أم كلثوم: والدي قال كنت ساشعر بالحرج لو فزت بنوبل في حياة الحكيم

"والدى لم يكن سى السيد على الإطلاق، بل كان ديمقراطيا جدا مع أسرته الصغيرة.. والدتى وأختى وأنا".. هكذا قالت لى أم كلثوم الشهيرة بـ هدى نجيب محفوظ فى بداية حوارها

"والدى لم يكن سى السيد على الإطلاق، بل كان ديمقراطيا جدا مع أسرته الصغيرة.. والدتى وأختى وأنا".. هكذا قالت لى أم كلثوم الشهيرة بـ هدى نجيب محفوظ فى بداية حوارها للإذاعة والتليفزيون، وهو حوار كان من المفترض أن نبدأ به هذه الحلقات فى محبة أديب نوبل لولا مشاغل الأستاذة هدى.. هى أم كلثوم التى اختار لها أبوها اسمها تيمنا وحبا لسيدة الغناء العربى ثم اختارت لها أمها اسم هدى فصارت تشتهر به، كما اشتهرت أختها الصغرى الراحلة فاطمة رحمها الله باسم فاتن.. تدرك هدى جيدا أنها تحمل اسم العظيم نجيب محفوظ.. تعرف قيمة ومسئولية الاسم الكبير.. تتمسك برسالته.. وتؤدى أمانته.. تشبهه فى صدقه ونبله وتسامحه وحكمته وعقله وإنسانيته.. تحمل جيناته.. تفرده.. تخلص لكلمته وتواصل نشر محبته.. هى الفرع السامق فى شجرة نجيب محفوظ الوارفة المثمرة.. هى روايته العظيمة وحكايته الواقعية التى تركها للحياة..

سى السيد

"أنا مش عارفة ليه قالوا عليه سى السيد؟ ومش معقول هايبقى ديكتاتور علشان أسرته لم تكن تظهر فى الإعلام، وهو لم يكن يمنعنا من الظهور الإعلامى كما أشاع البعض، فهذه كانت رغبتنا الشخصية"، هكذا بدأت هدى  حوارها معنا حين سألتها هل كان أبوها سى السيد.. ثم واصلت: ليس معقولا أن يكون سى السيد أو ديكتاتورا  لأن أسرته لا تظهر فى الإعلام "دى حاجة ودى حاجة".. الإعلام حاجة تانية خالص وظهورنا إعلاميا أو عدمه ليس له علاقة بكون والدى محافظا أو غير محافظ.. أبى لم يكن سى السيد.. وأبوه أيضا لم يكن سى السيد لأن البعض أيضا ذكر أن والده هو الذى كان يشبه السيد أحمد عبد الجواد فى  الثلاثية الشهيرة.. وأقول لهدى: إن كثيرين ربطوا بين الثلاثية وحياة نجيب محفوظ الخاصة وأسرته فى طفولته وشبابه فتجيب: سألته مرة عن هذا الأمر فأجابنى أن الناس اعتقدوا ذلك لأن الأديب عادة ما يكتب قصة حياته، فالناس اعتقدت أن الثلاثية تحكى قصة حياتى وأسرتى، وأضاف: من الجائز أن الروائى يتأثر بشخصيات معينة قابلها فى الواقع فتكون هناك ملامح منها فى إبداعه، لكن بعد هذا لابد وأن يعمل الخيال، ثم أضاف بشىء من السخرية "أمال هو فين الأدب لما ننقل حياة أشخاص كما هي؟! فالأمر لا يمكن أن يكون هكذا، لكنه قال أيضا إنه كان فى فترة من فترات حياته له نفس أفكار شخصية كمال عبد الجواد.

قلت لها: أرى أثرا لشخصية سى السيد عند نجيب محفوظ حين منعك من أن تلتحقى بدراسة الباليه، فأجابت:  كنت صغيرة وكنت أرقص الباليه.. وأمى رحمها الله حببتنا أنا وأختى فى الباليه والموسيقى الكلاسيك والأوبرا لأنها كانت تحب هذه الفنون، وكانت حريصة على أن نسمع الموسيقى الكلاسيك ونشاهد عروض الباليه، ومن كثرة مشاهدتى لهذه العروض أحببت الباليه وكنت أرقص الباليه وأنا فى سن السادسة وأرادت والدتى أن أتعلم الباليه بشكل أكاديمى، لكن والدى رفض وقد ذكرت والدتى هذه الحكاية بعد فوزه بنوبل.

ويتواصل الكلام عن الثلاثية وعلاقتها بحياة أديب نوبل الكبير وأقول للأستاذة هدى: الأستاذ  قال لرجاء النقاش أيضا إنه أحب فتاة تدعى عايدة شديد فى شبابه، وكانت عايدة هى حبيبة كمال فى الرواية أيضا، فترد قائلة: أبى حكى لأمى بكل صراحة عن فتاة أحبها فى شبابه اسمها عطيات، ولم يحك لها شيئا عن عايدة، ووالدتى ذكرت لنا هذه الحكاية وربما أحب أكثر من واحدة سواء كانت عايدة أو عطيات أو غيرهما. وهل ارتبط الأستاذ بوالدتك السيدة عطية الله محبة فى أسم حبيبته القديمة عطيات ولها من اسمها نصيب؟

وتجيب هدى ضاحكة: هل اعجب مثلا بالاسم فاحب الاثنتين.. لا طبعا

ولا نغادر الثلاثية قبل أن أسأل هدى عن رأيها فى أفلام بين القصرين وقصر الشوق والسكرية التى أبدعتها السينما عن ثلاثية محفوظ لتقول: أحب الثلاثية بشكل أكبر حين تم إبداعها كمسلسل تليفزيونى، فهى فى رأيى كانت الأقرب للتعبير عن الرواية كما كتبها والدى، وهذا لا يعنى أننى أكره الثلاثية سينمائيا، لكن السينما أعطت مساحة أكبر وأوسع للعوالم للدرجة التى قيل بسببها إن الثلاثية كانت قصة راقصات، وهى ليست كذلك على الإطلاق.

وبالمناسبة - تواصل هدى- أكثر أعماله قربا إلى قلبى وإلى ذائقتى هما الثلاثية والحرافيش بالترتيب، وحتى على مستوى المبيعات فإن التقارير التى تأتينى من راندوم هاوس تقول إن الثلاثية هى الأعلى توزيعا من بين أعمال نجيب محفوظ، وبالمناسبة أيضا: تأخرت ترجمة الثلاثية بعض الشىء، فقد ترجمت فى الثمانينات قبل حصول أبى على نوبل بوقت قصير، وكانت أول ترجمة لها باللغة الفرنسية، ولكن هناك أعمالا أخرى لوالدى تمت ترجمتها مبكرا منذ الستينات، وفى رأيى أن تأخر ترجمة كثير من الأعمال الكبيرة والمهمة لنجيب محفوظ  هو الذى أخر أكبر جائزة عالمية عنه، وأذكر أن سكرتير جائزة نوبل قال لنا بعد فوز والدى بالجائزة إن أعضاء اللجنة يقرأون أعمال الأدباء مترجمة بخمس لغات، ولذلك فمن الضرورى أن تصل الأعمال المهمة مترجمة لأعضاء اللجنة، وهو ما لا يتوافر فى كثير من الأحيان، وليس معقولا أن تمنح اللجنة الجائزة لأديب لم تقرأ له  أو عنه.. وتواصل هدى: أحب أيضا "أولاد حارتنا" وليس فيها كفر كما يدعى بعض المغرضين.

 نجيب محفوظ .. الأب والزوج

وهنا سألت هدى: هل كان نجيب محفوظ وهو الروائى العملاق يتمنى لبنتيه أن يسلكا نفس طريقه فى الحياة.. الأدب والإبداع؟، وتجيبنى هدى بكل وضوح: طبعا.. كان نفسه جدا أننا احنا الاتنين أو واحدة منا تطلع أديبة وتكمل مسيرته، وأذكر حينما كنا تلميذتين فى المرحلة الإعدادية وكنا نذاكر وقتها فى حجرة مكتبه أن جاء لنا ووقف ونظر لى وقال: تحبى تكتبي؟ وأجبته بالنفى ثم نظر إلى أختى وسألها وأنتِ.. تحبى تكتبي؟ وأضاف: أنا ممكن أعلمك وأوجهك، لكن أختى قالت له: أنا لسة صغيرة.. هو كان بالفعل يتمنى ويحلم أن نكون أديبتين مبدعتين على طريقته، أو إحدانا على الأقل وكان يريد مساعدتنا فى تحقيق أمنيته لنا بالتوجيه المستمر، وأذكر مثلا أننى ذكرت له بعدما تخرجت أننى فى أثناء الدراسة الجامعية كتبت موضوعا أدبيا نال إعجاب الجميع وكان الوحيد الذى تمت قراءته فى قاعة الدرس، فقال لى مندهشا "والله" وحزن جدا لأنه شعر أنه كان من الممكن أن أكون أديبة متميزة وأن الفرصة ضاعت لأننى لم أمارس الكتابة الأدبية مبكرا، لكنه فى النهاية كان يترك لنا حرية الاختيار.

هنا أسأل هدى عن نجيب محفوظ الأب: هل كان الأستاذ يهتم لأمرك أنتِ وأختك أم كان مشغولا بإبداعه وعالمه الروائى فقط؟ لتجيب: كان أبا حنونا يحب ابنتيه جدا، ومندهشة أن هناك من يتصور مثلا أنه كان عايش لوحده واحنا لوحدنا..  واحنا أطفال كان بيخرج بنا ويفسحنا ويتنزه معنا فى أى مكان مفتوح كل يوم جمعة، وكان يخرج معنا فى الأعياد وكنا نسافر الإسكندرية معه فى الصيف لقضاء فترة المصيف، وفى طفولتنا زرنا كثيرا جدتى وأعمامى وكنا صغارا وقتها، وما زلت أذكر مرة رأيت فيها جدتى، ولكن أمى أخبرتنا أننا زرنا بيت عائلتنا كثيرا جدا ونحن صغار وزرنا عمى إبراهيم وهو أكبر أخوته وعمى محمد أيضا وهما يكبران والدى بسنوات كثيرة، كما رأيت عماتى باستثناء عمة واحدة ماتت قبل ولادتى بعد أن مرضت، وبالطبع لم أر جدى لأنه رحل  قبل أن يتزوج والدي.

وأسأل: هل كان نجيب محفوظ يتمنى ان يكون له ولد وهل راودتكما انت واختك هذه الأمنية؟

وترد هدى: لم يخطر هذا الأمر على بال والدى على الإطلاق ولم يخطر على بالى انا واختى ايضا. 

وأسأل هدى عن علاقة محفوظ بزوجته ووالدتها السيدة عطية الله لتجيب قائلة:

والدى رأى والدتى وتعرف عليها عن طريق صديق مشترك بينه وبين أسرتها، وفى اليوم التالى مباشرة لتعرفه عليها تقدم للزواج منها.. هكذا حكت لى والدتى وتفسيرى لتقدمه السريع للزواج بها هو أنه كان طوال الوقت مترددا فى الزواج لأنه كان يخشى أن يؤثر زواجه على الأدب وعلى كتاباته فكان يؤجل مشروع الزواج من وقت لآخر وعرضت عليه عروض كثيرة للزواج لكنه كثيرا ما كان يتراجع حتى توسم فى والدتى أنها هى التى ستحقق له التوفيق التام بين الحياة الأسرية والأدب، وأنها ستحقق له ما كان يحلم به ويتمناه من ألا يؤثر الزواج على تفرغه التام للكتابة والإبداع بدأب وانتظام، لذلك سارع بالزواج منها.. وكما ذكرت كانت هناك مشاريع خطوبة وزواج كان يتراجع عنها قبل زواجه بوالدتى، وأعرف على سبيل المثال أن والدته رحمها الله كانت تريد بإصرار تزويجه من قريبة لهم كانت شقيقة لزوجة أخيه ومن أسرة فى منتهى الثراء تمتلك مئات الأفدنة الزراعية قبل الثورة، ولكنه رفض هذا الزواج لأن ظروفه المادية لم تكن تكافئ على الإطلاق أو حتى تقترب من ظروف أسرة تلك الفتاة المادية، وأذكر فى إحدى المناسبات العائلية أن والدتى أشارت إلى إحدى السيدات الحاضرات وقالت لى أنا وشقيقتى: "أبوكم كان هيتجوز الست دى".. وأقول لهدى: ربما كما يقول البعض إن أباك أخفى خبر زواجه من والدتك لمدة عشر سنوات بسبب أنه لم يكن يريد مواجهة والدته التى كانت تريد تزويجه من ابنة الأسرة الثرية، وأن مسألة الزواج عرفت حين حدثت خناقة بين إحداكما أنت أو أختك وبين زميلة لها فى المدرسة فأجابت سريعا: هذه معلومة كاذبة وغير صحيحة على الإطلاق فأبى لم يخف زواجه من أمى مطلقا، ولديّ دليلان يدحضان هذه الفرية الكاذبة أولهما ما ذكره الأستاذ كمال الملاخ من أنه حين علم أن نجيب محفوظ أنجب بنتا سمّاها أم كلثوم "يقصدنى أنا" نظرا لحبه لكوكب الشرق.. قال له الملاخ إن أم كلثوم ليس هو الاسم الحقيقى لسيدة الغناء العربى وإنما اسمها الحقيقى هو فاطمة فرد عليه نجيب محفوظ خلاص المرة الجاية نسميها فاطمة، وهو ما حدث بالفعل حين سمى والدى أختى باسم فاطمة، أما الدليل الثانى فهو كان دليلا ماديا واضحا جدا حين عثر الكاتب محمد شعير على عدد قديم من مجلة الكواكب نشرت به صورتان لى ولأختى فاطمة "فاتن" ونحن طفلتان صغيرتان جدا ولم يكن عمرى وقتها يتجاوز الرابعة، فكيف إذن أخفى والدى خبر زواجه لمدة عشر سنوات بينما نُشرت صورة ابنتيه وأكبرهما كانت فى الرابعة من عمرها، وكيف كنت فى المدرسة وأنا فى الرابعة وكيف تدخل ابنة الرابعة فى خناقة من الأساس؟!. 

وبمناسبة أم كلثوم سألت الأستاذة هدى أو أم كلثوم عن هؤلاء الثلاثة الذين ارتبط  بهم محفوظ وجدانيا وظل وفيا على محبتهم دائما سعد زغلول والنحاس وأم كلثوم وأجابت: كان والدى عاشقا كلثوميا كبيرا والجميع يعرف عنه هذا الأمر، وكان شديد المحبة لسعد زغلول والنحاس، وكان يعلن هذه الحقيقة دائما  دون خوف أو تهيب من أحد، وسألتها ثانية إن كان الأديب الكبير قد شكا لها أو لأختها يوما من مضايقات كثيرة تعرض لها فى عصر عبد الناصر بسبب كتاباته وصلت لصدور أوامر باعتقاله لولا تدخل عبد الناصر شخصيا وأجابت هدى: كان الوقت صعبا وكنا طفلتين صغيرتين، وطبعا لم يكن ممكنا أبدا أن يفشى لنا بسر هذه المضايقات، وقد كان من الجائز مثلا أن نذكرها أمام أى شخص ببراءة الأطفال دون أن ندرى عواقبها على والدى وعلينا جميعا.

وهل كان يحدث نوع من الخصام بين والديك؟ تجيب هدى: لا أعرف لكن أكيد كان بيحصل حاجات من هذا القبيل، فطبيعى أن تكون هناك خلافات فى وجهات النظر، ولكن المؤكد أن والدى كان يدين لوالدتى بالكثير من نجاحاته، فهى قد حققت له المعادلة الصعبة بين أن يقيم بيتا ويكون أسرة من ناحية وأن يتفرغ لحرفة الكتابة والأدب من ناحية أخرى.. ووالدى كان وقته موزعا بين الوظيفة والكتابة وحضور الندوات المختلفة وكان فى كل هذا منظما جدا وكل حياته بالمواعيد.. يذهب إلى عمله ثم يعود للبيت ويتناول الغداء ثم ينام وقت القيلولة ثم يستيقظ ليكتب ثم يقرأ، ويوم الخميس كان يتفرغ للجلوس مع الحرافيش وبقية أصدقائه، ويوم الجمعة للندوات، وكل هذا كان يتم بنظام دقيق، ووقتها كنت وأختى طفلتين حتى خروجه على المعاش، وبعد المعاش زاد حضوره للندوات، وفى كل هذا كان والدى منظما جدا، وكانت والدتى تتحمل العبء الأكبر فى تنظيم وقته وعمله وتفرغه للكتابة وكانت صبورة جدا تتحمل عبء البيت بالكامل، ووفرت له الجو والمناخ ليركز فى إبداعه تماما، ومثلا لمعرفتها بحبه الشديد لصوت أم كلثوم وفرت له كل إسطواناتها، فهى كانت تتفهم تماما أنها زوجة رجل غير عادي.. هذه كلها تفاصيل حياتنا قبل أن يحصل والدى على نوبل وقبل حادث محاولة اغتياله الغادرة، والغريب أن أغلب من يتكلمون عن نجيب محفوظ يتكلمون عن هذه المحطتين الأخيرتين فى حياته وما بعدهما دون أن يدركوا أنه مع حادث الطعنة كان والدى فى الثالثة والثمانين من عمره، وأنه فى تلك السن الطاعنة كان قد بدأ يفقد السمع والبصر بشكل كبير جدا، فكيف يقيسون حياة نجيب محفوظ كاملة على تلك السنوات الأخيرة فى عمره.. فوزه بنوبل ثم حادث الطعنة الغادر؟.. وأقول لهدى أين كنت فى كلا الحدثين.. نوبل ومحاولة الاغتيال؟ لترد:

يوم إعلان فوز أبى بجائزة نوبل كنت فى الشغل ولم أعرف بالخبر بينما عرفته أختى فى ساعته، وحين عدت إلى البيت كانت الدنيا هايصة وما لحقتش أحس بأى حاجة.. البيت يوميا يمتلئ بالصحفيين وبناس تانية كتير..  أروح الشغل أرجع ألقى ناس كتير بالليل، واستمر هذا الوضع حتى سفرنا إلى السويد لاستلام الجائزة نيابة عن والدى، وبعد العودة من السويد استمر نفس الوضع، فقد كان هناك صحفيون أجانب يجيئون من الخارج للقاء والدى حتى خصصت له الأهرام مكتب الأستاذ توفيق الحكيم للقاءاته المختلفة، وحتى قال والدى يوما "أنا بقيت موظف عند نوبل.. وبالمناسبة هو كشخص لم يتغير ولم يغير نمط حياته بعد نوبل، فلم يقم احتفالا خاصا مثلا  ولم يغير برنامج حياته وسارت حياته بشكل عادي.. قابل الحرافيش فى اليوم التالى وخرج يتمشى كعادته،  وبالمناسبة كان أبى يحب المشى جدا وكان يمشى لمسافات طويلة.

أما بالنسبة لحادث الطعنة فقد كان يوم جمعة وكنت نائمة فى حجرتى، وأنا عادة لا أنام فى النهار ولكن لأنه كان آخر الأسبوع وبسبب إرهاق العمل نمت، وجاء ناس وكلموا والدتى فى الإنتركم وقالوا لها إن والدى عمل حادثة   وقمنا مفزوعين وذهبنا إلى المستشفى وعرفنا أنها كانت محاولة اغتيال، ومكث والدى فترة طويلة بالمستشفى،  ولست أذكر ماذا قال لنا على وجه التحديد حين تحدث إلينا لأول مرة بعد إفاقته من الحادث الخطير.

 عن السكر.. والأصدقاء.. والمتحف

ولأنه كان مريضا بالسكر أسأل هدى عن تعامله مع هذا المرض، وهل كان يؤثر عليه فى  حياته وفى طقوسه.. هل كان يؤثر عليه فى صيام شهر رمضان على سبيل المثال؟ وتجيبنى ابنة أديب نوبل الكبير:    بعد زواجه اكتشف والدى أنه مريض بالسكر، وقد أثر هذا المرض على بصره لدرجة أنه فى آخر عشر سنوات فى حياته لم يكن يستطيع أن يقرأ نهائيا، ولذلك كان يحاول أن يقلل من حدة وشدة المرض لديه بالمشى الكثير جدا يوميا خصوصا بعد أن خرج على المعاش، وأذكر أنه فى أوقات كثيرة كنا نخرج معه لكى نقوم بتوصيله إلى المكان الذى يريده، وكثيرا ما كان يقرر أن يذهب إلى منطقة الجمالية وكثيرا ما كان يحكى لنا ذكرياته فى تلك المنطقة ومدرسته الإبتدائية والمكان والبيت الذى ولد فيه.. وكنا نجلس معه على المقهى الذى يحمل إسمه. 

وبالنسبة لمسألة الصيام فهو بحكم مرضه كان ممنوعا بأوامر طبية من الصيام، وهو كان مريضا مثاليا يداوم على متابعة السكر لدى الأطباء ويلتزم بتعليماتهم وينظم طعامه وشرابه بشكل ممتاز.

وأسال هدى نجيب محفوظ عن أصدقاء نجيب محفوظ وعمن كان يزور أديب نوبل الكبير فى منزله فتقول: زاد عدد تلاميذ ومريدى الأديب الكبير عقب حادث الطعنة الغادر، وبعد أن كثرت الندوات التى كان يحضرها بشكل مستمر، أما أصدقاء أبى القدامى فمنهم أصدقاء الطفولة والحرافيش وأغلبهم رحلوا فى حياته، وكان من أقرب أصدقائه الأديب الكبير ثروت أباظة، فقد كان ضمن الحرافيش وتركهم ولكن استمرت علاقته بوالدى قوية جدا، وكان هو الوحيد الذى كان يزورنا فى البيت فى حياة أبي.. وكان توفيق الحكيم من أقرب أصدقاء والدى إليه وقد جمعت بين هذين العملاقين صداقة وطيدة، وكان نجيب محفوظ يعتبر توفيق الحكيم أستاذه وصديقه،  وفى عيد ميلاد أبى أهداه الحكيم قلما فاخرا، كما قدم له هدية أخرى من الفضة، وكان والدى ينفى عن الحكيم تهمة البخل ويقول إن الحكيم اشترى لابنه إسماعيل رحمه الله جيتارا وآلات موسيقية أخرى غالية عندما شارك إسماعيل فى إنشاء فرقة موسيقية، ولو كان الحكيم بخيلا ما فعل، وكانت لديّ كتب لتوفيق الحكيم أهديتها لمتحف نجيب محفوظ وقع عليه الحكيم بإهداءات عظيمة غاية فى المحبة والتقدير لنجيب محفوظ ولأدبه وإبداعه.. وحين حصل محفوظ على جائزة نوبل بعد عام واحد من رحيل الحكيم قال بالحرف الواحد: ما كنتش أعرف هاتصرف ازاى لو توفيق الحكيم كان عايش وفزت بالجائزة فى حياته، تعبيرا عن أنه كان سيشعر بالحرج منه كونه فاز بها ولم يفز بها من كان يعتبره أستاذه.

وأسأل الأستاذة هدى عن متحف نجيب محفوظ فتجيب: مشكلة المتحف أننا سلمناه جزءا من متعلقات أبى ثم قامت ثورة 25 يناير فتوقف كل شىء، ولكن بعد يناير وجدت أن المتحف صغير لدرجة أن هناك أشياء من متعلقات والدى غير معروضة، لذلك من الصعب أن أهديهم أشياء أخرى.    

 الأيام الأخيرة

 وأسأل هدى عن الأيام الأخيرة فى حياة نجيب محفوظ وهل أوصاها وأمها وأختها بوصية معينة فتقول: قبل حوالى عام من سقوطه فى المنزل كان جسده قد بدأ يضعف جدا وكان يشتكى كثيرا من متاعب فى الاثنى عشر   ولذلك لم يكن يأكل إلا القليل جدا، وهو ما أدى إلى ضعفه الشديد، وكان يتكلم قليلا جدا وبدأ سمعه يضعف أكثر، وكنا نتواصل معه بصعوبة وكان يقول لى على صوتك أو وطى صوتك، وكان لا يميز الصوت ولا يسمع إلا بأذن واحدة، وحين وقع فى الشقة نقلناه سريعا إلى المستشفى فى العناية المركزة ووضع على جهاز الأوكسجين لفترة، ويبدو أن استمرار المريض على  جهاز الأوكسجين يمكن أن يفقده النطق وهذا ما حدث مع والدى، فقد كان يريد أن يتحدث إلينا ويتكلم معنا لكن صوته لم يخرج.. وفى يوم من أيام مرضه لاحظت هذا الأمر بوضوح وبالتالى لم يوصِنا بشىء ولم يترك لنا وصية.

وأسال الأستاذة هدى عن أحوالها بعد رحيل والدها الكبير العظيم نجيب محفوظ فترد: مشكلتى أننى دخلت عالم المثقفين بعد رحيله.. ممكن تقول بعد رحيله أننى دخلت عالم الفتوات.. هذا الأمر يؤلمنى كثيرا ولا أستطيع أن أعمم.. كانت المسألة أشبه بحرب من ناس كتيرة حاجة صعبة فى الحقيقة.. لقد صادفنا أشياء صعبة وأطلقوا شائعات ضدنا.. بصراحة دخول عالم المثقفين كان تجربة قاسية بالنسبة لنا.. كانت الأمور تدخل فى إطار المصالح الشخصية، حاولوا إطلاق شائعات ضدنا هدفها أن ينفروا الناس منا.. والحقيقة أننى اقتنعت بما قاله البعض لى من أن ابتعادنا عن الإعلام كان جزءا من المشكلة.

وفى النهاية هذه الحرب كان سببها مصالح شخصية ولا أستطيع أن أوضح أكثر من هذا.

وأخيرا سألت هدى: ألم تفكرى فى كتابة مذكراتك وذكرياتك مع الأب والأستاذ نجيب محفوظ فقالت: كانت أختى تفكر فى كتابة ذكرياتها، وبالنسبة لى مازال هذا الاحتمال قائما وواردا.. انتهى الحوار ولا تنتهى متعة الكلام والإبحار فى عالم ابن مصر ونجيبها الكبير... فانتظرونا فى الحلقة القادمة.


 	محمود مطر

محمود مطر

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - صلاة الطفولة

  ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...

سهيلة الرملى: «اتكلمى» ركزت على المسكـوت عنه فى كتب التاريخ

الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى

«السيد فى حقل الأدب».. شهادات وقـراءات كاشفة لعالم صبرى موسى

ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية

خالد أمين: وقعت فى غرام الـرعب والغموض

أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد