليس أواخر الثمانينات وكنت مقتنعا تماما بذلك، ومن خلال دليل التليفونات عثرت على رقم التليفون الأرضى لمنزل محفوظ بالعجوزة وهو رقم التليفون الذى لم يتغير حتى الآن واتصلت به ورد على وعرفته بنفسى "أنا يوسف القعيد روائى شاب وقد أصدرت مؤخرا رواية اسمها "الحداد" أرجو أن أهديها لك لتقرأها فيهمنى رأيك وانطباعك عن الرواية" ورد علىّ محفوظ بكل ترحيب وهدوء وتواضع: "أهلا بك.. تعالى إلى كافيه ريش يوم الجمعة من الخامسة والنصف إلى الثامنة والنصف مساء"، وفى اليوم المحدد حصلت على تصريح بالخروج وأخذت روايتى وذهبت إلى مقهى ريش لأجد الأستاذ جالسا فى المقهى ومعه بعض أصدقائه وذكرته بنفسى وأعطيته الرواية وجلست فى ندوته أستمع وطلب منى الإنتظام فى الحضور.. ومنذ ذلك الوقت داومت على الذهاب إلى ريش للقائه بشكل متواصل.

 وبعد أن انتهى اللقاء غادرت مقهى ريش معتقدا أن نجيب محفوظ سوف يقرأ الرواية بعد شهور كأى كاتب مهم، وذهبت فى الجمعة التالية ولدى اعتقاد جازم بأنه لم يقرأ روايتى غير أنه فاجأنى وصدمنى فى ذات الوقت، لقد قرأ الرجل الرواية كاملة وهذه مفاجأة بالنسبة لى غير أنه صدمنى برأى سلبى تماما، حيث تتناول الرواية أربعة أصوات يحكون رواية واحدة وقال لى محفوظ بالحرف الواحد "بعد الصوت الثانى لم أجد جديدا" وبحماس الشباب واندفاعه غضبت كثيرا وقلت فى نفسى "إنه صراع الأجيال يتبدى فى هذا الرأى الصادم.. ده مش عايز حد يكتب غيره".. غير أنه فى الطبعة الثانية وما تلاها وبعد قراءتى مرة واثنتين للرواية ومراجعتى لها تأكدت أن رأيه كان صحيحا صائبا ودقيقا وأدركت أن الرجل كان أمينا وصادقا وناصحا لى.. وندمت على سوء ظنى به وقلت لنفسى "ليتنى أخذت كلامه بحسن نية وبدون حماقات الشباب.. وواصلت حضور الندوة ولاحظت أن نجيب محفوظ كان يأتى من بيته بالعجوزة ماشيا ويغادر إليه بعد انتهاء الندوة ماشيا أيضا، فقد كان يحب المشى كثيرا وكان يدرك أهمية المشى بالنسبة للصحة وهو أمر كان يفعله الأستاذ محمد حسنين هيكل أيضا، وقد جمعته صلة انسانية عميقة بمحفوظ.. ولاحظت أيضا أنه كان بإمكان من يحضر ندوته أن يضبط ساعته عليه.. ففى الخامسة والنصف تماما نراه داخلا علينا المقهى، وفى الثامنة والنصف تماما أيضا يقف قائلا "هوبا" إيذانا بانصرافه.

 وبالمناسبة وبعد أن توطدت صلتى بالأستاذ الكبير بسنوات وفى أيام نصر أكتوبر المجيد وكنت لا أزال أقضى خدمتى العسكرية بمستشفى غمرة العسكرى فوجئت ذات يوم وأنا فى المستشفى بالأستاذ نجيب أمامى وذهلت وسلمت عليه بحرارة وسألته عن سبب مجيئه فأخبرنى أن له ضابطا قريبه من ناحية الأم يعالج فى المستشفى فذهبت معه إلى قريبه وبعد أن انتهت الزيارة خرجت معه إلى الشارع وانتظر تاكسيا واستقله وكانت مفاجأة شديدة الجمال بالنسبة لى، واكتشفت جانبا من جوانب شخصيته العظيمة، فهو كان يعرف جيدا أننى موجود فى نفس المستشفى الذى ينوى زيارته لكنه لم يتصل بى معتقدا أنه قد يحملنى عبئا ولو بسيطا حين يفعل ذلك.

 بين سعد زغلول وناصر والسادات

استمرت صلتى بنجيب محفوظ قائمة وممتدة طوال الوقت، وفى رحاب محفوظ فى مقهى ريش تعرفت على جمال الغيطانى وعلى من أطلق عليهم بعد ذلك جيل الستينات.. وأصبح الغيطانى أقرب الأصدقاء إلى وأصبحت هناك علاقة روحية أخوية بينى وبينه خاصة أنه كان هناك تقارب فى الشكل الجسمانى بينى وبينه لدرجة أن الكثيرين كانوا يخلطون بيننا، وهكذا صارت صداقة وطيدة بينى وبين الغيطانى فى رحاب نجيب محفوظ الذى لولا ندوته ما تعرفت على الغيطانى، فى تلك الأيام المبكرة من حياتنا وهى صداقة لا شك أفادت كلينا فى الأدب وفى الحياة وربما كانت تلك إحدى ميزات ندوات نجيب محفوظ فقد كانت سببا فى أن يتعارف ويتقارب خلالها المبدعون وغير المبدعين ولأنى كنت فى ذلك الوقت لا أملك مكتبة بحكم أننى كنت مجندا ومغتربا، فقد أصبحت مكتبة الغيطانى هى مكتبتى وقد كنت أذهب معه إلى بيته فى درب الطبلاوى بالجمالية كثيرا.

 فى ذلك الوقت كانت القاهرة تزخم بالندوات والصالونات الأدبية الثقافية الكثيرة وأذكر منها مثلا ندوة صلاح عبدالصبور فى الجمعية الأدبية المصرية وندوة يوسف السباعى فى نادى القصة وندوة نادى القلم بالاضافة الى ندوة نجيب محفوظ فى ريش.. كان هناك مناخ ثقافى عظيم يمكن أن تعرف من خلاله الكثير ربما بشكل يفيدك أكثر من القراءة ذاتها.

 ويضيف القعيد: كان محفوظ يعاملنا أنا والغيطانى بصفتنا من أقرب الناس إليه ورغم أننى كنت قريبا جدا منه لكننى كنت أرى أن جمال الغيطانى كان أكثر قربا منى لمحفوظ ربما بحكم أنه مولود بمنطقة الحسين التى ولد محفوظ بها وكان محفوظ ينادى جمال الغيطانى بـ " جيمى" وينادينى بـ "جو" ما يعكس المحبة التى احتفظ الرجل لنا بها.. وكانت تعجبه جدا رواية "الزينى بركات" لجمال الغيطانى، أما أهم ما أعجبه من أعمالى ونال اهتمامه كثيرا فهى رواية "الحرب فى بر مصر" غير أنه لم يكن مستريحا لـ "السياسة الكثيرة" بالرواية وهنا قلت ليوسف القعيد: كيف لم يسترح للسياسة فى روايتك الأهم والأشهر مع أن البُعد السياسى كان طاغيا فى كثير من رواياته؟، ويجيب القعيد: تلك كانت وجهة نظره بالنسبة لروايتى غير أنه أبدى اعجابه الشديد بها وبالطبع كانت السياسة حاضرة بقوة فى روايات محفوظ وأنا شخصيا تعلمت منه النص السياسى.. وبمناسبة الحديث عن السياسة والنص السياسى سألت الأستاذ يوسف القعيد عن نجيب محفوظ صاحب الاتجاه السياسى وعلاقته بالسياسة والسياسيين قبل ثورة يوليو وبعدها فأجاب: كانت نشأة نجيب محفوظ الأولى فى كنف ثورة 19، فحين قامت تلك الثورة كان هو فى الثامنة من عمره، وكانت بدايات وعيه وإدراكه، ونما وعى محفوظ السياسى والاجتماعى فى ظل وجود وحضور سعد زغلول على الساحة المصرية بقوة، وحين رحل زغلول عام 1927 كان نجيب محفوظ فى السادسة عشرة من عمره، لذلك ظل سعد زغلول هو بطل صبا وشباب محفوظ، وفيما بعد رأى محفوظ صفات إنسانية فى مصطفى النحاس أكثر نضجا من سعد زغلول ربما جعلته أكثر حضورا فى وجدانه الوطنى والإنسانى.

أما بالنسبة لعبدالناصر فقد حقق الأستاذ ازدهاره الحقيقى والكبير فى أيامه، لكن كان لديه تحفظات على قضية الحرية فى عصره، وبالنسبة للسادات ففى بداية حكمه كان محفوظ يرى أن هناك شيئا جديدا غير ان الأمور تفاقمت بشدة بعد الانفتاح الاقتصادى فانتقده انتقادا شديدا فى أعماله ورواياته وليس من خلال تصريحات صحفية.. نعم كتب محفوظ أعمالا وجه من خلالها نقدا عنيفا للسادات أثناء حكمه أذكر منها "الحب فوق هضبة الهرم" و"أهل القمة"، وقد حملت قصة "أهل القمة" بالذات نقدا قاسيا لتجربة الانفتاح المُرة وهو نفس النقد الذى طرحه الفيلم المأخوذ عن القصة عام 1981 قبل اغتيال السادات بأشهر وهو الفيلم الذى كاد أن يصادر وقتها، أما بالنسبة لعصر مبارك فلم يكن يعجبه أيضا وكان غير راضٍ عنه، لكن فى أيام مبارك كثرت ندوات محفوظ ولقاءاته وهناك من مرتادى ندواته من كانوا يأتون عابرين يحضرون مرة أو اثنتين، فكان محفوظ بطبيعته الحذرة أكثر حيطة، لكنه لم يكن يخفى رأيه حين يحدث حادث يستوجب الرأى والكلام، فلم يكن الأستاذ طوال حياته خائفا أو خوافا على الإطلاق.

  كلام عن نوبل

ويواصل يوسف القعيد: على توثق صلتى بنجيب محفوظ فإننى لم أدخل بيته إلا بعد حصوله على نوبل فقد كان بيته منطقة محرمة على البشر إلا زوجته وبنتيه بشكل مستفز وبشكل تحسده عليه أيضا، وقد كان محفوظ يعتبر بيته مملكته التى لا يجوز لأحد أن يقترب منها على الإطلاق، ومن عجب أننا نكتشف بعد ذلك أنه كان على صواب مطلق فى هذا الأمر، فبيته على كورنيش النيل بالعجوزة هو مكان قريب للجميع "للدنيا كلها" لكننا فى يوم حصوله على نوبل لم نراع مسألة إصراره على أن بيته منطقة محرمة وأذكر أنه خرج لكى يتم تصويره أمام مبنى الأهرام ثم عاد ليجدنا خارج البيت وداخله فقال ضاحكا: أنتم وصلتم لهنا" فقلنا له بكل محبة: علامات نوبل.

 وعلى ذكر نوبل يقول يوسف القعيد: لم تغير نوبل أى شئ فى نجيب محفوظ.. ظل على تواضعه وعلى محبته للناس.. هو بالطبع كان وسيظل أكبر من أى جائزة.. ظل يعيش حياته كروائى فقط.. هو جاد جدا.. دؤوب جدا.. يأخذ كل شئ بجدية.. يلتقط التفاصيل والجزئيات الصغيرة.. من أجل شئ واحد فقط.. الإبداع.. كتابة الرواية أولا ثم القصة القصيرة ثانيا ثم النص المسرحى ثالثا.. نعم النص المسرحى بدون اندهاش أو استغراب.. فنجيب محفوظ كتب نصوصا مسرحية وضعها فى مجموعاته القصصية على أنها قصص قصيرة على طريقة الحوار ولم تقدم فى عروض مسرحية فقد كتبها بالفصحى وكان يرفض تماما أن يكتب كلمة عامية واحدة فى كل هذا الإنتاج الغزير غير أنه لم يكن ضد العامية على الاطلاق ولم يكن ضد الكتابة بها بالعكس كان شديد الإعجاب بشعر العامية وأذكر أنه حين انضم الراحل الكبير عبد الرحمن الأبنودى إلينا فى ندوة محفوظ بـ"فرح بوت" رحب به الأستاذ جدا وكان يطرب كثيرا حين يلقى الأبنودى بعض قصائده العامية لكن وهذا تفسير من عندى - لم يكتب محفوظ فى كل إنتاجه الغزير شيئا من العامية لأن كثيرا من أبناء الشعوب العربية الذين يقرأون انتاج محفوظ لا يجيدون فهم العامية المصرية.. هنا وبمناسبة ندوة فرح بوت أقول إن ندوات نجيب محفوظ كانت مفتوحة للجميع وكان الرجل واسع الصدر مرحبا بكل من يأتى لحضور ندواته.

 وبمناسبة نوبل أيضا يضيف القعيد: لم يكن نجيب محفوظ يتوقع أبدا فوزه بالجائزة العالمية الأهم.. "ولا عمره جاب سيرتها لغاية لما سفير السويد أبلغه بفوزه بالجائزة".. ويوم إعلان الجائزة الخميس الموافق الثالث عشر من أكتوبر عام 1988 كان محفوظ نائما نوم القيلولة الذى تعود عليه وحين أخبرته زوجته السيدة عطية الله قال لها "بلاش تخريف" فالرجل كان شديد التواضع زاهدا فى الأموال والمناصب والجوائز زهدا حقيقيا.. وبالمناسبة أرى أن نجيب محفوظ كان يستحق جائزة نوبل بجدارة واستحقاق حين انتهى من آخر كلمة كتبها فى الثلاثية الشهيرة وقيامه بدفعها للنشر عام 1961.. نعم تأخرت نوبل عن محفوظ حوالى سبعة وعشرين عاما كاملة.

وأسأل يوسف القعيد عن حكاية انفجار يوسف إدريس بالغضب عقب فوز محفوظ بنوبل وهل كان لمحفوظ رد فعل غاضب أيضا فيقول: لم يغضب الأستاذ من يوسف إدريس وبالعكس بادر بالاتصال به ليطيب خاطره، ووقتها أقدم مبارك على تصرف غريب حيث طلب من يوسف إدريس أن يسافر إلى تونس لبضعة أيام خوفا من رد فعل غير متوقع كان من الممكن أن يقوم به وما حدث أن كل هذا الغضب وقتها كان بسبب  أن بعض النقاد أخبروا إدريس قبل إعلان الجائزة أنه سيفوز بها وأن لديهم علم بذلك فلما أعلنت وفاز بها محفوظ عن جدارة واستحقاق أصيب إدريس بصدمة رهيبة.

 لا يعبأ بشئ

 وهل ترى الثلاثية هى أفضل أعمال أديب نوبل؟ يجيب يوسف القعيد: فى رأيى أن "ملحمة الحرافيش" هى أفضل أعمال نجيب محفوظ على الإطلاق فهى نص فيه تجليات وفيه حس صوفى ووجدانى وروحى يندر أن نجده فى أى عمل أدبى آخر فى التاريخ وفيه رؤية متقدمة للعالم.. هو نص جميل بمعنى الكلمة.

وأسال القعيد عن "أولاد حارتنا" وهل كان محفوظ يُبدى ضيقا وامتعاضا حين كان يُسأل عن هذه الرواية فيجيب: غير صحيح على الإطلاق أنه كان يغضب حين يسأل عن "أولاد حارتنا" لكنه كان لا يحب أن يذكره بها الناس وكأنه لم يكتب غيرها.. كان لديه حساسية مفرطة فيما يخص "أولاد حارتنا" لهذا السبب أن البعض كان يسأله وكأنه لم يكتب غير تلك الرواية لكنه لم يكن ينفعل أو يغضب، ولم أره منفعلا إلا فى موقفين أحدهما عرج فيه الحديث عن حزب الوفد والآخر عن سعد زغلول.. وحيث كان محفوظ يرى أن ثورة 19 مهمة جدا فى تاريخ مصر الحديث.

أما بالنسبة لقضية السلام والتطبيع مع العدو الصهيونى وموقف نجيب محفوظ منها فيقول القعيد: محفوظ كان مؤيدا لخطوة السلام مع العدو الإسرائيلى ذلك أن الحروب فى رأيه لن توصلنا إلى شئ وأن فرقة العالم العربى مشكلة كبيرة وأشهد أنه على طول علاقتى الممتدة به وفى كل المقاهى التى كان يجلس بها لم يأت أى مسئول إسرائيلى إليه أطلاقا.

 وأسال الأستاذ يوسف القعيد: هل كان نجيب محفوظ يتحدث إليكم أنتم أصدقاءه ومريديه - عن أعماله التى يكون فى طور كتابتها وإنجازها فيجيب: طوال حياته لم يكن يتكلم أبدا عن عمل مازال يكتبه.. هو كان يتكلم عن عمله عندما ينتهى تماما منه، لكن أثناء الكتابة فتلك قضيته ورؤيته الشخصية لا يشرك فيها أحدا، وهذا درس آخر تعلمته منه وهو أن العملية الإبداعية مستقلة تماما ولا علاقة لها بالواقع أو الندوات والجلسات أو الأصدقاء والعلاقات وحسابات أنك ستفعل كذا وأن فلانا قد ينتقد أو علانا قد يمتدح.. ولنجيب محفوظ مقولة أعتبرها دستور عمرى فى الكتابة وهى "عندما أكتب لا أعبأ بشئ.. أى شئ" فهو كان عندما يكتب لا يرى إلا العمل الإبداعى فقط أمامه ولو التفت لغيره لفشلت عملية الإبداع من أساسه.

 وهكذا كان نجيب محفوظ مخلصا بشكل غيراعتيادى لإبداعه وأدبه وقد قام بإضافة شرفة شقته إلى الصالة وتقفيلها لتصبح غرفة مكتبه التى كتب فيها عددا وافرا من إبداعاته العظيمة.. والرجل كان يعيش فى شقة ضيقة جدا فى الدور الارضى بالعجوزة وكان زاهدا فى كل شئ إلا الإبداع الحقيقى العظيم الذى قدمه للبشرية كلها.

  بين الفلسفة والصوفية

 ويواصل يوسف القعيد: قبل أن يتفاقم ضعف البصر والسمع لدى الأستاذ بحكم تقدمه فى السن كان حريصا على قراءة إبداعاتنا أنا وجمال الغيطانى وغيرنا من المبدعين وكان يأخذ العمل الأدبى معه إلى بيته بعد أن يهديه إليه صاحبه ثم يجئ فى المرة التالية وقد قرأ العمل ودرسه بشكل متأن ليقول فيه رأيه النقدى وكم كانت آراؤه النقدية مفيدة لنا جميعا.. كان الأستاذ يقول آراء مختصرة وصادقة وأحيانا صادمة لكنها فى كل الأحوال كانت مهمة جدا، وكان طبيعيا أن يمتلك محفوظ رؤية نقدية ناضجة لأنه روائى كبير وعظيم.. وفى حقيقة الأمر كنا نتعجب كيف يجد وقتا لكتابة هذه الإبداعات والأعمال العظيمة ولقراءة كل ما يهديه إليه المبدعون من تلاميذه وأصدقائه بالإضافة إلى قراءاته الأخرى، فلما ضعف بصره وكلت عيناه كنا نقرأ له نحن سواء أعمالنا الإبداعية أو حتى الصحف اليومية.

وأسأل يوسف القعيد عن متحف نجيب محفوظ الذى يتولى مسئوليته فيجيب: المتحف كان مهما جدا لكى نحافظ على ما ترك محفوظ من مقنيات لسنوات طويلة مثل الأقلام التى كان يكتب بها ومثل البالطو الشهير الخاص به الذى كان يرتديه كثيرا وتجرى حاليا عملية ترميم لهذا البالطو بعد أن كادت أجزاء منه تتآكل وتهترئ بفعل الزمن.. وحاليا يتم بناء طابقين آخرين فى المتحف.. طابق سيكون مقرا لصالون ثقافى، وطابق آخر سيكون مقرا للندوات.

 وأقول ليوسف القعيد: هل ينتمى نجيب محفوظ أبا عن جد لمنطقة الحسين والجمالية أم أن أصوله تعود لمدينة أو قرية أخرى من ربوع المحروسة فيجيب: حين فاز محفوظ بنوبل جاء عدد من أهل مدينة رشيد وقالوا إنهم من عائلة الباشا فى رشيد التى نزح منها أجداد محفوظ إلى القاهرة فهو إذن من مدينة رشيد التاريخية العظيمة التابعة لمحافظة البحيرة.

أخيرا يقول يوسف القعيد: كان نجيب محفوظ زاهدا فى كل شئ إلا أن يكتب ويبدع، كان بسيطا فى مأكله ومشربه وملبسه لا يملك سيارة ولا يحرص على أى من مظاهر العظمة والأبهة، وهو درس الفلسفة فى كلية الآداب فى شبابه، ومن يدرس الفلسفة فى شبابه تغلب عليه الصوفية فى أواخر حياته.. وهكذا كان نجيب محفوظ.. الذى درس الفلسفة وامتهن الأدب وكتب الرواية ليصبح عميدها وعمدتها على مر التاريخ.. انتهى الحوار مع واحد من كبار أحباء محفوظ وتلاميذه.. ولا ينتهى الكلام عن نجيب مصر الخالد فانتظرونا فى الحلقة القادمة.

 


 	محمود مطر

محمود مطر

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - على نار هادية

المنطقة بعيدة عن الأحياءالسكنية المتكدسة، "هِو" كما يقولون.. والرصيف الذى يقف عليه الشاب، يطل على شارع واسع سريع، تملؤه السيارات...

«شاعر الكائنات الهشةوالتفاصيل الصامتة»..شعراء يضيئون تجربة فتحى عبد السميع

نحت لنفسه مسارًا متفردًا داخل قصيدة النثر المصرية فى المقدمة يناقش د. محمد فكرى الجزار الفروق الجوهرية بين النقد الأكاديمى...

نورا ناجى: «بيت الجاز» أعادتنى للحيـاة بعد إحباط وخذلان

أضع دائمًا جزءًا من نفسى فى كل بطل وبطلة لرواياتى كلنا يسعى للجوائز.. لكنها ليست الغاية الوحيدة

شاكر عبد الحميد فى «الأدب والجنـون»: «%90 من العباقرة مضطربون»

«الأعمال الكاملة» سلسة كتب تصدرها هيئة الكتاب لاستعادة الذاكرة الثقافية «لوتريامون» أول شاعر سوداوى ترك بصماته على قصيدة النثر