نزول الوحى على النبى الأكرم فى غار حراء

شهر رمضان الذى أنزل الله فيه القرآن على نبيه الأكرم، هو شهر العبادة الذى كان ينقطع فيه النبى فى "غار حراء" عن الناس، قبل أن ينزل عليه "جبريل" بالوحى، وكانت للوحى

شهر رمضان الذى أنزل الله فيه القرآن على نبيه الأكرم، هو شهر العبادة الذى كان ينقطع فيه النبى فى "غار حراء" عن الناس، قبل أن ينزل عليه "جبريل" بالوحى، وكانت للوحى مقدمات وعلامات، منها الرؤيا الصادقة، وسلام الحجر والشجر عليه، ثم شاء الله له بالنبوة والتكليف بالرسالة وجاءه "الأمين جبريل" وقال له "اقرأ باسم ربك الذى خلق"، فأصبح نبيا ورسولا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا.

نعود إلى "السيرة النبوية " كما دونها "ابن هشام "لنقرأ منها ما ورد من أخبار عن نبوة النبى ونزول الوحى وما كان من "خديجة" زوج النبى و"ورقة بن نوفل"..يقول "ابن هشام":

"حدثنا زياد بن عبدالله البكائى، عن محمد بن اسحق المطلبى قال: فلما بلغ محمد رسول الله، أربعين سنة، بعثه الله رحمة للعالمين، وكافة للناس بشيرا ونذيرا، وكان الله تبارك وتعالى قد أخذ الميثاق على كل نبى بعثه قبله بالإيمان والتصديق له، والنصر له على من خالفه، وأخذ عليهم أن يؤدوا ذلك إلى كل من آمن بهم وصدقهم، فأدوا من ذلك ما كان عليهم من الحق وقال الله فى كتابه العزيز "وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال «ءأقررتم وأخذتم على ذلكم إصرى» سورة آل عمران ـ الآية 81، أى ثقل ما حملتكم من عهدى، قالوا: أقررنا، قال: فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين، أخذ الله ميثاق النبيين جميعا بالتصديق له والنصر له ممن خالفه، وأدوا ذلك إلى من آمن بهم وصدقهم من أهل هذين الكتابين.

وكانت الرؤيا الصادقة هى أول نصيب الرسول صلى الله عليه وسلم من النبوة، وفى ذلك قال "ابن اسحق":

"عن عروة بن الزبير، عن عائشة رضى الله عنها أنها حدثته أن أول ما بدى به رسول الله من النبوة، حين أراد الله كرامته ورحمة العباد به "الرؤيا الصادقة"، لايرى رسول الله رؤيا فى نومه إلا جاءت كفلق الصبح، وقالت -رضى الله عنها- "وحبب الله له الخلوة، فلم يكن شىء أحب إليه من أن يخلو وحده".

وقال "ابن اسحق" إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراده الله بكرامته، وابتدأه بالنبوة، كان إذا خرج لحاجته، أبعد حتى تحسر عنه البيوت، ويفضى إلى شعاب مكة، وبطون أوديتها، فلا يمر رسول الله بحجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله، فيلتفت رسول الله حوله وعن يمينه وشماله، وخلفه، فلايرى إلا الشجر والحجارة، وكان رسول الله يجاور فى "حراء" من كل سنة شهرا، وكان ذلك مما تحنث به "قريش" فى الجاهلية، و"التحنث: التبرر" ،أى فعل "البر"، وكان يطعم فيه من  جاءه من المساكين، وكان صلى الله عليه وسلم إذا انتهى من تحنثه أو انقطاعه للعبادة فى "غار حراء"، رجع إلى "الكعبة"، فطاف بها سبع مرات، وبعدها يعود إلى بيته.

ويقول "ابن اسحق":

"حتى إذا كان الشهر الذى أراد الله تعالى فيه ما أراد من كرامته، وهو شهر رمضان، خرج رسول الله إلى حراء، كما كان يخرج لجواره، ومعه أهله، حتى إذا كانت الليلة التى أكرمه الله فيها برسالته، جاء "جبريل" عليه السلام بأمر الله تعالى، وقال صلى الله عليه وسلم: جاءنى "جبريل" وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب فقال: اقرأ، فقلت: ما أقرأ ؟ قال: اقرأ باسم ربك الذى خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذى علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم"، فقرأتها، فانصرف عنى، وهببت من نومى، فكأنما كتبت فى قلبى كتابا، فخرجت حتى إذا كنت فى وسط من الجبل، سمعت صوتا من السماء يقول: يا محمد أنت رسول الله وأنا "جبريل"، فرفعت رأسى إلى السماء أنظر، فإذا "جبريل" فى صورة رجل فى أفق السماء يقول: يا محمد أنت رسول الله وأنا "جبريل" فوقفت أنظر إليه، فما أتقدم منه ولا أتأخر، وجعلت أصرف وجهى عنه فى أفق السماء، فلا أنظر فى ناحية منها إلا رأيته كذلك، فمازلت واقفا، ما أتقدم أمامى، وما أرجع ورائى، حتى بعثت "خديجة" رسلها فى طلبى، فبلغوا أعلى "مكة"، ورجعوا إليها وأنا واقف فى مكانى، ثم انصرف عنى، وانصرفت راجعا إلى أهلى حتى أتيت "خديجة"، فقالت: يا أبا القاسم أين كنت؟ فوالله لقد بعثت رسلى فى طلبك، حتى بلغوا "مكة"، ورجعوا لى، ثم حدثتها بالذى رأيت، فقالت: أبشر يا ابن عم واثبت، فوالذى نفس "خديجة" بيده، إنى لأرجو أن تكون نبى هذه الأمة، ثم قامت فجمعت عليها ثيابها، ثم انطلقت إلى "ورقة بن نوفل بن أسد بن عبدالعزى بن قصى" وهو ابن عمها، وكان "ورقة" قد تنصر، وقرأ الكتب، وسمع من أهل التوراة والإنجيل.

ويضيف "ابن اسحق":

"ـ فأخبرته بما أخبرها به النبى، فقال "ورقة": قدوس، قدوس، والذى نفس ورقة بيده، لئن كنت صدقتنى يا "خديجة"، لقد جاءه "الناموس الأكبر" الذى كان يأتى "موسى"، وإنه لنبى هذه الأمة، فقولى له: فليثبت..، فرجعت "خديجة" إلى رسول الله فأخبرته بقول "ورقة بن نوفل"، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم جواره "أى انقطاعه للتعبد فى غار حراء"، وانصرف، بدأ بالكعبة فطاف بها، فلقيه "ورقة" وهو يطوف حول الكعبة، فقال: يا ابن أخى أخبرنى بما رأيت وسمعت، فأخبره رسول الله فقال له "ورقة": والذى نفسى بيده، إنك لنبى هذه الأمة، ولقد جاءك "الناموس الأكبر" الذى جاء "موسى" من قبل.

وكانت "خديجة " أول من آمن بالله ورسوله، ولهذا جعل الله لها مكانة كبرى وفى ذلك قال "ابن اسحق" :

 "حدثنى هشام بن عروة، عن أبيه عروة بن الزبير، عن عبدالله بن جعفر بن أبى طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أمرت أن أبشر خديجة ببيت من قصب، لا صخب فيه ولا نصب".. "القصب: اللؤلؤ المجوف".. وقال "ابن هشام" فى "السيرة النبوية":

"حدثنى من أثق به أن "جبريل" عليه السلام أتى رسول الله فقال: أقرئ خديجة  السلام من ربها، فقال رسول الله: يا خديجة هذا جبريل يقرئك السلام من ربك، فقالت خديجة: الله السلام، ومنه السلام، وعلى جبريل السلام.

وقال "ابن اسحق":

"ـ ثم فتر الوحى عن رسول الله، حتى شق عليه فأحزنه، فجاءه "جبريل" بسورة "الضحى" ـ "والضحى والليل إذا سجى، ما ودعك ربك وما قلى".

ثم فرض الله الصلاة على نبيه الأكرم، وفى ذلك قال "ابن اسحق":

"ـ افترضت الصلاة على رسول الله أول ما افترضت، ركعتين، ركعتين، ثم جاء "جبريل" للنبى يعلمه الوضوء والصلاة بأعلى "مكة"، فهمز له بعقبه فى ناحية الوادى، فانفجرت منه عين، فتوضأ "جبريل" عليه السلام ، ورسول الله ينظرإليه، ليريه كيف الطهور للصلاة، ثم توضأ رسول الله، ثم قام "جبريل" فصلى به، وصلى رسول الله، ثم انصرف "جبريل" عليه السلام.

وعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته، فتوضأ فى حضور "خديجة" ليعلمها كيف الطهور للصلاة، فتوضأت، ثم صلى بها رسول الله كما صلى به "جبريل".

ويضيف "ابن اسحق " قوله عن مواقيت الصلوات التى فرضها الله على النبى الأكرم ومن تبعه من المؤمنين:

"لما افترضت الصلاة على رسول الله، أتاه "جبريل" عليه السلام، فصلى به الظهر، حتى مالت الشمس، ثم صلى به العصر، حين كان ظله مثله، ثم صلى به المغرب حين غابت  الشمس، ثم صلى به العشاء، حين ذهب الشفق، ثم صلى به الصبح، حين طلع الفجر.

ثم آمن "على بن أبى طالب"ـ وهو أول من آمن من الذكور وكان عمره عشر سنوات، وذكر بعض أهل العلم أن رسول الله كان إذا خرج إلى شعاب "مكة"، خرج معه "على بن ابى طالب" مستخفيا من أبيه "أبوطالب" ومن جميع أعمامه، وسائر قومه، فيصليان الصلوات فيها، فإذا أمسيا رجعا، ثم إن "أبوطالب" عثر عليهما يوما، وهما يصليان فقال لرسول الله: يا ابن أخى ما هذا الدين الذى أراك تدين به؟ فقال الرسول: هذا دين الله ودين ملائكته، ودين رسله، ودين أبينا إبراهيم، بعثنى الله به رسولا إلى العباد، وأنت يا عم أحق منى بذلت له النصيحة، ودعوته إلى الهدى، فقال "أبوطالب": يا ابن أخى إنى لا أستطيع أن أفارق دين آبائى، وما كانوا عليه، وقال لولده"على": ما هذا الدين الذى أنت عليه؟، فقال"على": يا أبت، آمنت بالله ورسوله، وصليت معه واتبعته، فقال "أبوطالب": لم يدعك إلا لخير فالزمه.. وآمن "زيد بن حارثة " مولى رسول الله، وصلى صلاة الإسلام بعد "على بن أبى طالب"، وأسلم "أبوبكر الصديق"، وكان ـ رضى الله عنه ـ محببا سهلا، وكان أنسب قريش لقريش، وأعلم قريش بها، وبما كان فيها من خير وشر، وكان تاجرا، ذا خلق ومعروفا، وكان رجال قومه يأتون إلى مجلسه لعلمه وحسن مجالسته، فجعل يدعو إلى الله وإلى الإسلام من وثق به من قومه، وكان صاحب رسول الله وشهد المواقع كلها، وكان صهره، فهو والد "عائشة" زوج النبى، وكان "الخليفة" الذى اختاره المسلمون بعد وفاة النبى الأكرم، وظلت الدعوة إلى الله سرية لمدة ثلاث سنوات ثم أمر الله رسوله بالجهر بها.

 


 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - كده وكده

بطول الرصيف الواسع الممتد، اصطفت الماشية: أغنام وأبقار تحديداً، وبما أن العيد الكبير، عيد الأضحية، اقترب، فالمنظر يبدو مقصوداً، وغريباً...

مثقفون فى الحج.. رحلة كبار الأدبــــاء إلى الأراضى المقدسة

تركت أثرها فى نفوسهم ووصفوها فى كتاباتهم طه حسين: كانت دعوة من خارج النفس.. دعوة «آمرة» أمير الشعراء خاف من...

السلطان عبد الحميد الثانى.. خَـــذل المصريين بفرمان عصيان عرابى

شخصيات لها تاريخ «102» مذابح الأرمن المسيحيين وقعت فى عهده وبتوجيه منه ورفض إقامة وطن قومى لليهود على أرض فلسطين...

شهادات تذاع لأول مرة «15» جلسة نفسية لتحليل الشيخ وأيامه من شاهد على العصر

إمام.. سيرة أخرى د. خليل فاضل: إمام لم يكن شيخًا ولا مطـــــــــربًا.. كان إنسانًا يبحث عن نفسه الشيخ إمام لم...