إلى الأمام يا روميل

مكتوب على مصر أن تغير العالم.. حتى فى أوقات ضعفها، والمسألة ليست مبالغة.. لكنه التاريخ. وفى التاريخ، كان قرار عبد الناصر بتأميم قناة السويس المسمار الأخير فى نعش

مكتوب على مصر أن تغير العالم.. حتى فى أوقات ضعفها، والمسألة ليست مبالغة.. لكنه التاريخ.

وفى التاريخ، كان قرار عبد الناصر بتأميم قناة السويس المسمار الأخير فى نعش الإمبراطورية البريطانية.. فالقرار من سمح لأن تغرب عنها الشمس.

حتى فى أوقات ضعفها.. دائما مصر هى الحاسم الحقيقى لميزان القوى العالمية، فالمعارك التى دارت على أرضها فى العلمين، ، هى من حسمت الحرب العالمية الثانية، وكتبت ميزانا قويا جديدا ساد العالم، ولا يزال سائدا حتى الآن.

وفى مثل تلك الأيام يوليو من سنة 1942- دارت معركة العلمين الأولى.

****

قبلها بثلاث سنوات، بالتحديد فى سبتمبر 1939، غزت أحلام هتلر التوسعية بولندا، لتشعل فتيل الحرب العالمية الثانية، وبإعلان فرنسا وبريطانيا الحرب، انقسم العالم لفريقين، دول المحور: ألمانيا وإيطاليا واليابان فى مواجهة دول الحلفاء: بريطانيا وفرنسا والاتحاد السوفيتى وأمريكا، وامتد لهيب الحرب حتى وصل مصر.. وأرض مصر هى من كتبت النهاية.

****

مصر فعليا ما زالت محتلة من بريطانيا، صحيح أنها وقعت على معاهدة 36 التى نصت على أنها دولة مستقلة ذات سيادة، لكن المعاهدة نصت أيضا على استمرار قوات الاحتلال فى بعض المناطق، فكانت السيادة منقوصة، وبالجوار ليبيا مُستعمرة إيطالية من سنة 1911.

قوات المحور وفيها إيطاليا يريدون مصر، إنها الوحيدة التى يمكن لها حسم المعركة، فالسيطرة على قناة السويس تغلق الطريق البحرى أمام بريطانيا مع مستعمراتها فى الهند واستراليا وأفريقيا.

وأمر "موسولينى" رئيس وزراء ايطاليا قواته بالتقدم نحو مصر، لكن الإنجليز  صدوها بل وأعادوها إلى الأراضى الليبية، ولأن مصر مهمة جدا، أرسل "أدولف هتلر" قوات لدعم الطليان بقيادة "إرفين روميل".

القوات الألمانية بقيادة روميل على الحدود، والاحتمالات فى مصر خطيرة.

 ومصر تحت حكم الملك فاروق، وفاروق مشغول بإنارة وتحديث أنوار قصره فى الإسكندرية، مع أن المدينة نفسها تقبع فى الظلام بسبب الحرب.

وبريطانيا، تريد إحكام قبضتها على الوضع الداخلي، ولكى يحدث فهى فى حاجة لوزارة من نوع خاص، وزارة يرضى عنها الشعب والأهم تحترم معاهدة 36  وتلتزم بتنفيذها، ففى المعاهدة بند رقم 6، والبند يقول "فى حال الحرب تلتزم الحكومة المصرية بتقديم التسهيلات والمساعدات للقوات البريطانية".

طلب السفير البريطانى من فاروق تأليف الوزارة على أن يتم ذلك فى موعد أقصاه 3 فبراير 1942، استدعى الملك قادة الأحزاب السياسية لتشكيل الوزارة، ووضع فاروق أهدافه أيضا، والأهداف أن تكون الوزارة ائتلافية، حتى لا ينفرد بالحكم حزب واحد، ويشكل ضغطا على القصر.

أيدت الأحزاب فكرة الوزارة الائتلافية، ما عدا واحد، مصطفى باشا النحاس، فالفكرة تحول دون حكم الوفد وتشكيله البرلمان، مع أن هذا حقه، فهو صاحب الأغلبية الحقيقية على الأرض.

تابعت بريطانيا الموقف، وحين رأت أن الملك قدم أهدافه على أهدافها، طلبت من سفيرها السير مايلز لامبسون أن يلوح باستخدام القوة.

 فى 4 فبراير 1942 حاصرت القوات البريطانية قصر عابدين، ودخل لامبسون القصر وأمامه دبابة، وأجبر الملك على التوقيع على قرار باستدعاء زعيم حزب الوفد مصطفى النحاس لتشكيل الحكومة بمفرده أو أن يتنازل عن العرش.

وشكل الوفد الحكومة، فى موقف هو الأسوأ فى تاريخه.

*****

احترمت حكومة الوفد معاهدة 36، بينما فى الشارع هناك من يهتف كرها فى بريطانيا "إلى الأمام يا روميل".

فى نهاية يونيو 1942، كان روميل فى مرسى مطروح، يريد عزل الحامية البريطانية، تولى كلود أوكنلك، قائد القوات البريطانية فى الشرق الأوسط بنفسه قيادة تلك المواجهة، فأصدر أمرا بسحب قواته إلى الشرق، لينقذها من الأسر.

"إلى الأمام يا روميل"، وروميل تقدم، وفى ليلة 29 يونيو يواجه ما تبقى من القوات النيوزيلندية والهندية فى مرسى مطروح، ويعلن سقوط مطروح وأنه لا يبعد سوى 200 كم عن الإسكندرية.

*****

وفى مثل تلك الأيام، بداية يوليو، انتقلت ساحة الحرب إلى العلمين، ودارت مجموعة من المعارك سجلها التاريخ باسم معركة العلمين الأولى، قوات الجيش الثامن البريطانى أمام الوحدات الإيطالية، وبعد 26 يومًا من المعارك المستمرة، كانت النتيجة النهائية لا رابح ولا خاسر.

الأمر مقلق، رئيس الوزراء البريطانى ونستون تشرشل اعتبر ما يحدث فشلا فعزل القائد أوكنلك فى أغسطس 1942، واستبدله بقائدين جديدين هارولد ألكسندر وبرنارد مونتغمري.

ساد الجبهة الهدوء طوال أغسطس إلى أن قرر روميل أن يتقدم أكثر، فشن هجومه الجديد المعروف باسم معركة علم حلفا فى 31 أغسطس 1942، لكن هذا الهجوم فشل، والسبب قلة الإمدادات المطلوبة وأهمها الوقود، وعلى العكس كانت القوات البريطانية تعزز دائما من موقفها، وتتلقى إمدادات مستمرة من بريطانيا وأمريكا، ولم يبق سوى أن تختار الوقت المناسب للهجوم.

وفى 23 أكتوبر 1942، جرت معركة العلمين الثانية، وكانت واحدة من  أهم معارك الدبابات التى عرفها التاريخ، وتمكن الجيش البريطانى الثامن بمساعدة الفرقة التاسعة من الجيش الأسترالى من وقف زحف رومل.

وحُسمت الحرب العالمية الثانية بانتصار قوات الحلفاء على المحور.. حُسمت من مصر.


 	أحمد عطا الله

أحمد عطا الله

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - صلاة الطفولة

  ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...

سهيلة الرملى: «اتكلمى» ركزت على المسكـوت عنه فى كتب التاريخ

الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى

«السيد فى حقل الأدب».. شهادات وقـراءات كاشفة لعالم صبرى موسى

ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية

خالد أمين: وقعت فى غرام الـرعب والغموض

أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد