كتاب يكشف: كيف تاب الناصر صلاح الدين عن شرب الخمر

وسط أجواء العزلة التى فرضتها "كورونا"، على الكثير من شعوب العالم، خلال الشهور العسيرة السابقة، وبينما كنتُ أسعى من أجل فهم كيف واجه أجدادنا الأوبئة والعزلة والموت عبر

وسط أجواء العزلة التى فرضتها "كورونا"، على الكثير من شعوب العالم، خلال الشهور العسيرة السابقة، وبينما كنتُ أسعى من أجل فهم كيف واجه أجدادنا الأوبئة والعزلة والموت عبر التاريخ الطويل لهذا الوطن، لفتنى أن الأحزان والأفراح كانت متعادلة تمامًا فى تاريخنا الوجدانى، بمعنى أننا كنا نصرخ من الألم فى الجنازات بنفس المعدلات التى كنا نبكى بها من شدة الفرح، وشدَّ انتباهى تعدد أشكال الاستمتاع بمتع الحياة فى ثقافتنا على مدار هذا التاريخ، من سهرٍ وسمرٍ ورقصٍ وغناء ونكتة وحكايات شعبية وسير وملاحم وغيرها.

فى غمار هذا البحث تصادف أن اهتمت الهيئة المصرية العامة للكتاب مشكورةً بإصدار سلسلة كتب متميزة، بعنوان: "المختصرات التراثية"، أصدرت فيها مُختصرًا من مؤلف فى غاية الأهمية فى هذا السياق، وضعه أحد شيوخ المؤرخين المصريين العظام، هو تقى الدين المقريزى (764 ـ 845 هجرية)، والكتاب هو "السلوك لمعرفة دول الملوك"، وقد صدر مختصرًا فى جزءين، ثانيهما طُبع عام 2020، وقام بالاختصار والتقديم له أحد الباحثين المتخصصين فى هذا المجال هو عمر مصطفى لطف، فرأيتُ أن أشارك معكم، قراءة هذا الكنز الثمين خلال أسابيع هذا الشهر الكريم، لعلها تكون فرصةً للتعرف إلى شىء من ذلك الجزء الحميم ـ الذى فقدناه ـ فى ثقافتنا.

هذا الكتاب إذن، يُقدم وجهًا آخر لهذا المؤرخ الجليل، فقد زادت فيه جرعة الاهتمام بالعادات والتقاليد المصرية، وزاد فيه الاهتمام بطوائف الشعب إلى جوار الاهتمام بطبقة الولاة من الأمراء والحكام والقضاة ورجال الشرطة، وتوقف فيه المقريزى طويلا أمام تواريخ سمعها وقرأ عنها فى مصادر مختلفة، كما توقف أمام ظواهر عاينها بنفسه، تكشف كلها كيف كانت الثقافة المصرية خلال العصرين الأيوبى والمملوكى تعرف جيدا ـ إلى جوار قيم العمل والإنجاز ـ قيمة الاستمتاع بمتع الحياة رقصا وغناء وسهرا وتحررا من بعض القيود المجتمعية فى أوقات الفراغ، وكيف تعددت أشكال الاستمتاع بمتع الحياة فى ثقافتنا، لدرجة أنه كانت هناك "جهة سلطانية" ـ إدارة فى قصر الحكم ـ تحصل على مالٍ كثير، ولها ضامن يدفع عنها الضرائب المقررة، اسمها إدارة "الملعوب"، وهم أهل الترفيه فى ذلك الزمان، وتشمل: المناطحين بالكباش والمناقرين بالديوك والمعالجين والمصارعين والمثاقفين والملاكمين والمشابكين والمقامرين ـ على اختلاف أنواع القمار ـ وعلى القرادة والدبابة، أى الذين يلعبون بالقرود والدب.

لقد اهتم المقريزى إلى جوار الحوادث السياسية ـ بذكر الخمور وأنواعها، و"بيوت المزر" ـ وهو التعبير الذى صكه للدلالة على نوع من الخمارات  كان منتشرا فى ذلك العصر، والمزر هى البيرة المستخلصة من الشعير ـ والتعرف إلى الأماكن المخصصة للسهر فى القاهرة وفى الإسكندرية كذلك، وسوف تجده فى هذا الكتاب مهتما بأنواع السكارى وحيلهم، وظروف إنتاج الخمور، وبالقرارات التى يتخذها بعض الأمراء ضد السكر والسكارى، فى شهر رمضان ـ على سبيل المثال ـ كما تجد فى كتاباته عموما اهتماما بأنواع وصنوف شتى من المخدرات، وأهمها "الحشيش"، الذى لم يكن وقتها مجرما قانونا.

يُقدم الكتاب ـ إذن ـ صورةً شاملةً للحياة السياسية لمصر، وبانوراما شاملة للجوانب الحضارية المختلفة فى التاريخ السياسى والحضارى وحتى الأسطورى للمجتمع المصرى عبر عصور مختلفة، مؤكدا على حقيقة وجود تلك العادات والتقاليد المصرية الراسخة فى ثقافة الاستمتاع بمتع الحياة، وكيف تجاوبت مصر مع الأحداث فى السراء والضراء، مركزا على العصرين الأيوبى والمملوكى، بادئا جزءه الأول بالتأريخ لأول سلاطين الدولة الأيوبية، الناصر صلاح الدين المتوفى 589 هجرية، متوقفا فى نهاية الجزء الثانى عند سنة وفاته هو شخصيا ـ أقصد المقريزى عام (845 هجرية).

يُشير الباحث عمر مصطفى لطف، خلال المقدمة، إلى أن المقريزى اعتمد بحياديته التاريخية وأسلوبه العملى المتزن على مصادر للحوادث التى سبقت زمانه، متبعا نظام الحوليات، فدون أحداث كل سنة فى فصلٍ مستقل، مفتتحا أحداثها بذكر السلاطين ورجال الدولة المعاصرين لهذه السنة، والتغييرات السياسية التى حدثت على كرسى العرش أو فى منصب "النيابة" أقصد نائب السلطان أو فى غيرها من المناصب العليا فى الدولة، ويملأ الأحداث بقصص أفراد من الطبقات الاجتماعية المختلفة، والحوادث التى شهدتها أهم المناطق، فى الوجه البحرى على وجه الخصوص، مع إشارات لحوادث مهمة فى الصعيد، كما يختتم أحداث كل سنة بذكر أهم الوفيات والمتوفين فيها.

 توبة صلاح الدين

ولكى لا يتهمنا البعض بالإساءة إلى المقريزى، وهو ما لا يمكن أن نقصده، نحب أن نشير أولا إلى أنه كان من أصحاب العلم الموسوعى،الذى كان سمةً ملموسة فى عدد كبير من علماء هذه الفترة، أى أنه كان يستطيع أن يكتب فى أكثر من مجال، إلا أن اهتمام المقريزى بالخمور ـ إلى جوار اهتماماته السياسية ـ امتد إلى بعض كتبه الأخرى، أى أنه ليس وليد طارئ عليه، ومنها كتابه الأشهر "المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار"، والذى قال فيه عن خمر المصريين قولة رجل حكيم ومجرب:

(..وأجود الأشربة عندهم الشمسىّ، لأن العسل الذى فيه يحفظ قوته ولا يدعه يتغير بسرعة، والزمان الذى يعمل فيه خالص الحرّ فهو ينضجه، والزبيب الذى يعمل منه مجلوبٌ من بلاد أجود هواء، و"أما الخمر" فقل من يعتصرها إلا ويلقى معها عسلا وهى معتصرة من كرومهم، فتكون مشاكلة لهم، ولهذا صاروا يختارون الشمسى عليها، وما عدا الشمسيّ والخمر من الشراب بأرض مصر فرديء لا خير فيه لسرعة استحالته من فساد مادته النبيذ التمرىّ والمطبوخ والمزر المعمول من الحنطة).

من بين كل ما ورد من معلومات فى كتاب "السلوك لمعرفة دول الملوك"، تعتبر معلومة توبة السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبى (يوسف بن أيوب) عن شرب الخمر، هى الأكثر إثارة للجدل، كونها ترد بين سطور مؤرخ محترف ومتمكن، بما يعنى أنه ربما وجدها فى المصادر الموثوقة التى اعتمدها لكتابه، مثل مؤلفات ابن الفرات وابن أيبك الدوادار وابن واصل ومحيى الدين بن عبدالظاهر، وغيرهم، من دون أن ننسى أن سمعة صلاح الدين ربما تأثرت كثيرا بسبب دوره فى القضاء على الدولة الفاطمية، التى كانت راسخة بعاداتها ومعتقداتها فى مصر.

يقول المقريزى إن الملك الناصر صلاح الدين الأيوبى (532 - 589 هـ / 1138 - 1193 م) "تاب عن الخمر وأعرض عن اللهو"، بمجرد أن تم تفويضه بالوزارة ونعته بالملك الناصر، سنة 564 هجرية، مشيرا إلى مزايا صلاح الدين وتعداد حسناته وحكمته، حيث استطاع أن ينظم الصفوف ويدبر الأمور فى مواجهة الغزاة وهم "الفرنج" يقول المقريزى:

"ففوض العاضد وزارته إلى صلاح الدين، ونعته بالملك الناصر، فمشَّى الأحوال، وبذل الأموال، واستعبد الرجال، وتاب عن الخمر، وأعرض عن اللهو، ودبَّر الأمر فى نوبة نزول الفرنج على دمياط أحسن تدبير، حتى رحلوا عنها خائبين".

ولا يظنن أحد أن المقريزى كان يورد أخبار السكر والسكارى على سبيل المدح لا سمح الله، لا بل جاءت فى غالبيتها العظمى على سبيل القدح والذم فى حقيقة الأمر، حيث يكثر فى كتابه أن تجد هذه السطور: "وكتب السلطان بإزالة الخمور وإبطال الفساد والخواطئ من القاهرة"، وهو يجمع غالبا بين الخمور والفواحش، وكثيرا ما يصف احتفالات الناس بأوصاف "الفحش والتظاهر بالمنكرات"، وكتب فى أول عهد السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون، يقول: "..وكان يوما مشهودا. رُسم فيه بتضمين الخمر، فظهر شرب الخمر، وكثرت السكارى وزال الاعتراض عليهم. فلم يقم ذلك غير أيام قلائل، حتى رسم بإراقة الخمور وإبطال ضمانها، ومُنع من التظاهر بشىء من المنكرات".

هكذا ظل موقف السلطة المصرية متراوحا فى التعاطى مع مظاهر الاحتفال على الطريقة الشعبية المصرية، بين الإباحة وتحصيل الضريبة عن كل الأنشطة المتعلقة بالأمزجة فى بعض الأوقات، وتحريمها وهدم دورها وتبديد مصائر القائمين على تجارتها، فى أحيانٍ أخرى.

 بيوت المزر

من بين أهم السمات التى تمتعت بها كتابة تقى الدين المقريزى، يبدو أن العلاقة بين المسلمين والأقباط فى مصر قد شغلته على ما فيها من تناقضات لا تنتهى، خصوصا أن مصر عرفت شعوبا وقوميات وأجناسا شتّى، تداخلت مع أبناء البلد الأصليين، على مدار قرون عديدة، الأمر الذى أسهم فى خلق هذه السبيكة المجتمعية الراقية، التى تعلمت من ظروف الزمان ودروسه أن تنحى الدين جانبا وتعطى الأولوية لفكرة المواطنة، على حد تعبيرنا المعاصر، نعم، لقد كشفت بعض حوادث المجتمع المصرى عند المقريزى أن المصريين تعلموا مبكرا أن يكونوا أخوة فى الوطن، وأن ما يجمع المسلم المصرى بشقيقه القبطى أكثر بكثير مما يجمع المسلم المصرى بالمسلم الهندى مثلا.

هذا المشهد الذى يكتبه المقريزى بوعيه ووعى رجال زمنه، يمكننا أن نرى فيه مصر الأخرى، القادرة على ارتكاب الأفراح فى أصعب المحن، فها هو يصف حدثا جللا وقع فى شهر رمضان، على عهد أحد سلاطين الأيوبيين حين كُسر بحر أبى المُنَجَا بعد "عيد الصليب" بسبعة أيام، يقول:

"وتجاهر الناس فيه بالمنكرات من غير نكر عليهم. وكثرت المنكرات، وغلا سعر العنب لكثرة من يعصره، وأقيمت طاحونة لطحن الحشيش بالمحمودية. وحميت بيوت المزر، وجُعل عليها ضرائب، فمنها ما كان عليه فى اليوم ستة عشر دينارا، ومنع من عمل المزر البيوتى، وتجاهر الكافة بكل قبيح".

إن كان هناك من يُشكِّك فى تناول صلاح الدين للخمر، قبل توليه السلطنة، لأن ما أشاعه الشيعة عنه من أوصاف قبيحة جاء ردا منهم على زوال دولتهم "الفاطمية" على يديه، فلا أظن أن هناك مَن يستطيع أن يُقلل من قيمة ما ورد فى كتاب "المقريزى"، من تفاصيل لا يمكن اختراعها ترتبط بحوادث وقرارات ملوك وأمراء معروفين تاريخا ونسبا، خصوصا وهو يشير إلى انتشار "بيوت المزر"، فى الإسكندرية ـ خلال حكم صلاح الدين الأيوبى وسلالته ـ انتشارا واسعا.

هكذا فتح المقريزى فى كتابه "السلوك لمعرفة دول الملوك" الباب أمام أسئلة كثيرة حرجة فى تاريخنا، الذى لم نتعلم أن نقرأه جيدا، فقد ظل الحديث حول شخص صلاح الدين الأيوبى يدور فى نمط تميزه كحاكم عسكرى واجهت من خلاله البلاد تحديات كثيرة، بينما لا نسمع شيئا عن التحديات الداخلية التى واجهها، والمعضلات الثقافية التى جعلته يحاول تغيير نظرة المجتمع المصرى لبعض السلوكيات، ودفعته دفعا إلى اتخاذ قرارات قد لا ترضى جمهور المصريين فى ذلك الزمان، وهذا ما سوف نتناوله فى قابل الأيام.

وإلى اللقاء فى الحلقة المقبلة ...

 


 	محمود خيرالله

محمود خيرالله

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - صلاة الطفولة

  ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...

سهيلة الرملى: «اتكلمى» ركزت على المسكـوت عنه فى كتب التاريخ

الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى

«السيد فى حقل الأدب».. شهادات وقـراءات كاشفة لعالم صبرى موسى

ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية

خالد أمين: وقعت فى غرام الـرعب والغموض

أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد