مجزرة «بحر البقر» الابتدائية

فى التاسعة من صباح يوم الأربعاء "8 أبريل 1970" أغارت طائرات إسرائيل على مبنى مدرسة "بحر البقر" الابتدائية بمركز "الحسينية" ـ محافظة الشرقية ـ فقتلت 29 تلميذا وأصابت

فى التاسعة من صباح يوم الأربعاء "8 أبريل 1970" أغارت طائرات إسرائيل على مبنى مدرسة "بحر البقر" الابتدائية بمركز "الحسينية" ـ محافظة الشرقية ـ فقتلت 29 تلميذا وأصابت 55 تلميذا، وبلغ عدد المصابين من العاملين بالمدرسة اثنى عشر من بينهم "مدرس" واحد، ونظرا لبشاعة الجريمة التى أقدمت عليها إسرائيل، لم تستطع تبريرها أمام عيون الرأى العام العالمى، فذكرت أن المدرسة كانت موقعا عسكريا مخفيا، وهذا لم يكن صحيحا، واضطر "نيكسون" الرئيس الأمريكى إلى تأجيل توقيع صفقة طائرات كانت مخصصة لجيش الدفاع الإسرائيلى.

لكل حادث أصول وجذور، وأصول الحادث الإجرامى الذى أقدمت عليه "إسرائيل"، فى يوم "8 أبريل 1970"، ترجع إلى ما قبل هذا التاريخ بعدة سنوات، ففى الأول من "يوليو 1967"، استطاعت القوات المسلحة المصرية  خوض معركة "رأس العش"، التى كانت أولى المعارك التى يخوضها "الجندى المصرى" بعد وقوع هزيمة "5 يونيو 1967"، ومن نتائجها المعنوية أنها أثبتت "شجاعة" الجندى المصرى، وإصراره على التضحية فى سبيل تحرير الأرض المحتلة، وفى ضوء معركة "رأس العش"، قررت القيادة العليا للقوات المسلحة المصرية، خوض حرب طويلة الأجل ضد إسرائيل، وكانت تلك القيادة تتكون من "الفريق أول محمد فوزى" ـ وزيرالحربية ـ و"الفريق عبدالمنعم رياض" ـ رئيس هيئة الأركان ـ وكان الهدف المرجو من هذه الحرب، إرهاق دولة إسرائيل التى لا تحتمل ظروفها الاقتصادية والجغرافية غير الحروب القصيرة الخاطفة التى تحقق النتائج السريعة، وتعليم الجندى المصرى فنون القتال من واقع "ميدان المعركة"، أى أن تكون المعارك نفسها هى المدارس التى يتعلم فيها الجنود والضباط خبرات القتال، ورفع الروح المعنوية للقوات وتخليصها من "صدمة" ما حدث فى يوم الاثنين الأسود "5 يونيو 1967".

وفى كتابه "الإعداد لمعركة التحرير" ذكر الفريق أول "محمد فوزى" وزير الحربية الذى أدار "حرب الاستنزاف"، أن تلك الحرب أطلقت عليها عدة أسماء منها "حرب المواجهة المباشرة" و"الحرب المستحيلة"، وهى بالفعل كانت تبدو "مستحيلة"، لأن خسائر قواتنا فى يوم "5يونيو" كانت مرتفعة، لكن الشعب المصرى بموروثه الحضارى، قرر"الصمود"، فخرج فى يومى 9 و10 يونيو 1967، فى مظاهرات حاشدة، معلنا رفضه للقرار الذى اتخذه "الزعيم الوطنى جمال عبدالناصر "بالتنحى عن الحكم، اعترافا منه بالفشل فى إدارة "المعركة" ضد إسرائيل، وتراجع "ناصر" عن قراره نزولا على رغبة "جماهير 9 و10 يونيو"، وقرر مواصلة بناء هياكل القيادة العسكرية الجديدة، وقرر القادة العسكريون الذين وقع الاختيار عليهم لإعادة بناء القوات المسلحة المصرية، التصدى للمهمة الوطنية بكل ما لديهم من قدرات وخبرات، وتوالت العمليات والمعارك على جبهة "سيناء"، وشهد العامان "1968 و1969"عمليات كثيرة قام بها الجنود المصريون ضد مواقع العدو فى سيناء المحتلة، وكانت عملية "لسان بورتوفيق" التى تكبد العدو خلالها خسائر كبيرة، بداية لتحول فى الموقف الإسرائيلى، فقررت قيادة الجيش الإسرائيلى استخدام القوات الجوية ضد الأهداف العسكرية والمدنية المصرية، وشنت طائرات إسرائيل غارات على مناطق مصرية عديدة بعيدة عن جبهة القتال منها "نجع حمادى" و"إدفو" و"حلوان" و"المعادى" و"دهشور"، وفى العام 1970 زادت الغارات الإسرائيلية، ففى شهر فبراير من العام نفسه شنت غارات على مصنع فى مدينة "أبوزعبل" بمحافظة القليوبية، وقتلت سبعين من العمال وأصابت سبعين آخرين، وفى "أبريل" شنت غارتها الوحشية على مدرسة "بحرالبقر"، فقصفت المبنى بصاروخين وخمس قنابل تزن "ألف رطل"، وانتقلت سيارات الإطفاء والإسعاف لإنقاذ المصابين ونقل جثث الشهداء، وأصدرت وزارة الداخلية المصرية بيانا تفصيليا عن الحادث، جاء فيه أن عدد التلاميذ الذين استشهدوا بلغ " 29 تلميذا"، وعدد المصابين بلغ "50 تلميذا"، وأصيب مدرس وأصيب أحد عشر من العاملين بالمدرسة، وقامت الجهات المسئولة عن التعليم والإدارة المحلية، بجمع ما تبقى من كتب وكراسات وملابس وأشياء التلاميذ الشهداء، وخصصت فصلا احتوى هذه الأشياء وأطلقت عليه اسم "متحف شهداء بحر البقر" وحفرت لوحة من الرخام مدون بها أسماء التلاميذ الذين قتلتهم طائرات إسرائيل.

ويقول الفريق أول "محمد فوزى" وزير الحربية الذى أدار حرب الاستنزاف ضد الجيش الإسرائيلى معلقا على الغارات التى شنتها إسرائيل على الشعب المصرى فى المدن والقرى:

"ـ كانت نتائج قصف العدو لهذه الأهداف على عكس ما كان يتوقعه، فقد عمقت التعاون بين الشعب وقيادته السياسية، وازداد الإنتاج، نتيجة إصرارالعمال على الصمود".

ولكى نوضح للقارئ المعنى الذى قصده ـ الفريق أول محمد فوزى ـ نقول إن تصاعد العمليات العسكرية التى كانت تقوم بها القوات المسلحة المصرية والمجموعات الفدائية ونجاحها فى إرهاق الجيش الإسرائيلى وتكبيده خسائر كبرى، جعل قيادة العدو تبحث عن وسيلة تزرع الشك بين "الشعب المصرى" و"القيادة السياسية" و"القيادة العسكرية"، وهى الغارات الجوية التى تستهدف القرى والمدن والأهداف الصناعية، حتى يفقد الشعب الثقة فى جيش بلاده ويقول إنه جيش ضعيف لا يستطيع حماية البلاد من غارات العدو، ولكن الشعب المصرى لم يمنح العدو الإسرائيلى الفرصة لتحقيق أهدافه الخبيثة، فلم يحتج ولم يتذمر، رغم حزنه على الشهداء من أبنائه، بل إن العمال المصريين الذين قتلت إسرائيل منهم وأصابت العشرات فى مصنع "أبوزعبل" قرروا زيادة الإنتاج لإمداد الجيش بما يلزمه من مواد وأدوات حتى يتحقق الهدف الوطنى الأكبر، وهو "تحريرسيناء" المحتلة، وبذلك يكون العدو قد نجح فى قتل الأفراد وتدمير المنشآت ولم ينجح فى تحقيق الهدف السياسى الكامن وراء هذه الغارات، بل إن هذه الغارات أمدت الشعب والجيش المصرى بأسباب للقوة والصمود والإصرار على الكفاح والقتال حتى تحرير الأرض المحتلة.

ولأن حادث استشهاد أطفال مدرسة "بحر البقر الإبتدائية" كان بشعا بكل المقاييس، فقد أثار غضب الرأى العام العالمى، ووضع إسرائيل فى حرج سياسى، فلم تجد ما تبرر به إقدامها عليه غير "الكذب" فقالت إن المدرسة كانت "ثكنة عسكرية" يستخدمها الجيش، واستشعر الرئيس الأمريكى "نيكسون" الحرج، فقرر عدم تسليم إسرائيل صفقة طائرات حديثة، وهو نفسه الرئيس  الذى دبر وخطط لحرب  "5 يونيو 1967"، ولكن مقتل أطفال "بحر البقر" جعله يتراجع عن دعمه المعلن لدولة إسرائيل إرضاء للجهات والجماعات المناهضة للحروب والمدافعة عن السلام العالمى، وخففت إسرائيل نفسها من الغارات على المدن المصرية، وفى شهر "يونيو1970" تم وقف أعمال "حرب الاستنزاف" التى دامت ثلاث سنوات، وكانت إسرائيل هى من سعت لدى المنظمات والهيئات والقوى الدولية لوقف إطلاق النار، وقبلت مصر"مبادرة روجرز"، وهدأت الجبهة، لكن القوات المسلحة المصرية، وشركات المقاولات المصرية استطاعت استكمال "حائط الصواريخ" الذى كان أحد الأسباب لشل حركة الطيران الإسرائيلى، وكان له الدور المهم فى تحييد القوات الجوية الإسرائيلية فى حرب العبور المجيد "6 أكتوبر1973".

وهذا الحادث الذى راح ضحيته عدد من الأطفال الأبرياء، هز وجدان الفنانين والمبدعين المصريين، فكتب الشاعر الكبير"صلاح جاهين" أغنيته "الدرس انتهى، لموا الكراريس" وتغنت بها المطربة الكبيرة "شادية" وهى أغنية، تصور المشهد الحزين الذى وقع فى مدرسة "بحر البقر"، وتخاطب "ضمير العالم المحب للسلام" وتشكو له بشاعة الجريمة التى أقدمت عليها إسرائيل، وقدمت الفنانة "ماجدة" مشاهد تمثيلية للحادث ضمن فيلم "العمر لحظة" الذى خصصته لرصد وسرد قصص بطولات الجنود المصريين فى حرب الاستنزاف، ونجحت الدبلوماسية المصرية فى فضح الجريمة وتعريف العالم بحقيقة ما تقوم به إسرائيل ضد الشعب المصرى الأعزل، ونجح الإعلام المصرى فى حشد الرأى العام حول القيادة السياسية والعسكرية وفوت على العدو فرصة "دق إسفين" بين الشعب والجيش .

وللقارئ نقول إن "الشرقية" واحدة من المحافظات المصرية التى دفعت "ضريبة الدم" ودافعت عن الوطن، مثلها مثل مدن القناة، بحكم موقعها، فقبل أن تنشأ إسرائيل، كانت "أبوحماد" إحدى مدن الشرقية فاعلة فى استيعاب ودعم العمليات التى يقوم بها الفدائيون المصريون ضد الإنجليز ومعسكراتهم الموجودة فى المنطقة المحيطة بقناة السويس، ولما ظهرت إسرائيل فى خريطة الشرق الأوسط، دخلت الشرقية داخل المناطق التى يستهدفها الطيران الإسرائيلى مثلها مثل "بورسعيد والسويس والإسماعيلية"، ولكن الجيش المصرى استطاع تطوير سلاح الدفاع الجوى وسلاح الطيران بما يضمن تأمين كل شبر فى جمهورية مصر العربية، ولم ينس المصريون شهداءهم من العسكريين والمدنيين ومازال شهداء "مدرسة بحر البقر الابتدائية" يعيشون فى قلب كل مصرى، ومازالوا أحياء عند ربهم يرزقون.


 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - صلاة الطفولة

  ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...

سهيلة الرملى: «اتكلمى» ركزت على المسكـوت عنه فى كتب التاريخ

الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى

«السيد فى حقل الأدب».. شهادات وقـراءات كاشفة لعالم صبرى موسى

ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية

خالد أمين: وقعت فى غرام الـرعب والغموض

أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد