الراجح أن السيدة عائشة النبوية جاءت إلى مصر هربا من بطش الخليفة العبـــــــــــــاسى أبو جعفر المنصور، وفى أعقاب تنكيله بآل بيت النبى فى مقتلة "فج" على أطراف مكة،
الراجح أن السيدة عائشة النبوية جاءت إلى مصر هربا من بطش الخليفة العبـــــــــــــاسى أبو جعفر المنصور، وفى أعقاب تنكيله بآل بيت النبى فى مقتلة "فج" على أطراف مكة، والراجح كذلك أنها عاشت بمصر أقل من عام، ولما توفيت فى العام 145 هجرية لم يكن عمرها يزيد على 22 عاما، أى أنها ماتت فى عز شبابها، ولم تكن قد تزوجت بعد على أرجح الآراء، ولذلك أطلق عليها المصريون لقب "عروس آل البيت"، وأصبح ضريحها عند سفح المقطم مقصدا لبسطاء المصريين، تبركا بها وطلبا لتيسير زواج بناتهن، فعند عروس آل البيت لا يخيب الدعاء.
ومعنى ذلك أن السيدة عائشة بنت جعفر ماتت فى حياة أبيها الإمام جعفر الصادق، الذى توفى فى العام 148 هجرية ودفن بالبقيع فى المدينة المنورة، وقال عنه الإمام مالك: "ما رأت عين ولا سمعت أذن ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر فضلا وعلما وعبادة وورعا".
(1)
رغم أن السيدة عائشة بنت جعفر ماتت شابة، ولم تتشرف مصر من حضرتها فى حياتها سوى بشهور معدودات، لكن هذا لم يمنع احتفاء المصريين بها وتقديرهم لمكانتها، فكان يكفيهم أن تكون ضيفتهم حفيدة للإمام الحسين، حسيبة نسيبة شريفة من آل بيت النبى، ثم أنها جاءت تلوذ بهم وتطلب حماهم وحمايتهم وهم الذين ألقى الله محبة آل البيت فى قلوبهم، فعشقوا كل من وما ينتسب إليهم، فما بالك بعروس آل البيت، ويمكننا أن نضيف إلى ذلك حالة تعاطف إنسانى خاصة مع تلك الشابة الجميلة، التقية النقية، المجاهدة العابدة، التى وجدت نفسها مجبرة على ترك وطنها، وجاءت إلى مصر لتلقى ربها..وتتعطر أرضها بضريحها.
وقبل أن نفيض فى حفاوة المصريين بالسيدة عائشة، يجب أن نتوقف أولا عند الجهد الكبير الذى بذله المؤرخون والباحثون - طوال قرون طويلة متصلة - فى إثبات قدومها إلى مصر، وهناك إجماع بين الذين أرخوا لسيرة السيدة عائشة على استشهادات أربعة أساسية يدللون بها على أنها "دفينة مصر"، وهى:
1-ما جاء فى كتاب "تحفة الأحباب وبغية الطلاب فى الخطط والمزارات والتراجم والبقاع المباركات" للعلامة الكبير والمؤرخ الشهير أبى الحسن السخاوى الحنبلى.. أنه رأى قبر السيدة عائشة وقد ثبت عليه لوح رخامى مكتوب عليه: "هذا قبر السيدة عائشة من أولاد جعفر الصادق بن الإمام محمد الباقر بن الإمام على زين العابدين بن الإمام الحسين ابن الإمام علــى بن أبى طالب، توفيت سنة خمس وأربعين ومائتين من الهجرة ومعها فى تربتها وحولها كثير من الصالحين أشهرهم الشيخ إبراهيم الفران".
2-ما قاله الإمام عبد الوهاب الشعرانى فى الطبقات الكبرى: "أخبرنى سيدى على الخواص رضى الله عنه أن السيدة عائشة رضى الله عنها ابنة جعفر الصادق فى المسجد الذى له المنارة القصيرة على يسار من يريد الخروج من الرميلة الى باب "القرافة"، وهى السيدة عائشة بنت جعفر الصادق بن محمد الباقر بن على زين العابدين وأخت موسى الكاظم".
3-ما ذكره على باشا مبارك فى كتابه "الخطط التوفيقية" ج2 ص 109 حيث يقول نصا: "مسجد السيدة عائشة النبوية رضى الله عنها به ضريحها الشريف عليه مقصورة من النحاس الأصفر وعلى الضريح تركيبة عليها تابوت مكسو بالاستبرق ومحشى بالأصفر والأبيض، ويعلو ذلك قبة مرتفعة دقيقة الصنعة، وصاحبة هذا الضريح تقصد بالزيارة والنذور ويعمل لها حضرة كل أسبوع ومولد كل عام وهذا المسجد عن يسرة من سلك إلى القرافة الصغرى "..ويقول على باشا مبارك كذلك فى الجزء الخامس ص 43 من خططه: "جامع السيدة عائشة النبوية رضى الله عنها هذا المسجد خارج ميدان محمد على بقرب قرة ميان عن شمال الذاهب الى القرافة الصغرى من بوابة حجاج فى خط يعرف بها، قال الشيخ الصبان فى رسالته فى أهل البيت: قد جدد هذا المسجد ووسعه وأعلى منارته وبنى بجانبه حوضا عام النفع سنة خمس وسبعين ومائة وألف حضرة الأمير عبد الرحمن كتخدا، وهو من المساجد المشهورة المقصودة بالزيارة، وله ثلاثة أبواب باب تجاه الضريح الشريف مكتوب على وجهه بيت شعر وهو:
بمقام عائشة المقاصد أرخت / سل بنت جعفر الوجيه الصادق
و يليه باب يفتح على المسجد مكتوب على وجهه هذين البيتين :
مسجد ألبس التقى فـــــــــــــتراه / كبدور تهدى به الأسرار
وعباد الرحمن قد أرخـــــــــوه / تتلألأ بحبه الأنــــــوار
والثالث باب للميضأة والمراحيض والساقية والمكتب والضريح الشريف عليه مقصورة من الخشب مرصعة بالصدف والعاج يعلوها قبة عظيمة مكتوب على بابها (لعائشة نور مضىء وبهجة.. وقبتها فيها الدعاء يجاب).
4 -دراسة العلامة أحمد زكى باشا، شيخ العروبة وأحد رواد إحياء التراث العربى والإسلامى، والتى نشرها فى جريدة الأهرام فى أغسطس 1931، والتى أثبت فيها وجود جـثمانها الطاهر بالضريح فنادى على رؤوس الأشهاد: (إن المشهد القائم فى جنوب القاهرة باسم السيدة عائشة النبوية هو حقيقة متشرف بضم جثمانـها الطاهر وفيه مشرق أنوارها ومهبط البركات بسببها).
(2)
ظل ضريح السيدة عائشة النبوية مجرد مقام بسيط يقصده المصريون للتبرك، وحتى القرن السادس الميلادى، أى طيلة ما يزيد على 300 عام بعد رحيلها، كان المقام عبارة عن حجرة مربعة تعلوها قُبة، إلى أن كان أول ترميم له فى زمن الدولة الفاطمية، أما التطوير الأول فكان فى زمن صلاح الدين الأيوبى، فعندما بدأ فى بناء سور طوله 15 كيلو يحيط بعواصم مصر الإسلامية الأربع: (الفسطاط، العسكر، القطائع، القاهرة)، ولما اتضح له أن مسار السور سيفصل الضريح ويجعله خارج "القرافة"، فإنه أمر ببناء مدرسة لتحفيظ القرآن تُلحق بالضريح، على أن يُفتح باب فى السور قريبا منه سُمى بباب السيدة عائشة .
وأما التطوير الأهم الذى دخل على ضريح السيدة عائشة فكان فى زمن الدولة العثمانية، وعلى يد الأمير عبد الرحمن كتخدا محافظ القاهرة فى فترة على بك الكبير، وكان الأمير مسئولا عن الأوقاف وله أياد بيضاء على ترميم وتطوير مساجد آل البيت، بل هناك من يعتبره "من أعظم البنائين الذين عرفتهم مصر فى العصر العثماني، وكان صاحب ذوق رفيع فى تنفيذ المنشآت المعمارية الجميلة، وكان له اهتمام خاص بمراقد آل البيت، فجدد المسجد الحسيني، ومساجد سيدات آل البيت :السيدة زينب والسيدة سكينة، والسيدة نفيسة، ومشهد السيدة عائشة".
بنى الأمير مسجدا للسيدة عائشة، وكان صغيرا بالقياس الى ما نراه الآن. ويمكننا أن نجد وصفا تفصيليا لهذا المسجد فى كتابات "السخاوى" و"على مبارك"، ولكن أغلب معالمه تهدمت واندثرت بمرور الأزمنة وتعاقب العصور، وهو ما نستطيع أن نقف عليه فى دراسة أحمد زكى باشا التى صارت مرجعا مهما لتاريخ المسجد، خاصة أن الرجل زاره مرات ليكتب عنه فى تلك الفترة من مطلع ثلاثينيات القرن العشرين، وننقل عنه: "تشرفت بزيارة الضريح، وتلوت أم الكتاب أمام بنت جعفر الصادق رضى الله عنها، فأما الرخامة التذكارية التى رآها السخاوى ونقل لنا ما هو مكتوب عليها، فقد ضاعت أو هى غير موجودة، ولعلها طمرت فى الجدران عندما تولى المرحوم عبد الرحمن كتخدا تجديد الجامع وتوسيعه.. وأما الروحانية فباقية، وأما النورانية فلا تزال مشرقة على البصائر والأبصار .. وأما القبلة فعبارة عن فجوة صغيرة.. وأما المنبر فخشبه عادى بسيط وبابه لا يزال كما وصفه على مبارك من الخشب الرخيص المطعم بالعاج والمقصورة من النحاس الأصفر والتابوت مكسو بالاستبرق المخيش بالقصب الأصفر والأبيض".
أما المسجد على هيئته الحالية فقد تم بناؤه فى بدايات زمن الرئيس السادات عام 1972، فمع أعمال تطوير الميدان وإنشاء الكوبرى العلوى تقرر هدم المسجد القديم الذى كانت جدرانه قد تصدعت وأحجاره تآكلت، وبناء مسجد يليق بحفيدة الإمام الحسين، ولما كان الطراز المعمارى للمساجد والأضرحة فى تلك المنطقة يقتضى المحافظة عليه، فكان الحل العملى هو نقل الحجارة والرخام والشبابيك وكل ما تيسر من مخلفات مسجد أولاد عنان الذى تقرر هدمه بميدان رمسيس، وهو مسجد مملوكى الطراز كان يعد من التحف المعمارية فى ذلك العصر، وأقيم مكانه مسجد "الفتح "الحالى.
وهكذا أقيم مسجد السيدة عائشة الجديد، وكان من أبرز مزاياه تلك المساحة المضافة للمسجد القديم، والتى أوصلت مساحته إلى ما يزيد على 1500 متر مربع، فأصبح يستوعب ما يزيد على 3000 مصلى.
ويبدو أننا مقبلون على تطوير للمنطقة ربما يكون جذريا، وعلى تجديدات وتوسعات بالمسجد ربما تكون الأضخم، وعلى نقلة حضارية ومعمارية ربما تكون الأسطع، وبما يليق بعروس آل البيت.
(3)
ولا بد أن نتوقف عند هذه المحبة الغامرة التى يحملها المصريون للسيدة عائشة، التى تحول ضريحها مع الزمن إلى مقصد للمتعبين وحصن للمساكين وباب للسائلين وملجأ للمتصوفين.
ويمكننا أن ندلل على تلك المحبة بعشرات المشاهد، ولكننا سنكتفى بثلاثة فقط:
الأول: يمكنك أن تراه فى هؤلاء المصريات من أهلنا الطيبين، وهن يقصدن ضريحها ليدعين الله من عنده، تبركا بصاحبته التى كانت من "أهل الدلال على الله" بتعبير أهل الطريق، حتى ييسر الله زواج بناتهن .
والثانى: فى المكانة التى حظى بها مسجدها، والتى تجلت فى وضعه على العملة الورقية من فئة الربع جنيه، وهى عملة كانت متداولة إلى وقت قريب، وكان يزينها صورة مسجد السيدة عائشة.
والثالث: فى تلك الطاقة الروحية التى يشعر بها أهل الحى المحيط بضريحها، ومن يقصده ويقصدها، وليس هناك أفضل ولا أكثر بلاغة من أديبنا الكبير جمال الغيطانى ليحدثنا عن هذه الطاقة:
"فى السعى الى مراقد أهل البيت فى القاهرة، نمر بشوارع تفيض بالحياة، ويتدفق عبرها البشر فكأنهم يستأنسون بهم، ويطوفون باستمرار حول مراقدهم الشريفة الطاهرة.. السيدة عائشة، اسم إذا سمعه الإنسان تتداعى إلى ذهنه معان عديدة، فهى من بيت النبوة، وأيضا اسم لمسجد شهير.. واسم لمنطقة كاملة تماما مثل سيدنا الحسين، والسيدة زينب، والسيدة نفيسة.. يطالعنا مسجدها المطل على الطريق السريع، والذى يواجهه جسر للسيارات، وتطاول مئذنة المسجد، مآذن أخرى قريبة مثل، السلطان حسن والرفاعي، وابن طولون، وشيخون، ومآذن مسجد محمد على التى تقوم فوق القلعة وتشكل خلفية للقاهرة القديمة والحديثة. على الطرف الآخر من الطريق قباب الخلفاء العباسيين، وأضرحة الأمراء المماليك.. لذلك فإن الساعى إلى مراقد آل البيت فى هذا المسار لا يرى فقط أضرحتهم الطاهرة، إنما سيمر بأغنى منطقة فى مصر مزدحمة وثرية بالآثار الإسلامية من مختلف العصور.. أينما اتجه البصر لا بد أن يقع على قبة منقوشة، أو مئذنة رشيقة التكوين، أو آيات بينات محفورة بخط جميل على الجدران. نتوقف أمام مسجد السيدة عائشة، نتأهب للدخول إلى فضائه الجميل، المهدئ للنفس.. الباعث على الطمأنينة والأمن الروحى.. تلك سمات تميز كل مراقد آل البيت فى مصر، ولذلك ستلحظ العين وجوه مريدين جاؤوا من شتى الأماكن. من الريف، من الحضر، يسعون للزيارة.. وبالنسبة لى فإن مرقد السيدة عائشة يعنى لى لحظات خاصة جدا، فعندما فاضت روح أمى إلى بارئها رحمها الله عام ثلاثة وثمانين وتسعمائة وألف، صلينا عليها أمام ضريح السيدة عائشة ومرقدها الطاهر، كانت رحمها الله محبة لآل البيت، منتظمة فى زيارتهم، خاصة السيدة زينب، والسيدة نفيسة، والسيدة سكينة، وطبعا سيدنا الحسين من قبل ومن بعد، لذلك احتفظ لمرقد السيدة عائشة بمشاعر خاصة وأحرص على زيارته".
وهل هناك ختام أجمل من هذه الشهادة التى تفيض بهذا العشق للمكان وصاحبته.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...
الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى
ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية
أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد