فى تلك الليلة، كان سرادق العزاء بجامع عمر مكرم يفيض بالمعزين، وجلس الجميع فى إنصات تتعلق أبصارهم وأسماعهم بالشيخ مصطفى إسماعيل، والذى كان يقرأ آيات من سورة "التحريم"،
فى تلك الليلة، كان سرادق العزاء بجامع عمر مكرم يفيض بالمعزين، وجلس الجميع فى إنصات تتعلق أبصارهم وأسماعهم بالشيخ مصطفى إسماعيل، والذى كان يقرأ آيات من سورة "التحريم"، ويبدو أن الشيخ تجلى فيها وتألق صوته ووصل إلى الدرجات العلى من الإلهام، كانت أكبر من قدرة بعض المستمعين على كتمان إعجابهم بهذه "السلطنة" ، فاستبدت النشوة برجل بسيط يجلس غير بعيد من كرسى الشيخ، فقام من مكانه واتجه نحوه وصاح بعلو صوته بفرح غامر وهو يشير إليه: يا حلاوتك يا عسل.. والنبى كمان!
لم يجد الرجل سوى هذا التعبير الدارج الغريب ليعبر به عن إعجابه بصوت الشيخ مصطفى إسماعيل، لم تسعفه ثقافة ولا وعى ليختار تعبيرا مهذبا يناسب المقام، هو فقط شعر بنشوة عارمة، وبصوت مذهل يحلق به فى سماوات مسحورة، وبقلبه يهتز طربا وجلالا وخشوعا، وبتلقائية وبساطة لم يجد أشهى من العسل ليصف به هذا الصوت الذى أسكره بحلاوته!
لم يكن هذا الرجل البسيط وحده الذى سحره صوت الشيخ مصطفى إسماعيل، فأسطوات النغم أنفسهم استبدت بهم النشوة نفسها، ولكنهم امتلكوا القدرة على التعبير والتفسير، وكان لديهم من البلاغة والوعى ما جعلهم ينتقون كلمات للإعجاب أرقى من "يا حلاوتك يا عسل"، وإن كانت تؤدى إلى المعنى ذاته.. بالضبط!
(1)
الأستاذ عبد الوهاب، بجلالة قدره ومكانته، كان يقف مذهولا عند صوت الشيخ مصطفى إسماعيل ومدرسته وطريقته وأسلوبه، وكان من رأيه أنه أعظم صوت قرأ القرآن الكريم بعد الشيخ رفعت، ثم إنه – أى الشيخ مصطفى- : هو المقرئ الوحيد الذى يفاجئ المستمع بمسارات مقامية غير متوقعة.. إن كل مقرئى القرآن العظام تستطيع مـن تتبـــع تسجيلاتهم وحفلاتهم وأسلوبهم أن تتوقع نقلاتهم وقفلاتهم، إلا مصطـــفى إسمــاعيل إذ كان فى كــــل قراءة وكل حفلة يبتكر ويبدع فى نفس الآية، فيفاجئ سامعيه وعارفيه بمسارات فنية ليس لها نظير، بل لم يكن هو نفسه يعرفها ولا سمعها من قبل من غيره، وهذا هو ما قصده الأستاذ عبد الوهاب عندما قال: إن عنصر المفاجأة عند الشيخ مصطفى إسماعيل إن هو إلا عبقرية ينبع منها هذا الابتكار المستمر، إضافة إلى صوته الذهبى وقدرته على إدارته.. إنه رجل كبير فى فنه".
موسيقار آخر له مكانته وخبرته فى دنيا النغم، اسمه عمار الشريعى، استبدت به نشوة المعزى فى سرادق عمر مكرم، وكاد يفقد وقاره وهو يحلل ذلك الأداء المعجز للشيخ مصطفى فى الآية الكريمة" فدعا ربه أنى مغلوب فانتصر. ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر"، وكيف بدأ قراءته من مقام الصبا الذى يناسب أحزان الداعى المغلوب وحرقته، وعند الاستجابة والفرج مع لفظة "ففتحنا" يشع الفرح ونكتشف سلاسة الانتقال إلى مقام "العجم" ويحلق فيه صوته، وبنفس السلاسة والتمكن يعود ليقفل من مقام الصبا.. وبطريقته يقول عمار: الكلام ده ما يطلعش إلا من واحد قاصد وفاهم مزيكا.. ده إحنا المزيكاتية نروّح.. ده واحد عنده تفكير مسبق وقدرة خاصة على التعبير.. وكمان يقرأ باستمتاع.. هو نفسه مستمتع بالقراءة.. الشيخ مصطفى عنده إعجاز فى فنون الأداء.. بيعمل حاجات تجنن.. عنده إمكانيات غير مكررة ولم تتح لشيخ آخر غيره".
وعندما يخرج هذا الرأى من عمار الشريعى، فكل كلمة فيه محسوبة ودقيقة وعلمية، حتى لو بدا أنه فى مظاهرة فى حب الشيخ مصطفى إسماعيل!
(2)
وفى حالة الشيخ مصطفى إسماعيل يمكنك أن ترصد عشرات من أكابر أهل القرآن والنغم، أسماء لها وجاهتها وحيثياتها واعتبارها، تباروا جميعا فى الإعجاب بصوته وقدراته، لعل على رأسهم سيد المقرئين الشيخ محمد رفعت، فعندما بزغ نجم مصطفى إسماعيل وجاء من طنطا ليغزو القاهرة وكان يومها فى أول العشرينيات من عمره، فإنه سعى لباب الشيخ رفعت وكان هو صاحب المقام الرفيع فى دولة القرآن وأشهر المقرئين قاطبة فى العالم الإسلامى، يومها استمع الشيخ رفعت بإنصات إلى المقرئ الشاب القادم من أعماق الدلتا، وبسماحة الأولياء والعارفين مسح على شعره وقال له بفرح: فتح الله عليك يا بنى.. حافظ على صوتك فسيكون لك شأن كبير.
عبارة كانت هى البشارة، وسرعان ما تحققت، بل كُتب لهذا المقرئ الشاب أن يملأ الفراغ الكبير الذى تركه الشيخ رفعت، فبعدها عاش محنته القاسية الطويلة المريرة باحتباس صوته إلى أن وافاه الأجل فى العام 1950، وحين كان عشاق الشيخ رفعت يعيشون صدمة ابتعاده وفراقه وحرمانهم من هذا الصوت السماوى، فوجئوا بشاب بديع الحس بارع الأداء يأخذ بالأسماع والقلوب، عوضهم إلى حد ما عن مقرئهم الأعظم، ووجدوا فيه شيئا غير قليل من سحره وعذوبته، وصعد مصطفى إسماعيل ليجلس على عرش دولة التلاوة ، طوال أكثر من ربع قرن، تغيرت خلالها الأنظمة من الملكية إلى الجمهورية، وتغير الحكام: من فاروق إلى نجيب إلى عبد الناصر فالسادات، لكن صوت مصطفى إسماعيل ظل عابرا للأنظمة والحكام والعصور، المقرئ المفضل للملك.. ولكل الرؤساء!
فما السر وراء هذا الإجماع؟
ما الذى جعل صوت مصطفى إسماعيل يحظى بكل هذا التقدير.. ويلتف حوله الشعب.. والسلطة؟
فى رحلة البحث عن إجابات مقنعة فمن الواجب والحتمى أن نبدأ من عند رجل اعتبره من كبار العارفين والدارسين لسيرة وصوت الشيخ مصطفى إسماعيل، فضلا عن معرفة شخصية وثيقة أتيحت له بالشيخ وأسرته، وفوق ذلك وقبله لأننا أمام واحد من أهم وأخطر وأكبر نقاد الموسيقى المصرية، إن لم يكن هو الأهم والأخطر والأعمق، واسمه كمال النجمى.. عن مصطفى إسماعيل، تفسيرا وتحليلا لأسرار عبقريته وتفرده كمقرئ، كتب النجمى: " لقد كان الشيخ مصطفى إسماعيل يملك صوتا فذا واسع المساحة كبير الحجم، وكانت له حصيلة من العلم بالمقامات لا مثيل لها عند أحد من المقرئين، بمن فيهم الشيخ رفعت، ولكن الشيخ مصطفى كان يستخدم صوته وعلمه بالمقامات فى إبراز جمال الآيات وإعجازها، وكان يخرج كل حرف من مخرجه الأصلى فلا يشتبه بحرف آخر، معتنيا كل الاعتناء بإظهار التشديدات وتوفية الغُنّات وإتمام الحركات، وتفخيم ما يجب تفخيمه من الحروف، وترقيق ما يجب ترقيقه، وقصر ما يجب قصره، ومد ما يتعين مده، والوقوف على ما يصح الوقوف عليه لا على ما يختاره من وقفات تتعلق بصحة الألحان وجمالها أكثر مما يتعلق بصحة التلاوة وكمالها.."ومهما كان قولهم، فإن الشيخ مصطفى إسماعيل كان أعظم قارئ للقرآن فى الأعوام المائة الماضية مع الشيخ رفعت، ولم نسمع أدق منه إحساسا بكلمات الكتاب، ولا أشد منه لباقة فى التعامل مع المقامات العربية والتصرف فيها بما يحفظ لقراءته الصحة التامة طبقا للأصول العلمية.. وقد سمعته مرة يتحزّن فى تلاوته، فسمعت منه مقام "الصبا" المعروف بالحزن فى الألحان العربية، ينبعث من حنجرته الندية الشجية القوية كأنه منغمس فى الدموع.. ثم بلغ فى القراءة آيات تقتضى الحماسة فى الأداء، فإذا بنغمة "الراست" تنفجر كقرع الطبول فى الحرب، وهكذا انتقل الشيخ القدير من الحزن والوداعة إلى القوة والحماسة فى طرفة عين!
"وصوت الشيخ مصطفى إسماعيل مكتمل الجمال والقوة فى جميع درجاته التى كانت فى شبابه تتجاوز ديوانين، إلا أن درجاته المنخفضة لم تكن من مواطن القوة فى هذا الصوت العظيم، ولكن الشيخ مصطفى لم يكن فى حاجة إلى درجاته المنخفضة نظرا لاتساع مساحة صوته وكبر حجمه وقدرته على استخدام هذه المساحة الواسعة كيف يشاء.. وقد عشت زمنا لا أعرف الشيخ مصطفى إسماعيل إلا صوتا يتغنى بالقرآن".
(3)
ومن خلال كتابات كمال النجمى عن الشيخ مصطفى إسماعيل ستعرف هذه الحقيقة المذهلة: إن ما نسمعه الآن من تسجيلات الشيخ لا تظهر كامل قدراته الصوتية، إذ لا توجد تسجيلات للشيخ فى سنوات الثلاثينيات التى شهدت فتوة صوته فى مطلع شبابه، وكان صوته فى الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين أعظم مما سمعنا، لا بتأثير الزمن وحده وإنما بسبب أزمة شخصية تعرض لها، ويكتب النجمى فى تفاصيلها:
"ولعبت توترات الحياة دورا مؤثرا فى صوت الشيخ مصطفى إسماعيل، ففى سنة 1953 اشتد ألمه النفسى بسبب حادث فى أسرته، فاعتكف على أثر هذا الحادث عدة أشهر اعتاد خلالها أن يدخن أكثر من مائة سيجارة كل يوم، وخرج من هذه المحنة وقد انتقل صوته إلى مرحلة جديدة من جراء التوتر وكثرة التدخين، وعن هذه المحنة حدثنى نجله الأستاذ عاطف غير مرة قائلا: لم يرجع صوت أبى بعد هذه المحنة كما كان قبلها، ولكن صوته فى المرحلة الجديدة كان حافلا أيضا بالجمال والمقدرة، واستطاع تطويع أدائه لمقتضيات صوته فى المرحلة الجديدة، فأضاف إلى أدائه القديم لونا جديدا، فتطور ولم يتوقف".
ورغم ذلك ظل صوت الشيخ مصطفى إسماعيل ساحرا، بل إن سميعة القرآن الكبار لديهم يقين بأن الله يتجلى فى صوت الشيخ مصطفى، وهو المعنى الذى قصده أستاذنا الأديب الكبير خيرى شلبى عندما كتب عنه: "مفردات القرآن الكريم على أوتار صوت الشيخ مصطفى تتحول إلى صور معنوية مجسدة فى حياة كاملة، مرئية وواضحة وفى غير حاجة لمن يفسرها، أقول هذا وصوته يهدر الآن فى صدرى بقوله تعالى "قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربى لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربى"، تتفجر هذه الصورة الرهيبة فى الخيال فإذا الصوت موصول الترددات مرآة لمعنى أن كلماته سبحانه وتعالى لا تحدها حدود ولا يجمعها حصر، وما القرآن إلا باقات من حدائق لا تنتهى".
حالة من السحر الحلال تمس كل من له قلب، امتدت إلى قلب كاتب قبطى مرموق هو الروائى الكبير نعيم صبرى، الذى كتب مرة مقالا عن الشيخ مصطفى إسماعيل وتأثيره وأحب سور القرآن التى يعشقها بصوته، وبينها سورة "الحاقة"، فيكتب محللا وشارحا ومستمتعا: "استمع معى إلى الشيخ مصطفى عمدة القراء فى ذوقى الشخصى، أنظر له وهو يتماهى مع المعانى ويتلو بخشوع عجيب: الحاقة ما الحاقة، وما أدراك ما الحاقة " فى مفتتح السورة، انتبه من فضلك إلى كم الخشوع والخشية والشعور بالندم وهو يتلو الكلمات مترددا.. وكيف صور المعانى التى لابد يشعر بها المرء فى هذا الموقف الذى ليس كمثله موقف آخر.. ثم عندما يصل إلى قوله تعالى "وتعيها أذن واعية" وإحدى وقفاته المذهلة بعد تلاوته لفظة "وتعيها".. يتفكر ويتأمل بأسى ثم يواصل تلاوته، ثم وهو يصل إلى الجزاء المأمول "كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم فى الأيام الخالية".. ويتوقف بعد "هنيئا" كمن يؤكد على ما قادهم من أعمالهم للفوز بالعاقبة".
(4)
وليس سرا أن الست أم كلثوم والأستاذ عبد الوهاب كانا من سميعة الشيخ ويرتبطان معه بصداقة شخصية بل ويتعلمان من تجلياته النغمية والمقامية والأدائية، فهل درس الشيخ مصطفى فنون الموسيقى؟
فى الإجابة عن هذا السؤال ستجد رأيين على طرفى نقيض، أحدهما يذهب إلى النفى القاطع والتأكيد على أن الشيخ لم يدرس المقامات بل كان يقرأ بفطرته، فى حين يذهب الرأى الآخر إلى التأكيد على أن الشيخ كان خبيرا وعالما بهذا الفن، وكان عمار الشريعى يقول إن الشيخ يفهم فى المزيكا أكثر من المزيكاتية المتخصصين.. فأين نجد الحقيقة والقول الفصل؟
الإجابة تتطلب رحلة إلى طنطا لزيارة د. طه عبد الوهاب، خبير الأصوات والمقامات والمدرب والمحكم الدولى المرموق.. انتظروا ما يفجره من مفاجآت عن الشيخ مصطفى إسماعيل فى الحلقة القادمة.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تعتبر الملابس انعكاساً حقيقياً للذوق الشخصي، وفي عالم الموضة النسائية، تظل قطعة التنورة هي الرمز الأقوى للأنوثة والرقي والراحة في...
ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...
الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى
ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية