العيد فرحة.. ذكريات المثقفين مع العيدية والملابس الجديدة

يأتى العيد حاملا معه الفرحة للجميع صغارا وكبارا، ولكل منا ذكرياته السعيدة مع العيد، ورغم اختلاف الظروف والأزمنة تظل للعيد بهجة خاصة.. تحدثنا مع المثقفين عن ذكرياتهم

يأتى العيد حاملا معه الفرحة للجميع صغارا وكبارا، ولكل منا ذكرياته السعيدة مع العيد، ورغم اختلاف الظروف والأزمنة تظل للعيد بهجة خاصة.. تحدثنا مع المثقفين عن ذكرياتهم مع العيد وماذا كان يمثل لهم، كما تحدثوا أيضا عن الاختلاف فى مظاهر الاحتفال بالعيد فى العصر الحالى عن ما كان يحدث قديما، خاصة مع انتشار فيروس كورونا الذى ألقى بظلاله على كل مظاهر الحياة.

الروائى الكبير أحمد الخميسى يقول: يبقى العيد نبعا نغترف منه أجمل الذكريات. ونحن صغار كنا نتلقى العيدية من أقاربنا ونخطط لإنفاقها قبل أن تصل لأيادينا: سننفق جزءا منها على المراجيح، أو شراء حلويات، أو القيام بنزهة فى القناطر الخيرية، أو جولة فى قارب فى النيل.

ويضيف: من أجمل ذكرياتى عن العيد اجتماعنا كأسرة، إما عندنا فى بيتنا، أو فى بيت عمتى الكبيرة فتحية. إلى الآن مازلت أذكر بالعرفان أن عمتى هذه كانت أول من نفحنى جنيها كاملا! وليتكم تعلمون أى ثروة كان ذلك الجنيه، وأى احترام كنا نشعر به ناحيته. كان الجنيه حينذاك عام 1960 قادرا كما يقال على تحقيق المعجزات. ومازال يخيل إلىّ حتى وأنا أكتب هذه الكلمات أننى أشعر بملمس ذلك الجنيه الورقى وهو يخشخش فى كفى،  جديدا، حاد الأطراف، مزهوا بنفسه، ومازلت أشعر بقدرته السحرية على فتح أبواب المستحيل فى طفولتى حين كانت تذكرة السينما بثلاثة قروش! وكوب العصير بنصف قرش، ووجبة كشرى كاملة الدسم بقرش واحد.

ويختتم الخميسى ذكرياته قائلا: لكن المراجيح ترى هل اختفت الآن؟- كانت الحلقة الأهم فى العيد، حين نركبها ونلف بها دورة كاملة فى الهواء، ونحن نرقب إعجاب الأولاد بنا، فنهبط بعد ذلك باستعلاء وكبرياء من قاموا بغزو الفضاء. العيد طفولة، وفرحة، وحين يحل العيد هذه الأيام ، يحل مثل لحظة سحرية تفتح بوابة الذكريات العذبة، وتفتح قصور الأمنيات الملونة، التى تعلو وتتجدد فى حدائق العمر.

 ضحكة العيد

المترجمة والقاصة أميرة بدوى تقول: العيد فى بيتنا لا يبدأ بعد رمضان، بل كان عيدين أو ثلاثة، وربما أكثر. مع كل عروس تعتب باب بيتنا، تحمل سبتًا، لتفصّل ثياب عرسها. جدتى خياطة، والأعياد أفضل موسم للزواج فى بلدتنا.

وتضيف: جدران بيتنا ملاصقة لجدران المسجد، لذا، كانت تصلنا بوضوح أصوات الحضرة الصوفية بعد صلاة التراويح، وحينها تمسكُ جدتى بالمقص وتستعد للعمل. تساعدها أمى،  بينما أستذكر دروسى،  وقد أقدم المساعدة أيضًا، لنرسم على هذا القماش طاووسًا، أو ورودًا من الخرز والترتر. ومع كل عروس تغادر بيتنا، تعلو تكبيرات العيد. وبينما تخطو العروس إلى حياة جديدة، مفروشة بالطبل والزغاريد؛ أرى الأطفال يرقصون بثياب ملونة فى الشوارع، وأشم روائح الكعك والبسكويت، تفوح من كل جدار.

وتكمل أميرة: فى العشر الأواخر، نخرج كل ليلة من بيتنا قاصدين بيتًا مختلفًا من بيوت العائلة. على كل طبلية تجلس جدة، تفتل الكعك وتكوّر القرص، كأنها تضع منها سرًا مباركًا. أياد ترصّها على أغطية بلاستيكية، وأخرى تنقشها وتزينها. أياد تحملها إلى غرفة بعيدة، حيث الأفران تفتح أفواهها، وتنتظر العيدية.

وتختتم حديثها قائلة: فى يوم العيد، تفتح البيوت أبوابها بعد الصلاة مباشرة. ومثل العرائس، يكون لنا نصيب من مقص جدتى. أرتدى فستانى الجديد، وتفتل أمى خصلات شعرى هيئة العديد من الضفائر المتداخلة. أقبل رأس جدتى،  وبالطبع أفوز بعيديتى. وبعدها، أتسلل إلى الطابق العلوى،  ألمح أمى تقف أمام المرآة، ترتدى جلابية جديدة، تضع الكحل فى عينيها. أظل واقفة إلى أن ترانى،  ونضحك. تلك الضحكة كانت هى العيد!

 صاجات الكحك

الشاعر يسرى حسان يقول: نشأت فى حى شعبى وتحديدا حى شبرا بما يحمله من مظاهر احتفالية بازخة خاصة المناسبات الدينية، كشهر رمضان وعيد الفطر، وأذكر عندما كنا أطفال وتحديدا قبل العيد بأسبوع كنا ننشغل أكثر مع أمهاتنا  وجاراتنا لصناعة كحك العيد ونساعد فى حمل الصاجات إلى الأفران، وكان هذا المظهر يمثل لنا بهجة شديدة. أتذكر أيضا ليلة العيد التى كانت من الليالى التى لا يمكن نسيانها، وكان التليفزيون لم ينتشر فى منتصف الستينيات، فكان الراديو هو الوسيلة الأكثر إمتاعا، وكنا نستمع فى هذه الليلة تحديدا إلى أم كلثوم فى أغنية "يا ليلة العيد آنستينا.. وجددتى الأمل فينا"، فى هذه الليلة يسهر الأطفال والشباب حتى الصباح ليؤدوا صلاة العيد، مرتدين ملابسهم الجديدة البسيطة التى اشتروها خصيصا للعيد الفطر، لأن فى عيد الأضحى لا يتم شراء ملابس جديدة فهو يطلق عليه "عيد اللحمة"، حيث نحتفى بالطعام والشراب، وكانت الأطفال لا تحصل على عيديات، على عكس عيد الفطر، فقد كان البعض ينام وهو محتضن ملابسه الجديدة التى سيظهر بها فى العيد، بالإضافة إلى العيديات التى كنا نحصل عليها من الأهل والأقارب.

ويضيف: عيد الفطر تحديدا يأتى نتيجة الرؤية، فكان أحيانا يأتى بشكل مفاجئ، لذلك كانت بهجته ربما أكثر من بهجة عيد الأضحى، الذى يأتى فى ميعاد محدد ومعروف مسبقاً قبل 10 أيام، لذلك فإن فرحة عيد الفطر كانت الأكثر تأثيرا والأكثر حضورا، الوضع الآن اختلف كثير، فعندما كنا أطفالا كنا نشاهد بعض الجيران يذهبون إلى عملهم فى يوم العيد، فكنا نشفق عليهم ونتعجب كيف لفلان أن يذهب إلى عمله فى العيد وهؤلاء كانوا أصحاب مهن لا تتوقف. الآن عندما كبرنا -وأنا لأننى أعمل فى الصحافة- فدائما وأبدا يكون العيد بالنسبة لى عيد شغل، فما كنت أستغربه فى الماضى أصبح معتادا لى الآن، ربما هو غير معتاد أيضا لأولادى، فهم أيضا يتعجبون من عملى أثناء العيد، ويذكروننى بنفسى عندما كنت أتعجب من عمل بعض الجيران.

ويختتم حسان حديثه قائلا: الآن البهجة والفرحة اختلفت، نظرا لاختلاف الظروف، بالإضافة إلى المشاكل الاقتصادية التى نعانى منها، ربما لم تعد البهجة كما كانت، وأضف إلى ذلك أننا نعيش وسط جائحة كورونا، وهذا الأمر أيضا عطل الكثير من مشروعات الأطفال لشراء الملابس وزيارة الأهل أو الخروج فى فسح، للترويح عن أنفسهم، وعندما نتأمل هذه الجائحة وما فرضته علينا من تباعد اجتماعى، ندرك قيمة البهجات البسيطة التى كنا نتلقاها فى مثل المناسبة.

 عيد بأنامل الأمهات

الشاعرة رشا الفوال تقول: فى الماضى كانت أيام العيد مرتبة بأنامل الأمهات التى تتقن صناعة الحلوى والكعك والبسكويت، والعديد من الأطعمة المحببة، وبشراء ملابس جميلة نسعد بها كأطفال، وبشراء الألعاب وبزيارات الأقارب، بعد ذلك ارتبطت فرحة أيام العيد بصحبة الأصدقاء والتنزه معهم، إلى أن وصلنا اليوم -نحن الكتاب والشعراء- لعزلة إجبارية وإجراءات احترازية فى مجابهة فيروس منتشر بشدة فى معظم دول العالم، فأصبح الاحتفال بأيام الأعياد مقتصرا على شراء الملابس الجديدة، وإعداد وجبات محدودة، والاتصال الهاتفى بالأصدقاء والأحبة ومحادثات الفيديو معهم ومع الأهل والأقارب للتهنئة، ومحاولة الاستفادة من الوقت المتاح فى كتابة قصيدة أو دراسة نقدية أو مراجعة عمل أدبى قصصى أو روائى، خاصة مع اقتراب الدورة الجديدة من دورات معرض القاهرة الدولى للكتاب.

وتختتم الفوال حديثها قائلة: ربما منحتنا العزلة الإجبارية فرصة ذهبية للتحدث مع النفس ومراجعتها فى ظل الكم الهائل من الضغوط الحياتية المفروضة علينا، والتى نهرب منها أحيانا بمشاهدة الأفلام الوثائقية للتعلم الممتع، والأفلام القديمة التى تذكرنا بمباهج الطفولة وتجمعات الأهل والأصحاب، وطقوس العائلات المصرية التى تربينا عليها.

 فرحة الذهاب إلى البلد

الكاتبة والسيناريست دينا السقا تقول: ذكريات العيد معى مرتبطة بالريف، فأنا أصلا من المنوفية، وكنا نذهب إلى البلد، ونستيقظ مبكرا ونرتدى الملابس الجديدة، وننتظر الأهل والأقارب حتى نحصل على العيديات، عندما كبرنا الوضع اختلف فلم نعد نذهب إلى البلد، بل كنا ننظر قدوم خالتى إلى القاهرة، فهى كانت تعيش فى إحدى الدول العربية، وكانت تأتى دائما فى الأعياد، فكان العيد بالنسبة لى عبارة عن عيدين، فقد كانت تأتى لنا بالهدايا، وكنا ننتظر منها أن تصنع لنا الحلويات المختلفة، والتى كانت أمى لا تستطيع صناعتها، كنت أتعلم منها كيفية صناعة  الحلويات والمخبوزات.

وتضيف: أتذكر عندما كنا نذهب إلى البلد كنا نخبز القرص باللبن والزبدة والسكر، وذلك ليلة الوقفة، وحتى الآن أنا حريصة على عمل هذا الطقس ليلة الوقفة، حتى أشعر برائحة المخبوزات التى تملأ المنزل ليلة الوقفة. الوضع الآن اختلف تماما فأنا لم أعد أذهب إلى الريف، لم نعد نشترى الملابس الجديدة، بدأت أوزع العيديات على الأطفال، وأشترى لأولاد أختى ملابس العيد، حتى يكون لديهم ذكريات يتذكرونها عندما يكبرون، كما كان لنا نحن لنا ذكريات مع أهلنا.

وتختتم السقا حديثها قائلة: أعتقد فى ظل الظروف الحالية وفيروس كورونا، العيد اختلف تماما، فأصبح هناك مشكلة فى التجمعات، والخروجات، لذلك لم يعد للعيد بهجة مثل الماضى، ولكن نتمنى أن يرجع الوضع كما كان فى الماضى. خصوصا وأن الشعب المصرى يحب البهجة والتجمعات، ودائما أقول إن الشعب المصرى "بيتلكك علشان يفرح".

 تسوية الكحك مع أمى

الروائى عمرو العادلى يقول: أكثر ملمح حاضر فى ذهنى من ذكرياتى مع العيد هو عمل الكحك، فكنا نلتفت حول والدتى وجارتنا وأقاربنا ونساعدهم فى عمل الكحك، كان عيد الفطر مرتبطا أيضا بمظاهر قراءة القرآن فى المساجد، وكنا نحن الأطفال نذهب إلى الكتاتيب لحفظ القرآن، وعمل مسابقات دينية. بعد ذلك، وعندما تقدمت فى السن قليلا كنت أذهب أنا وأمى إلى الفرن لتسوية الكحك، وأنتظر حتى آكل منه وهو طازج، كنت أيضا أنتظر ليلة العيد، وأنتظر حتى وقت أذان الفجر حتى أشرب وآكل لأتأكد من انتهاء رمضان و"أننى فطرت ومش هصوم تانى".

ويختتم حديثه قائلا: لا شك أن العيد اختلف فى ظل جائحة كورونا مع غير المصريين، ولكن مع المصريين لا أرى أى اختلاف، بالعكس نفس الممارسات والتجمعات، أتمنى أن يلتزم المصريون بالضوابط للحد من هذا الفيروس، وحتى نعود كما كنا فى الماضى.

 صلاة العيد ولبس جديد

الكاتبة الروائية صفاء عبد المنعم تقول: الاحتفال بالأعياد يرتبط عندى وعند الكثيرين بالبهجة والانطلاق، وبالتأكيد اختلف العيد زمان عن العيد حاليا، ولكن لكل  زمان بهجته، والمعروف أن العيد يفرح به أكثر الأطفال وليس الكبار، وذلك بسبب العيديات والملابس الجديدة والخروجات مع الأصدقاء، أما الكبار فيفضلون زيارة الأهل والأقارب، ولكن حاليا الوضع اختلف فلم تعد هناك زيارات للأهل بسبب زحام الشوارع وصعوبة المواصلات، بالإضافة إلى انتشار فيروس كورونا الذى قيد حركة الناس.

وتكمل: أتذكر أننى فى العيد كنت حريصة على ارتداء ملابس العيد ليلة الوقفة وحتى الحذاء وأنام بهم، ثم نستيقظ صباحا لصلاة العيد، وكانت المتعة الأكبر بالنسبة لنا أن نأخذ العيدية، ويجب أن تكون نقودا جديدة.


 	أميرة سعيد

أميرة سعيد

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - صلاة الطفولة

  ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...

سهيلة الرملى: «اتكلمى» ركزت على المسكـوت عنه فى كتب التاريخ

الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى

«السيد فى حقل الأدب».. شهادات وقـراءات كاشفة لعالم صبرى موسى

ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية

خالد أمين: وقعت فى غرام الـرعب والغموض

أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد