خمسة رجال صنعوا أسطورة شريهان

"العناد" صفة أصيلة فى شريهان وتلازمها كظلها وكأنها خلقت بها، وهى صفة قد تبدو نقيض جسدها الدقيق ووجهها الرقيق والوداعة الظاهرة فى شخصيتها، لكنك إذا ما اقتربت منها

"العناد" صفة أصيلة فى شريهان وتلازمها كظلها وكأنها خلقت بها، وهى صفة قد تبدو نقيض جسدها الدقيق ووجهها الرقيق والوداعة الظاهرة فى شخصيتها، لكنك إذا ما اقتربت منها ستكتشف أنك أمام كائن نصف وزنه على الأقل من العناد!

حدث مثلا فى أثناء تصوير فيلم "الطوق والإسورة" أن طلب منها مخرجه خيرى بشارة أن يستعين بدوبليرة لتؤدى عنها هذا المشهد الخطر الذى تلقى فيه بنفسها فى الترعة وتسبح حتى تعبر الشط الآخر، لكن شريهان أصرت أن تؤدى المشهد بنفسها،كأن شخصية "فهيمة" الصعيدية تلبستها وسيطرت عليها، وفى مشاهد أخرى تفوقها خطورة، خاصة فى أماكن التصوير الوعرة فى الأقصر وفى أجواء شديدة الحرارة، ركبها نفس الإصرار وأدتها دون الاستعانة بدوبليرة.. وحصلت على جائزة أحسن ممثلة عن دورها فى هذا الفيلم، الذى صار من كلاسيكيات السينما المصرية.

أيضاً حدث فى فيلمها "جريمة شرف" أن نبهها مخرجه عادل الأعصر أنها ستقوم فى بعض مشاهد الفيلم بدور امرأة فى الخمسين من عمرها، وأن عليها أن تستسلم لأصابع الماكيير محمد عشوب ليطبع علامات الزمن على وجهها، وكانت شريهان يومها فى مقتبل شبابها، وفى سن تخشى كل النجمات من المغامرة بدور الأم حتى لو كن يلعبنه فى الواقع، ولكن شريهان غامرت وظهرت بدور يفوق عمرها، وفوجئ الجمهور بتلك الصبية الجميلة تطل على الشاشة بدور امرأة عجوز!

وحدث أنها تلقت تهديدات مزعجة تحذرها من السفر إلى الكويت لعرض مسرحيتها "علشان خاطر عيونك"، فقد شنت التيارات السلفية والرجعية حملة عنيفة على المسرحية ونجمتها وصلت إلى منابر المساجد، وفى مقابل الترهيب كان هناك عرض بالتراجع عن عرض المسرحية فى الكويت مقابل 50 ألف دينار على سبيل التعويض، لكن شريهان صممت على السفر رغم تحذيرات الأصدقاء والمحبين، وكانت هناك أخطار حقيقية على حياة نجوم العرض وفى مقدمتهم شريهان الأكثر استهدافا فى حملة الهجوم.. وسافرت شريهان وعرضت المسرحية ونالت نجاحا جماهيريا يفوق الوصف.

   (1)

وبذلك العناد المتأصل قررت أن تخوض تجربة الفوازير، وتخلف نجمتها الشهيرة "نيللي" بكل ما حققته من نجاح ومجد استمر لمواسم طويلة بلا منافس.. فمن كانت تجرؤ على منافسة نيللي، النجمة المتوجة على عرش الفوازير والاستعراض؟!

لم تتردد شريهان فى خوض المغامرة ووافقت بلا تردد على ترشيح ملك الفوازير المخرج الشهير فهمى عبدالحميد لها، رغم أن الترشيح جاء قبل فترة قليلة من شهر رمضان (1987) كانت شريهان تستعد فيها لدخول امتحاناتها بكلية الحقوق، وحتى لا تمنح نفسها أى فرصة للتردد نقلت إقامتها كاملة إلى استوديو "2" بمبنى ماسبيرو حتى تعطى العمل كل تركيزها ووقتها، وبالفعل لم تكن تغادر البلاتوه إلا لتناول الإفطار فى شهر رمضان مع أسرتها، أو لتسجيل أغانى الفوازير فى استديوهات الصوت ..بل جاءت بكتبها ومحاضراتها لتستذكر دروسها فى الفواصل بين تغيير الديكورات، وخرجت من الاستوديو مباشرة إلى مدرجات كلية الحقوق لتؤدى امتحانات المادة الأولى، لكن ضغط التصوير فيما تلى من أيام لم يمكنها من الذهاب لأداء الامتحانات فى بقية المواد فضاعت عليها سنة دراسية..!

وربما جاء النجاح الهائل لفوازير "حول العالم" ليعوضها عن السنة الدراسية، بل ويصنع منها نجمة استعراضية متفردة ومذهلة، جعل منها ملكة الفوازير المتوجة لمواسم ثلاثة تالية، بل تسببت فى عقدة لمن جئن بعدها، لأن المقارنة كانت دائما ولا تزال- فى صالحها.

يحكى لى صديقنا المخرج رضا شوقى ( وكان مساعد المخرج الراحل فهمى عبد الحميد) أن المواسم الثلاثة جعلت من شريهان نجمة استعراضية بكل معنى الكلمة، خاصة وأنها كانت فى أول العشرينيات من عمرها، والحق أنها بذلت جهدا خارقا إذ كان التحضير للتصوير يستغرق 6 شهور كاملة قبل شهر رمضان، ولا تنتهى الحلقة الأخيرة إلا مع تكبيرات صلاة العيد ..وبعد رحيل فهمى قدمت شريهان تجربة للفوازير لم تلق نفس النجاح، فقد كان أستاذنا الراحل هو صاحب البصمة الأبرز فيها، وكان رحيله خسارة فادحة، للفوازير.. ولشريهان بالذات!

وربما كان نجاحها الأسطورى فى الفوازير دافعا لبطولة "ألف ليلة وليلة" بشخصياتها وأجوائها الأسطورية، حيث وجدت فيها متنفسا لتقديم مواهبها فى التمثيل والغناء والاستعراض.

(2)

و الحاج فهمى عبد الحميد مخرجا لفوازيرها - هو واحد من الآباء الخمسة الذين صنعوا أسطورة شريهان وساهموا بوضوح فى مشوارها الفني، وكان أولهم بالطبع أخاها ومعلمها الأول عمر خورشيد.. ثم الفنان القدير محمد صبحي، إذ تعتبره أستاذها الأول على خشبة المسرح، فهو الذى تحمس لها وآمن بموهبتها وهى فى أول الطريق لم تزل، فوقفت أمامه بطلة فى عملين من أروع تجاربه المسرحية، أولهما "أنت حر" فى العام 1981، وثانيهما "المهزوز" فى العام 1985، والعملان من تأليف المبدع لينين الرملي، ويمثلان ذروة من ذرى التألق والنضوج فى تلك الشراكة المسرحية المبهرة بين صبحى والرملى ..ومن صبحى "الأستاذ" تعلمت شريهان "أصول" المسرح: أداء وتقاليد وأصول وإدارة، كما أنه دلها على الطريق العلمى لصقل موهبتها، فقرأت على يديه وبإرشاده كتب ونظريات "قسطنطين ستانسلافسكي" المخرج والممثل الروسى الأشهر فى فن الأداء التمثيلي.. وكان سببا فى تطور رؤيتها وفهمها، وهو ما بدا بعد ذلك فى تعايشها مع الشخصية وتفاصيلها ومفاتيح أسرارها.

وعندما قرر صبحى أن يختار النجمات الأكثر تأثيرا فى مشوارها ليكرمهن فى الاحتفالية الضخمة التى أقامها بمناسبة مرور نصف قرن على هذا المشوار الطويل، كانت شريهان واحدة من خمسة فقط رأى أنهن يستحققن هذا التكريم، بداية من زوجته ومساعدته ورفيقة رحلته نيفين رامز، وصولا إلى شريكته الأهم فى تلك الرحلة دراميا ومسرحيا- سعاد نصر.

فى طفولتها كان صبحى من نجومها المفضلين، وطالما بهرها بأدائه فى مسرحية "انتهى الدرس يا غبي"، وطالما وقفت أمام المرآة تقلد حركاته ولزماته وطريقة أدائه، وطالما تمنت أن تقف أمامه عندما تكبر.. ولذلك كانت مسرحيتاها مع صبحى من أحلام حياتها الجميلة التى تحققت.. وبأكثر مما تمنت.

والمخرج المبدع حسين كمال يحتل مكانة خاصة بين هؤلاء الآباء، ببصمته المتفردة فى مسيرة شريهان: سينمائيا ومسرحيا، فمعه قدمت على شاشة السينما أروع أدوارها: "العذراء والشعر الأبيض" (مع محمود عبد العزيز ونبيلة عبيد ) 1983، و"قفص الحريم" (مع عزت العلايلى ) 1986 ..وفى المسرح أيقونتها "علشان خاطر عيونك" مع "الأستاذ" فؤاد المهندس (1987) التى استمر عرضها لمواسم متصلة بنجاح كبير.. وحدث أثناء عرضها أنها كانت تصور فى الوقت نفسه فوازير رمضان مع فهمى عبد الحميد، وأحست بآلام حادة حاولت احتمالها بالمسكنات حتى لا تعطل تصوير الفوازير أو عرض المسرحية، ولكن مقاومتها خانتها وسقطت فى البلاتوه، وفوجئ الأطباء فى مستشفى السلام بالنجمة الشابة تعانى من آلام مبرحة تحتاج إلى جراحة عاجلة بعدما أظهرت الأشعة  أن هناك حصوة ضخمة تسد مجرى البول.. وكان عليها أن تقض بالمستشفى 22 يوما، وبمجرد خروجها عاودتها الآلام وكان عليها أن تطير إلى أمريكا لاستكمال العلاج والعودة سريعا لتدخل البلاتوه وتقف على خشبة المسرح بدون فترة نقاهة كافية.

ورغم أنها لم تلتق بعاطف الطيب سوى فى فيلم واحد وحيد شاءت الأقدار أن يكون هو فيلمه الأخير، إلا أن الطيب بأفلامه وشخصيته كان من الآباء الروحيين والمؤثرين فى مسيرة شريهان، فقد كانت معجبة بأسلوبه ومدرسته وبصمته وشخصيته المتفردة كمخرج سينمائي، وكان أى فيلم له يستحق أن تشاهده وتتعلم منه وتتأمل فى جمالياته، ولذلك لم تتردد لحظة عندما اختارها بطلة لفيلمه الجديد "جبر الخواطر" (1998)، بل ومن أجله تنازلت عن أشياء لم تعتدها فى أفلامها من قبل مثل أن تناقش مخرجه فى كل تفاصيله، وأن تعرف كل فريق العمل قبل التصوير .

ورغم ذلك كادت الفرصة تفلت منها وأن لا يزين تاريخها فيلم مع عاطف الطيب، فقد ظهر من يهمس فى أذن عاطف بأن بطلته "دلوعة" ولا تلتزم بمواعيد التصوير وستعطله كثيرا، لكنه لم يهتم وأصر على اختياره، إلى أن فوجئ فى أول يوم تصوير باعتذار شريهان عن الحضور لظرف صحى طارئ، وفى اللحظة التى فكر فيها فى البحث عن بديل لها كانت شريهان تدخل عليه وعينها متورمة وفى حالة يرثى لها، وقررت وهى فى طريقها لزيارة طبيبها أن تمر على البلاتوه ليتأكد أنها فعلا لا تستطيع الوقوف أمام الكاميرا، وببساطة اعترف لها بما كان ينتويه واعتذر لها عن سوء ظنه.. وهكذا كتب لشريهان أن تحقق حلمها، وأن يجمعها أفيش واحد مع مخرج تعشقه، بل قدر لها أن تقترب منه بشدة إنسانيا طوال فترة التصوير، ولذلك كان رحيله المفاجئ صدمة قاسية لها أثرت فيها كثيرا، ورغم قصر المدة التى عرفته فيها إلا أنها تعتبره من أنبل من عرفت.. بل الإنسان الأروع!

(3)

ويبدو أن سوء الحظ كان قدرا ومكتوبا على شريهان، ففى كل مرة تتصور أن الدنيا صالحتها وابتسمت فى وجهها تفاجئ بصفعة وصدمة.. وما أكثر الصفعات والصدمات التى تلقتها من الحياة منذ ميلادها.. فالقائمة تطول.. لكن تظل الصفعة التى تلقتها صباح يوم 24 مايو 1989 فارقة فى حياتها.. وقتها كانت شريهان تعيش مرحلة من النضج والزهو الفنى بعد نجاحها الأسطورى كنجمة للفوازير، وكبطلة مسرحية، وكنجمة شباك سينمائية..ووقتها كانت تجهز لعمل مسرحى جديد كتبه عمدة الكتابة المسرحية بهجت قمر، وتحمس لإنتاجه عمدة الإنتاج المسرحى سمير خفاجي، وتحمس لإخراجه عمدة الإخراج المسرحى كرم مطاوع، وتحمس للمشاركة فى بطولته نجوم فى قيمة صلاح السعدنى ومحمود الجندى وحسن مصطفى.. وفى عز انشغالها بالتحضير لعرض "آه يا غجر" غدر بها القدر، وتعرضت لحادث سيارة مروع أوقف كل مشاريعها وخططها بل كادت أن تفقد فيه حياتها ..وكان عليها أن تدخل فى سلسلة مؤلمة من العمليات الجراحية الخطرة لإنقاذ حياتها بعد أن تسبب الحادث فى كسور بالعمود الفقرى والحوض وقطع فى أعصاب القدم اليمنى ومشاكل أخرى فى النخاع الشوكى.. إصابات كانت كفيلة بأن "تكسر" جبلا، لكن شريهان التى اعتادت صدمات القدر قررت أن تواجه قدرها بثبات وصلابة، وتحملت أن تعيش داخل حزام من الجبس لمدة ستة شهور ..وبالعناد المتأصل فى شخصيتها استطاعت أن تقف على قدميها من جديد.. وأن تعود إلى الفن.. قدرها الجميل.     

(4)

بعد فيلمها "العشق والدم" (مع فاروق الفيشاوى بطلا وأشرف فهمى مخرجا عام 2002) ابتعدت شريهان عن الساحة.. شغلتها ظروفها الصحية حينا.. وظروفها العائلية كمسئولة عن ابنتين (لولوة وتاليا ).. لكنها أبدا ظلت حاضرة فى الأذهان والقلوب ..ولابد أنها هى نفسها فوجئت أنها تصدرت "التريند" بعد الحفاوة الجماهيرية الصاخبة على وسائل التواصل الاجتماعى فى ديسمبر الماضى (2020) احتفالا بعيد ميلادها.. بدا الأمر وكأنه استفتاء جماهيرى على المحبة العارمة والحضور الطاغى لنجمة غابت عن الشاشة لما يقرب من عشرين عاما.. وبدت الحقيقة مطلة كقمر منير.. الذى أبدع لا يغيب.

 


 	أيمن الحكيم

أيمن الحكيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - صلاة الطفولة

  ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...

سهيلة الرملى: «اتكلمى» ركزت على المسكـوت عنه فى كتب التاريخ

الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى

«السيد فى حقل الأدب».. شهادات وقـراءات كاشفة لعالم صبرى موسى

ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية

خالد أمين: وقعت فى غرام الـرعب والغموض

أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد