لم يكن هناك ما يُمكن توقعه من سائق محترف، يعيش فى مدينة الغردقة، سوى أن يقود سيارته الحكومية "الدوبل كابينه" بسرعة وإتقان باتجاه المدينة القديمة، التى تبعد عن مدينة
لم يكن هناك ما يُمكن توقعه من سائق محترف، يعيش فى مدينة الغردقة، سوى أن يقود سيارته الحكومية "الدوبل كابينه" بسرعة وإتقان باتجاه المدينة القديمة، التى تبعد عن مدينة "الغردقة" بمسافة 140 كيلو متر جنوباً، لكن السائق كسر كل التوقعات، فقد كان رجلاً ماهراً وحكيماً وحكاء بارعاً فى الوقت نفسه، من ذلك النوع الذى تنتمى حكمته إلى الشارع، فقد ظل يروى بصوت خشن حكاياتٍ كثيرةً عن تلك الجبال الشاهقة، التى تعدو على يمين الطريق إلى مدينة "القصير"، والتى تقف صامدةً هنا منذ آلاف السنين، كأنها تحرس البحر، لكنها فى الحقيقة تخفى المعادن فى جوفها، الجبال التى تشمخ رؤوسها "الحمراء" المدببة فى الأعالى جافة وحارة وخانقة، لكنها تحوى فى باطنها الكنوز، ربما لكى يشقى الإنسان فى الوصول إليها.
الحق أن كل شىء فى القصير كان يقود إلى مفاجأة مذهلة كونه ينطوى على شىء آخر، هذا السائق نفسه يعمل فى الوظيفة الحكومية صباحاً، لكنه يمتلك (تاكسى) يعمل عليه مساء، ونشاطه الأكبر فى السياحة، وأكاد أجزم أنه من أسعد الناس حظاً اليوم، بعد عودة أفواج السياحة "الروسية" إلى شواطئ البحر الأحمر الخلابة، وهو يشبه أهالى البحر الأحمر، ويبدو مثل أيقونة محلية، بشرته السمراء وشاربه الفاحم المجروحين ببياض شاهق على الأطراف، هذا البياض الذى يتحرك أثناء الكلام ـ تحت نظارة سوداء من هول الشمس، وحين يحكى يشير إلى السكان القليلين فى مدينة القصير، الذين ينحدرون من قبائل عربية مثل قبائل "العبابدة"و"المعازة" و"البشارية"، ويقول ضاحكاً: "ويكون فى علمك.. الأجانب اللى بييجو الغردجة والجُصير يعرفوا قيمتها أكثر مننا احنا أهل البلد.. تصوَّر!!".
طبعاً كنت أعرف هذا الكلام، فقد وقعت أنا نفسى فى فخ المعلومات المغلوطة، وقد جئت إلى القصير جاهلاً عنها الكثير ومزدحماً بمعلومات كاذبة أيضاً، فقد تعرضت للتضليل حينما قرأت ـ متصفِّحاً هاتفى ـ معلومةً مثيرة للغثيان على موقع "ويكيبيديا" على شبكة الانترنت، أصابتنى بصداع نصفى، تقول المعلومة المغلوطة: "إن مدينة القصير" تضم تمثالاً للسلطان العثمانى الغازى (سليم الأول توفى: 1520 ميلادية)، وأن هذا التمثال لا يزال موجوداً فى وسط المدينة، وهو ما عرفت بعد دخولى المدينة أنه كلام فارغ، وأنه لم يكن هناك تمثال لأى سلطان عثمانى فى هذه المدينة، وأن قليلاً من العمل الميدانى ينجى من كل هذا الضلال الذى يتناقله الناس عن "موقع إلكترونى" يفتقر إلى الدقة.
للأسف شكلت مجموعة من التزييفات التاريخية علاقتنا نحن المصريين بمحافظة "البحر الأحمر" عموماً، رغم أنها المحافظة التى تضم حوالى 1/8 من مساحات الشواطئ المصرية، بينما يسكنها نحو نصف مليون نسمة، وقد انتقلت إدارة البحر الأحمر الإدارية بعد ثورة يوليو 1952 إلى نظام الحكم المحلى، بعدما ظلت تبعيتها طوال فترة الاحتلال الإنجليزى لمصر (1882 ـ 1956) لسلاح "حرس الحدود"، وبحسب التقسيم الإدارى تضم محافظة "البحر الأحمر" إلى جوار مدينة القصير مدن: "الغردقة ورأس غارب وسفاجا ومرسى علم والشلاتين وحلايب".
لقد شكلت الأكاذيب التى خلفها الاحتلال ـ على ما يبدو ـ جزءاً من علاقتنا بمدينة "القصير"، ما ترك آثاره على حياة السكان، وترك أثراً على علاقة الدولة المصرية بهذه المدينة، التى كانت ذات يوم واحدة من أهم موانئ العالم القديم، وشرياناً رئيسياً للتبادل التجارى بين مصر وقارة أفريقيا، لكن أحداً من صانعى القرار لم يلحظ ـ حتى الآن ـ أن الحاجة تزداد إلى "القصير" اليوم أكثر من أى وقتٍ مضى، خصوصاً فى ظل ما نعيشه من لحظات تاريخية عصيبة، تشهد فيها العلاقات بين دول قارة إفريقيا توتراً، فى ظل تداعيات الخلاف المتنامى بين أطراف أزمة "سد النهضة الأثيوبى"، من ناحية، وفى ظل استغلال بعض الدول الآسيوية المطلة على "البحر الأحمر" مدنها الساحلية الناشئة، لتنشيط السياحة فى بلادهم، فى الوقت الذى تستطيع فيه "القصير" بآثارها وقلعتها القديمة، أن تكون رأس جسر بين عديد من بلدان العالم القديم، فيما يُمكن أن نسميه "السياحة الثقافية".
قطع السائق أفكارى حين قرر أن يتوقف ليستريح، نزلنا على يمين الطريق فتحنا زجاجتى مياه وأشعلنا سيجارتين، ثم عدنا "لنمسك الطريق"، فعاد السائق إلى الحكايات القديمة عن هذه الجبال وناسها وكنوزها: الفوسفات والمنجنيز والتلك (يصنع منها بودرة التلك) والنحاس والذهب وغيرها، تحدث عن نقص المياه الصالحة للشرب فى كثير من هذه المناطق البعيدة عن العمار، حكى عن العطش الذى يعرف آلامه سكان الصحراء وحدهم، اليوم توزِّع الحكومة سيارات "مياه صالحة للشرب" بين ربوع مدينة القصير، لكن فى الماضى، يقول السائق الذى يناديه الناس "أبوخالد":
"زمان كانت مياه الشرب مشكلة عويصة، لأن الآبار الطبيعية قليلة ومليئة بالمخاطر، بينما المياه القليلة الصالحة للشرب كانت تأتى عن طريق السفن من السويس، لصالح شركات التعدين الأجنبية، وكان قطاع عريض من سكان الصحارى يعانى من نقص المياه، هذه الأيام اختلف الأمر، لكننا نريد مصدراً للمياه العذبة يؤسس حياةً جديدةً فى البحر الأحمر، أما بالنسبة إلى الطرق وغيرها من الخدمات، اليوم اختلف الأمر تماماً، ومن يحدثك يبقى على هذه الطرق طوال النهار وأغلب ساعات الليل، عمرنا ما شفنا دا قبل كدا، لقد باتت الطرق بين مدن البحر الأحمر والغردقة كثيرةً ومُمهدة، والعمل عليها وصيانتها لا يتوقف، ودا من حسن حظنا بجى".
ابتسم السائق على غير عادته، بينما كانت السيارة تطوى الطريق بسرعة لا تتناسب ودرجة حرارة تزيد على الأربعين ودرجة الرطوبة المرتفعة، تمضى متجاهلة تلال الصحراء التى تخلفها وراءها، والهواء القوى والساخن الذى يهب من جو عام فى منتهى النقاء، إذا نظرت على شمالك ستجد البحر، وقد تلاحظ سفينة يُشحن فيها الفوسفات، ويتطاير الغبار منها، أما إذا نظرت إلى يمينك، فلن ترى سوى الجبال، هناك نباتات صغيرة، تتجمَّع قرب "مخرات السيول"، وتلك واحدة من صعوبات الحياة فى صحراء الجنوب الشرقى، لأن مياه الأمطار كانت دائماً تجور على الطرق الممهدة بالرمال الناعمة، التى تعطل الحركة إلى حين، اليوم تأسس الكثير من "مخرات السيول"، بما لا يسمح بعودة الأزمة، وباستثناء الجبال المدببة كالسكاكين وأعمدة الكهرباء وبعض الأكشاك الخشبية التى يسكنها الزهاد أو العابرون ونقاط الأمن المرورية والعسكرية، قد لا ترى شيئا فى الطريق إلى "القصير".
منارة ثقافية
دخلنا المدينة فى الثانية عشرة ظهراً، ولأول مرة أتحقق من تعبير "الشمس فى كبد السماء"، فقد حولت الحرارة المرتفعة ملابس الناس إلى لونين، الجزء العلوى منها دائماً داكن ومتعرق، بينما الجميع يعانى ليتخذ الإجراءات الوقائية فى أماكن التجمعات، وسط إحساس عام بالعطش ورغبة عارمة فى شرب كميات إضافية من المياه، دخلنا المكتب المكيف لرئيس مدينة القصير اللواء أشرف البيه، كأنما دخلنا فى هدنة أخيراً مع الشمس، فرحب بنا الرجل وكان كريماً جداً فى ضيافته، وبدا قادراً على استيعاب مهام منصبه، واحتياج المدينة إلى مشروع ثقافى كبير، بالتعاون مع مديرة الفرع الثقافى التابع للهيئة العامة لقصور الثقافة" فى البحر الأحمر سوسن محمد عبدالرحيم، على أمل أن تتم بلورة هذا المشروع ليكون نواة احتفال من بين احتفالات السادس من أكتوبر المقبل.
حين خرجنا من مكتب رئيس المدينة تحركنا بالسيارة حتى وصلنا إلى تمثال أو شعار "عروس البحر"، الذى يتوسط "القصير"، كأن الزمن قد تحرك فجأة وأصبحنا جزءاً من حكاية أسطورية قديمة، تدور حول تلك الجنيَّة التى تخطف الرجال وتغوص بهم فى أعماق البحر، ثم لا يعود واحد منهم أبداً ليحكى لنا ما حدث، لم أكن أتخيل يوماً أن أقف تحت تمثال منحوت لـ"عروس البحر" من دون أن أتذكر حكايات الطفولة المخيفة فى أرياف الوجه البحرى، وقبل أن أسرح بخيالى تذكرت أننا نقف تحت تمثال "عروس البحر" فى لهيب شمس أغسطس الحارة، بانتظار الباحث طه حسين الجوهرى، أحد المهتمين بالتراث التاريخى للمدينة، الذى كان عيناً إضافيّة لنا، قادنا مباشرةً إلى "الطابية العثمانية" أو القلعة العثمانية، ومن هناك بدأ تاريخ آخر للمدينة يتكشف أمامنا.
يقول الباحث المهتم بتاريخ القصير "طه الجوهرى" إن الاهتمام بالمدينة بدأ مبكراً جداً من قبل حكام مصر القديمة، فمنها انطلقت رحلات الملكة المصرية "حتشبسوت ـ 1458 ق.م" لاكتشاف بلاد البخور والأقزام، أقصد "بلاد بونت" ـ الصومال حالياً ـ إلى أن جاء السلطان العثمانى سليم الأول 1517 ميلادية، غازياً لمصر، وأنشأ القلعة الخاصة به قرب ميناء القصير، والتى ظلت تلعب دوراً مهماً طوال فترة الحكم العثمانى لمصر، والأرجح أن القلعة العثمانية تأسست لحماية "الشونة"، أو "صومعة الغلال" التاريخية الشهيرة التى كان المصريون يجمعون فيها ضريبة الغلال للسلطان العثمانى، التى شغلت دائماً بطون السلاطين العثمانيين واعتبروها "بيت الغلال" الخاص بالسلطنة، مثلما كانت أداة فى يد حاكم إقليم الصعيد "شيخ العرب همام ـ توفى 1769 ميلادية" وتسببت هذه الصومعة فى إزعاج كثيرٍ من حكام مصر على طول تاريخها الحديث، واستمر محمد على باشا وأسرته فى الاهتمام بها وأسس فيها أول "حجر صحى" يعرفه "الشرق الأوسط"، إلى أن جاء الرئيس جمال عبدالناصر وخطب القصر الحكومى"، على بعد أمتار من هذه "الشونة".
الحكاية التى ترويها القلعة العثمانية أشعرتنا بالفخر، رؤية هذه المدافع التابعة للحملة الفرنسية على مصر "1798 ميلادية"، منتشلة من قاع البحر الأحمر، ومعروضة فى هذه القلعة كان مصدر فخرنا، لأن "الشعب المرجانية"، كانت تلعب دائماً لصالح أولاد البلد، بل كانت دائماً سلاحاً بحرياً فتاكاً ضد كل مغامر جهول وطماع، وبينما كان أحد ضباط نابليون يجرى بسفنه ليدخل "ميناء القصير" كأنه فى تمرين بحرى، فوجئ بالشعب المرجانية تنهش سفنه وتسحبها إلى القاع، وعلى متنها المدافع وطلقاتها (وهى كرات حديدية ثقيلة، تكفى لهدم عدة بيوت طينية)، لقد شعرنا بالفخر لأن هذه السفن حين لم تجد قوة عسكرية تصدَّها، وجدت ـ بالمصادفة الجغرافية لهذا البلد المسالم ـ قوة طبيعيّة تغرقها فى قاع البحر.
اكتشفنا أننا نستطيع أن نحول هذ "القلعة العثمانية" إلى مصدر قوة لنا، فقد وجدنا فيها موقعاً ثقافياً مهماً، يُمكن أن يتحول إلى منارة ثقافية كبرى لـ "عروس البحر الأحمر"، ويكون مشروعاً جاذباً للسياحة العالمية، إذا تم توقيع بروتوكول بين وزارتى "الثقافة" و"الآثار" بالتعاون مع مجلس المدينة طبعاً، لتنظيم ملتقيات ثقافية كبرى داخل هذه القلعة، وأن تستغل هذه الملتقيات فى نشر الفنون الثقافية التراثية والشعبية للسكان، وجلها فنون ذات سمات "مصرية ـ أفريقية"، منها غناء القبائل ورقصاتهم، وتتحول هذه الساحة الواسعة الموجودة داخل "قلعة القصير التاريخية" إلى واحدة من أهم ملتقيات الثقافة والفنون الأفريقية الرفيعة، التى تزيد من حيز الثراء الثقافى للمدينة، وتضعها ـ فى الوقت نفسه ـ على رأس خريطة السياحة الثقافية فى القارة، وبمثل هذه الاحتفاليات نعمل على تجميل "القصير" لتكون جديرة بلقب عروس البحر الأحمر.
"متحف القصير العام"
وعلى الرغم من أن زيارتنا إلى مدينة القصير جاءت قبيل أيام من عودة السياحة الروسية إلى شواطئ البحر الأحمر، إلا أننا لمسنا بدايةً جيدة لعودة النشاط السياحى إلى المدينة، جولة واحدة بالسيارة على بعض الفنادق الكبرى أشعرتنا بعودة الماء إلى مجاريها نسبياً، بات من الممكن ملاحظة وجوه أجنبية تعبر طرقات فى الفندق، الذى يضم غالبية من المصريين، بما يعنى عودة السياحة الأجنبية بمعدلات معقولة إلى الغردقة والقصير، وما عرفناه أنه مع هذه البداية الجيدة عادت بعض الفنادق التى كانت أغلقت أبوابها خلال العامين الماضيين بسبب تراجع السياحة العالمية نتيجة انتشار "فيروس كورونا" حول العالم، وأغلب الظن أن ما تبقى من فنادق مغلقة سوف يعود إلى العمل مع عودة السياحة الروسية.
تناولنا الغداء فى أحد فنادق القصير، ثم انطلقنا نلتهم شوارع المدينة، التى كانت لا تزال غارقة تحت الشمس، لكنها شمس العصارى التى انكسرت حدتها وباتت تتسم بقدر من اللطف، شمس تسمح لنا بتأمل الشبابيك والبالكونات الخشبية المزخرفة يدوياً التى تعكس ثقافة سكان هذه البيوت الواسعة التى لا ترتفع لأكثر من دورين، والتى تطل بالكوناتها على الشارع كأنها تسبح فى فضائه، وصلنا إلى بيتين قديمين أقيم بينهما كوبرى خشبى مغلق، لكى يتزاور الجيران من دون أن يضطروا إلى نزول الشارع، أحد البيوت القديمة امتد عمرها لدرجة أنها تحمل على واجهتها "ساعة شمسية" من زمن سابق، وصلنا إلى بيوت لا تزال مبنية من صخور بحرية، يتم استخراجها من قاع البحر واستخدامها فى البناء.
وصلنا إلى مقر "القصر الحكومى" القديم، دسستُ رأسى من أحد الأبواب الخشبية المخلوعة فدهمت أنفى رائحة النشادر الخانقة حيث استيقظت بعض الكلاب الضالة وتحركت بعض الفئران من مخابئها، قال الباحث طه حسين الجوهرى إن هذا المبنى كان استراحة تم ترميمها فى زمن محمد على باشا لتكون "استراحة ملكية" لولده إبراهيم باشا، خلال حروبه مع الوهابيين، لكن هذه الاستراحة آلت الآن إلى وزارة الآثار، فأصبحت مقلباً للقمامة ومرتعاً للكلاب الضالة والحشرات والهوام، على الرغم من موقعها الفريد على البحر مباشرة أمام الممشى القديم للميناء، مشيراً إلى أن هذا المبنى التاريخى المتسع ـ تحول فى عقد الثلاثينيات من القرن العشرين إلى مجمع للمصالح الحكومية: "جمرك" و"مكتب البريد" و"مدرسة القصير الأولية" و"مستشفى"، وأضاف "الجوهرى" بعدما أمدنا بصور قديمة للقصر:
"يُعتبر القصر الحكومى هو المكان المثالى الذى يُمكن استغلاله اليوم فى إقامة وتأسيس "متحف مدينة القصير العام"، وهو ما نتمنى من وزير السياحة والآثار الدكتور خالد العنانى أن يشرع فى تنفيذه فوراً بالتعاون مع الأجهزة المعنية، لإنقاذ صورة مصر الثقافية والتاريخية، وليسهم فى تنشيط السياحة الروسية، التى عادت مؤخراً إلى "القصير"، بعد توقف دام 6 سنوات".
جولة واحدة فى الشوارع تشعرك فوراً بأنك وسط ثقافة مصرية قديمة وغامضة نوعاً ما، مزيج خاص من ثقافتى الصحراء والبحر، العمارة نفسها خليط بين الطراز العمرانى الإسلامى "العثمانى"، والتراث العمرانى الأوروبى الحديث، الذى وجد له مساحة مع قدوم شركات الفوسفات الإيطالية التى ساهمت فى تقديم وجه معمارى متميز لهذه المدينة، يقول الباحث طه الجوهرى:
"هناك الكثير من ملامح العمارة القديمة فى القصير بدأت تختفى، ولو لم نسلط الأضواء على مثل هذه المدينة التاريخية سوف يكون الهدم مصير كثير من البيوت القديمة التى يعود تاريخ بناء بعضها إلى أكثر من قرنين من الزمان، وينقسم النمط القديم إلى نمط إسلامى عثمانى تم إنشاؤه فى مدينة القصير الحالية، التى تأسست على أنقاض ميناء القصير القديم، الذى هدمه البرتغاليون قديماً، حيث انتقل السكان للموضع الحالى، ويتمثل هذا النمط فى "القلعة العثمانية" و"الشونة" ومجموعة الأضرحة والمساجد القديمة وبيوت الحى القديم، وهناك النمط الأوروبى الذى بدأ بقدوم الإيطاليين عام 1912، مع بدء عمل الشركة المصرية الإيطالية لاستخراج الفوسفات، وأبرز نماذج هذا الطراز مبانى شركة الفوسفات التى أقيمت فى بداية القرن العشرين".
فى ختام جولتنا بين شوارع القصير مررنا على "مكتبة مصر العامة"، حيث دخلنا ونحن فى قمة العطش فجاءوا إلينا بكميات وافية من المياه تجرعناها وتجولنا بين القاعات الجميلة الفارغة لهذا المبنى الأنيق، الذى يحتاج إلى كثير من العمل من أجل النهوض به وتشغيله، وهالنا أن أحداً لا يزور المكان بسبب "كورونا"، ولا ينتفع بهذه المكتبة العريقة ولا بهذه القاعات المكيفة التى يمكنها استضافة مؤتمرات كبرى، سوى أعداد محدودة جداً من المهتمين.
شيوخ ورهبان
فى رواية "فساد الأمكنة" للكاتب الراحل صبرى موسى، اهتمام بـ "جبل الدرهيب"، الرواية التى حققت شهرة واسعة لكاتبها كانت تشير إلى كنوز جبال البحر الأحمر وحكاياتها، إلى حياة عمال التعدين الصعبة فى النصف الأول للقرن العشرين، إلى المغامرين الأوربيين الذين لا يعرفون عن الجبال شيئا سوى الذهب، إلى الجانب الغامض والأسطورى فى حياة السكان، الذين باتت الصحراء فردوساً لهم، بعدما فقدوا المدينة، لكن المدينة لم تفقد سطوتها عليهم، تحكى الرواية عن المغامرين والصحراء وسطوتها القاسية، تلك السطوة التى قد تجعل الأحلام بالثراء شيئا ممكناً وملموساً، لكنها إذا فسدت يمكن أن تأخذ معها كل شىء، لقد استطاع صبرى موسى أن ينكأ جراح المكان، ولم يعد ممكناً فهمها من دون العودة إلى هذا الكاتب الكبير.
تقول الحكاية، إنه حتى وقت قريب كانت القصير من الموانئ الرئيسية لمغادرة واستقبال الحجاج القادمين من الجزيرة العربية والمغرب، وغرب أفريقيا وكان "مبنى الحجر الصحى" الموجود أمام الشاطىء،داخل "الاستراحة الملكية" هو المكان الذى يتم فيه فحص الحجاج عند وصولهم وحجز بعضهم لمدة تصل إلى 60 يوماً، وبسبب ظروف الحج التى كانت صعبة جداً فى الماضى، تضم المدينة العديد من أضرحة الأولياء الصالحين الذين توفوا أثناء الذهاب والعودة من الحج، حيث ترجع أصول أصحاب تلك الأضرحة إلى غرب أفريقيا واليمن والسعودية والمغرب والصومال والهند، مما يشير إلى تعدد جنسيات الحجاج المارين بالقصير، وتبين المقابر أن الوفاة فى الحج لم تكن غير معتادة، بل إنها كان تعتبر شيئا مباركاً. ومثلما تحدثنا عن الأولياء كان لا بد أن نبحث عن القديسين، لنجد أن الصحراء الشرقية شهدت نشأة أديرة "القديس بولس" و"القديس أنطون"، فيما عرف بظاهرة رهبان الصحراء، وهكذا جمعت الظاهرة المصريين مثلما جمعت الهلال والصليب ـ دائماً ـ حتى فى قلب الصحراء.
تقول الحكاية التى وردت فى "فساد الأمكنة" ونفضل أن نختتم بها هذه الرحلة العجيبة، إنه لم تكن هناك واقعة سرقة واحدة تذكر بين هذه الجبال منذ بدء حكم محمد على باشا ( 1805 ـ 1848)، منذ سطا أبناء قبيلة "المعازة" على قوافل المحمل الشريف والكسوة الشريفة ونقود الصدقة الأميرية، الذاهبة فى طريق الحج إلى مكة، بين قفط والقصير عبر جبال الصحراء، واجتمعت رؤوس قبيلة المعازة تتقاسم المغانم والأسلاب، بناحية الجبل المعروف الآن باسم "جبل الجوخ"، نسبة إلى جوخ الكسوة المنهوب، فما كادوا ينتهون من القسمة حتى كانت الحملة التأديبية التى أرسلها محمد على الكبير فوق رؤوسهم، فاستولت على الجمال والأعمال، ثم جمعت رجال المعزة ونساءها وبناتها وأطفالها وعادت بهم أسرى، ليعرضوا جميعاً للبيع فى سوق الرقيق بساحة القلعة"، ومن وقتها لم تحدث فى الصحراء سرقة يعتد بها.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...
الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى
ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية
أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد