السيدة عائشة.. بنت الإمام وصاحبة الميدان وحـــارسة «المقطم»

فى التاريخ الإسلامى "عائشتان" شهيرتان، وعائشة الأولى هى الأهم والأشهر، ونقصد بها بالطبع السيدة عائشة أم المؤمنين، زوج النبى وحبيبته وابنة حبيبه الصديق أبو بكر، ودفينة

فى التاريخ الإسلامى "عائشتان" شهيرتان، وعائشة الأولى هى الأهم والأشهر، ونقصد بها بالطبع السيدة عائشة أم المؤمنين، زوج النبى وحبيبته وابنة حبيبه الصديق أبو بكر، ودفينة البقيع، وهى لا تحتاج لتعريف ولا تذكير، فتاريخها محفور فى الصدور.

وأما الثانية فهى السيدة عائشة بنت جعفر الصادق وحفيدة الإمام الحسين، حبيبة المصريين ودفينة سفح المقطم وحارسته، والتى أطلقوا اسمها على حى وميدان وباب من أبواب القاهرة التاريخية، وصار اسمها من مفردات حياتهم اليومية، ويمكنك أن تسمعه فى كل ساعات الليل والنهار على ألسنة منادو عربات النقل والذاهبين والمغادرين لحيها وميدانها، صحيح أن المصريين خففوا حروفه وسهلوا نطقه فشاع اسم "السيدة عيشة"، لكنه يظل علما على واحدة من درات آل البيت اللاتى تشرفت بهن أرض مصر.

الطريف أن عوام المصريين يظنون أن السيدة عائشة، صاحبة المسجد والمقام والميدان، والتى يحتفلون بمولدها كل عام لأيام متصلة بين 14 و19 من شهر شعبان، هى نفسها عائشة أم المؤمنين زوج النبي، وهو خلط شائع وخطأ ذائع وإلتباس مدهش، ربما كان من أسبابه أن أحدا لا يخطر بباله أن واحدا من أئمة آل البيت، ومن أحفاد الإمام علي، يمكن أن يسمى ابنته عائشة، على اسم عائشة بنت أبى بكر، بكل ما كان بينها وبين الإمام على من خلاف طويل، بدأ فى حادثة الإفك حين أشار على النبى بطلاق عائشة، واحتدم فى الفتنة الكبرى بعد مقتل عثمان، ووصل لذروته فى موقعة "الجمل"، حين انضمت عائشة لخصوم على وحرضتهم عليه وانضمت لصفوفهم، فهل يعقل أن تكون حفيدة لعلى اسمها عائشة؟!

والحق أن أصحاب هذه الرؤية القاصرة لا يعرفون أخلاق آل البيت، ولا نبلهم الذى يتجاوز الضغائن ويسمو عن الأحقاد ويرتفع عن الصغائر، وهى أخلاق توارثوها ومكارم أتقنوها، فلم يكن بمستغرب على عميد آل البيت فى زمنه الإمام جعفر الصادق أن يسمى ابنته عائشة!

(1)

وجعفر الصادق هو نفسه مثالا رفيعا للتسامح والسماحة، وواحد من هؤلاء الندرة الذى لا خلاف على مكانتهم بين كل الفرق الإسلامية بكل ما بينها من شقاق وخلاف يصل أحيانا لحد التكفير والعداء، لكن فى حالة جعفر الصادق فهناك إجماع على علمه وفقهه ومنزلته، فهو عند الشيعة الاثنا عشرية إمامهم الرابع، وهو عند أهل السنة فقيه ومجدد ومجتهد يؤخذ منه وعنه، وللشيخ الأزهرى محمد أبو زهرة كتاب مهم عن "الإمام جعفر الصادق..دراسة عن حياته وفقهه وعلومه"، وهو عند العارفين والصالحين الولى التقى النقي، وهو عند آل البيت "الفاضل" و"الطاهر" و"الصادق".

عاش فى مدينة جده رسول الله، واشتهر بصلاحه وحبه للفقراء، فتبرع بداره التى كان قد اشتراها من الصحابى الحارثة بن النعمان وتصدق بها على الفقراء وخصصها لسقى الماء.

ورزقه الله بالذرية، وعد المؤرخون له تسعة من الأبناء، ومنهم من اشتهر ذكره وذاع اسمه، مثل موسى الكاظم، الإمام الخامس عند الشيعة، وإسحق المؤتمن زوج السيدة نفيسة رضى الله عنها، وعائشة موضوع حديثنا، والتى جاءت إلى مصر ودفنت بها، ومنحها المصريون لقب "عائشة النبوية "، تقديرا لنسبها الشريف الموصول إلى نبيهم صاحب الرسالة، تماما كما فعلوا مع جدتها التى سبقتها إلى مصر "فاطمة النبوية" بنت الحسين.

ولا بد أن يستوقفك هذا العدد من أبناء وأحفاد الإمام جعفر الصادق الذين جاءوا إلى مصر ودفنوا بها، واشتهر منهم "الحسن " و"المحسن" ابنا القاسم بن جعفر الصادق، ومقامهما بجوار مقام الإمام الليث، و"آمنة" بنت موسى الكاظم بن جعفر الصادق، ومقامها عند قبرى عمرو بن العاص وعقبة بن نافع، و"رقية" بنت على الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق ومقامها بجوار مسجد السيدة سكينة، و"فاطمة النبوية" بنت محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، ومقامها بحى الخليفة، و"فاطمة " بنت أحمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، ومدفونة فى درب سعدة بباب الخلق.لكن تظل السيدة "عائشة " هى صاحبة المقام الأشهر من بين ذرية الإمام جعفر الصادق التى اختارت مصر ملجأ ووطنا بعد أن تعرضوا للتنكيل طوال حكم الدولة العباسية، وكان العباسيون يرون فى آل البيت خطرا عليهم ومنافسا لهم يجب التخلص منه.

وصحيح أن "كربلاء" كانت المحنة الأكبر والأشهر والأصعب لآل بيت النبي، لكنها لم تكن الأخيرة، بل تكررت المحن وتعددت، وكان بينها تلك التى عُرفت باسم " فج"، وهو اسم وادى على أطراف مكة شهد تلك المقتلة العظيمة التى ارتكبها العباسيون وسالت فيها دماء العشرات من آل بيت النبى.

وكما كان الحسين بن على هو بطل يوم "كربلاء"، فإن بطل يوم "فج" كان اسمه كذلك الحسين بن على، ولكنه هذه المرة من نسل الإمام الحسن، وكان الحسين الحفيد الذى اشتهر بلقب "العابد" من شباب آل البيت الذين ساءهم ما يتعرض له أهله من عسف وعنت العباسيين وسوء معاملتهم، وأبت عليه كرامته أن يقبل ممارسات والى المدينة العباسى، فقرر أن يعترض ويثور، وسانده أبناء عمومته وانضم إليه كثير من المحبين والأنصار، الأمر الذى شجّع الحسين العابد أن يعلن البيعة لنفسه، وتزاحم الناس عليه يبايعونه بالخلافة، فخرج فى أنصاره من المدينة يقصد مكة لأداء فريضة الحج، وخشى الخليفة الهادى أن تتسع رقعة التمرد وينضم الناس فى موسم الحج إلى الحسين العابد، فجرد جيشا جرارا قطع عليهم الطريق فى وادى فج على مبعدة ثلاثة أميال من مكة، ورغم حرمة البلد الحرام، ورغم أن اليوم كان يوم التروية (الثامن من شهر ذى الحجة ) حيث يتأهب الحجاج للخروج إلى "منى"، إلا أن الجيش العباسى أصر على القتال، ولجأ قائده إلى الحيلة، فعرض الأمان على الحسين العابد، وما إن قبل حقنا للدماء حتى رشقوه بسهم فمات فى الحال، ثم أوغلوا فى الدم فقتلوا من آل البيت ومن أنصار الحسين الكثير، وحملوا رأس الحسين إلى الخليفة الهادي، وتركوا الجثث ملقاة على الأرض لثلاثة أيام حتى أكلتها السباع، ولذلك قيل : لم تكن مصيبة بعد كربلاء أشد وأفجع من فخ!

وبسبب هذه المقتلة قرر عدد ممن تبقى من آل البيت فى المدينة أن يفروا من بطش العباسيين، وأن يخرجوا إلى بلد أكثر أمنا.. فكانت مصر هى الملجأ والملاذ، وكانت السيدة عائشة بنت جعفر الصادق ممن قصدوا مصر بصحبة إدريس بن عبدالله المحض، وكان ممن نجوا من مذبحة "فخ"، ولكنه ما لبث أن غادر مصر إلى المغرب حيث أسس هناك دولة الأدارسة، فى حين بقيت عائشة فى مصر ودفنت بها.

(2)

ولدت عائشة بالمدينة المنورة وعاشت فيها سنوات طفولتها وصباها فى كنف والدها الإمام الصادق، وكان هو أستاذها الأول، ومنه أخذت العلم والفقه والبيان، ويشير مولانا الدكتور على جمعة إلى أن عائشة كان لها مكانة خاصة عند والدها الإمام، فهى ابنته المدللة (الوحيدة على ثمانى إخوة: موسى، المأمون، العباس، عبدالله، على، إسحق، إسماعيل، القاسم)  فكان يسمح لها أن تقوم مقام "سكرتيرته" الخاصة، فترتب له مواعيده ولقاءاته وتحضر جلساته، ومن خلال ملازمتها لوالدها شربت منه وتأثرت به وورثت منه العلم والأخلاق.

نشأت عائشة عابدة، زاهدة، مجاهدة، صوامة، قوامة، معلق قلبها بالله، وينسب إليها هذا الدعاء الذى كانت تردده فى خلواتها: وعزتك وجلالك لئن أدخلتنى النار، لأخذن توحيدى بيدى، فأطوف به على أهل النار، وأقول : وحدته فعذبنى!

والعارفون من أهل الطريق يدركون المعانى الخفية فى هذا الدعاء المذهل، الدال على "دلال" مع الله لا يستطيعه إلا أهل اليقين من عباده المُخلَصين، ثم أن صاحبته تضع يدها فيه على خلاصة الدين، بل كل الأديان والرسالات: التوحيد، مما يدل على مبلغ علمها وفقهها وفطنتها ورؤيتها، وعلى مدى تأثرها بوالدها الإمام الصادق عميد آل البيت فى زمانه، وعالم زمنه، وهو ما يتجلى عنده قول أبو نواس: أولئك القوم أهل البيت عندهم / علم الكتاب وما جاءت به السو.

وأما عن خلق السيدة عائشة ودينها فهو الأمر الذى لا خلاف فيه ولا عليه، لكن الخلاف يقع إذا ما تعلق الأمر بحياتها الخاصة وسيرتها الشخصية، إذ مع كل ما تتمتع به السيدة عائشة من شهرة ومكانة ومنزلة فإن المعلومات عن حياتها شحيحة ومحدودة، بل ومتناقضة أحيانا، ولا تكاد تخرج بصورة مكتملة عن تلك السيدة الشريفة التى سمى المصريون حيا باسمها وصار ميدانها من أشهر ميادين القاهرة.

فمن المؤرخين من يجزم أنها ماتت بكرا ولم تتزوج، وهناك من يقطع بزواجها من خامس الراشدين عمر بن عبد العزيز وقت أن كان أميرا للمدينة المنورة، وهناك من يؤكد أنها ماتت وهى صبية صغيرة، فى حين تقول كتابات غيرهم إنها عاشت طويلا، بل تجد عجبا فى تحديد تاريخ وفاتها، إذ يصل الخلاف إلى مائة سنة كاملة، فأغلب الآراء تشير إلى وفاتها فى العام 145 هجرية، ولكن هناك من يذكر أنها رحلت بعد ذلك بقرن كامل، أى فى العام 245 هجرية، وهو أمر غير منطقى بحسابات العقل والزمن، إذ أن هذا التاريخ يعنى أنها عاشت فى مصر أكثر من سبعين عاما، وهو قول يجانبه الصواب، فلو عاشت السيدة عائشة فى مصر كل هذه السنين لوجدنا مئات من الحكايات وعشرات من الكتب عن حياتها فى مصر، فالسيدة نفيسة رضى الله عنها عاشت فى مصر عشر سنوات فقط (دخلت مصر 194 وتوفيت 204 هجرية) ولا تستطيع أن تحصى ما كتبه المصريون عنها من كثرته وتنوعه.

(3)

بل لا تعدم من يشكك أصلا فى قدوم السيدة عائشة لمصر، رغم أن هناك عشرات الأدلة التى تؤكد أنها جاءت إلى مصر وعاشت فيها ودفنت بها، وأن جسدها الطاهر مدفون فى ذلك المسجد الذى يحمل اسمها، وصار مشهدها منذ ما يزيد على ألف سنة مقصدا للمصريين، يتبركون به وبصاحبته الشريفة ويدعون الله عنده، عسى أن تتفتح لهم أبواب السماء ببركة آل بيت النبى.

وقد حدث فى زمن صلاح الدين الأيوبى أنه لما قرر أن يحيط القاهرة بسور تحميها من خطر الصليبيين، فإن السور فى مساره الطبيعى كان يقتضى إزالة مقام السيدة عائشة، لكن صلاح الدين طلب تفاديه والإبقاء عليه تكريما لصاحبته، بل سمى باب السور القريب من مقامها باسمها، وكُتب عليه: لعائشة نور مضىء وبهجة / وقبتها فيها الدعاء مجاب.

وما زال الحديث موصولا عن سيرة "ستنا عيشة".

 


 	أيمن الحكيم

أيمن الحكيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - صلاة الطفولة

  ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...

سهيلة الرملى: «اتكلمى» ركزت على المسكـوت عنه فى كتب التاريخ

الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى

«السيد فى حقل الأدب».. شهادات وقـراءات كاشفة لعالم صبرى موسى

ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية

خالد أمين: وقعت فى غرام الـرعب والغموض

أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد