حكاية الجاسوسة «انشراح» التى قتلت الشهيد عبدالمنعم رياض

فى 9 مارس 1969 استشهد الفريق عبدالمنعم رياض رئيس أركان القوات المسلحة المصرية، بقذيفة من مدفع إسرائيلى، أثناء وجوده على الجبهة فى جولته التفقدية التى اعتادها لمتابعة

فى 9 مارس 1969 استشهد الفريق عبدالمنعم رياض رئيس أركان القوات المسلحة المصرية، بقذيفة من مدفع إسرائيلى، أثناء وجوده على الجبهة فى جولته التفقدية التى اعتادها لمتابعة معارك "حرب الاستنزاف" والإشراف على إعادة بناء القوات التى دمرت فى اليوم الأسود 5 يونيو1967، وكانت الجاسوسة "انشراح موسى" هى التى أبلغت "الموساد الإسرائيلى" بموعد زيارة "رئيس الأركان" لمواقع الجبهة، ولم تكن "انشراح" وحدها التى سقطت فى مستنقع الخيانة، بل كان معها زوجها "إبراهيم شاهين" وأولادها الثلاثة..

طوال السنوات الماضية، كنت أعرف أن الشهيد الفريق "عبدالمنعم رياض"، لقى ربه شهيدا فى يوم 9 مارس 1969، أثناء قيامه بجولة على جبهة قناة السويس، فى الفترة التالية لوقوع هزيمة "5 يونيو 1967"، وهى ذاتها الفترة التى جرى خلالها إعادة بناء القوات المسلحة على أسس علمية حديثة، وكنت أعرف أيضا أن مسلسل "السقوط فى بئر سبع" الذى أنتجه "اتحاد الإذاعة والتليفزيون"، يصور قصة أسرة "مصرية" احترفت التجسس لصالح إسرائيل، ولكن ما أدهشنى ـ منذ أيام ـ هو وجود علاقة ارتباط مباشر بين "مقتل الشهيد رياض" و"الجاسوسة انشراح" وزوجها "إبراهيم شاهين"، فهى وزوجها مسئولان أمام محكمة التاريخ الوطنى المصرى عن مقتل واحد من كبار العسكريين الوطنيين المصريين، وهو القائد المنحدر من أسرة عسكرية، فقد كان والده "العقيد محمد رياض" قائد "بلوكات الطلبة" فى الكلية الحربية، وقبل التحاق ـ الشهيد ـ بالكلية الحربية، قضى عامين طالبا فى كلية الطب، لكنه لم يشعر بالراحة، فقرر اللحاق بالكلية الحربية "هو من مواليد 1919"، وبالفعل وجد الشهيد البطل نفسه فى الكلية الحربية، وتفوق على أقرانه، فأجاد عدة لغات أجنبية، وتعمق فى دراسة "سلاح المدفعية"، وحصل على دورات تدريب رفيعة المستوى، ومنحه "الروس" فى زمن "الاتحاد السوفييتى" لقب "الجنرال الذهبى" وزكوه عند الرئيس الراحل "جمال عبد الناصر"، ولما وقعت "كارثة 5 يونيو" اختاره ـ ناصرـ إلى جانب "الفريق محمد فوزى" ليكونا المسئولين عن "القوات المسلحة" بما يعرفه عنهما من انضباط وتفوق ووطنية وثقافة عسكرية واسعة، ومنذ يوم "11 يونيو 1967" وحتى يوم الرحيل "9 يونيو 1969" قدم "الفريق عبدالمنعم رياض" كل ما يملكه من خبرة وعلم عسكرى لجيش بلاده، واستطاع أن يرفع معنويات القوات المهزومة ويمنحها الثقة بالنفس، من خلال معارك "حرب الاستنزاف" التى كانت البذرة الأولى للعبور المجيد الذى حققه الجيش المصرى فى "6 أكتوبر 1973"، وكان الشعب المصرى فخورا بالقائد "الجنرال الذهبى" وفخورا بجنوده المرابضين فى الخنادق، ليل نهار، من أجل الاستعداد ليوم تحرير "سيناء" التى سقطت فى قبضة "العدو الإسرائيلى" فى يوم "الاثنين الأسود ـ 5 يونيو"، إلا امرأة واحدة هى الخائنة "انشراح على موسى" التى باعت نفسها لجهاز "الموساد" الإسرائيلى بمساعدة زوجها الجاسوس "إبراهيم سعيد شاهين"، وكانت "انشراح" قد سقطت فى يوم سقوط زوجها "إبراهيم".. كانا يسكنان فى "العريش" فى الوقت الذى احتلت فيه "إسرائيل " المدينة، وكان "الموساد" الإسرائيلى، يقوم بعمليات مسح واختبار للسكان، ليلتقط من بينهم "الخونة" الذين يمكنه الاعتماد عليهم فى إدارة شئون "سيناء" واختراق دفاعات "الجيش المصرى".

وهنا ـ فى هذه السطورـ لن نستطيع الإجابة عن سؤال: من أين حصلت "انشراح موسى" على المعلومة الخاصة بموعد وصول "الفريق رياض" إلى الجبهة؟

لكن نستطيع تقديم بعض المعلومات عن "إنشراح" و"إبراهيم"، ومن ضمن هذه المعلومات أن "انشراح على موسى" من مواليد "المنيا" فى "شمال الصعيد" فى العام 1937، ثم حصلت على الشهادة الإعدادية، وفى أثناء وجودها مع والدها فى حفل زفاف أحد أقارب العائلة، فى القاهرة، أو السويس فى بعض الروايات، رآها "إبراهيم شاهين" فأعجبته، وقرر أن يخطبها من أهلها، لكن الأهل اعترضوا، لأنه مقيم فى "العريش" وهى مدينة بعيدة، والوصول إليها صعب، الأمر الذى يجعل زيارتهم لها عملا شاقا، لكن "انشراح" وجدت بالحاسة الأنثوية، النصف الآخر الذى تحلم به، وأعلنت رغبتها فى الزواج من "إبراهيم شاهين"، وهو الموظف الذى ضبط قبل شهور، وهو يتقاضى رشوة مقابل تسهيل إجراء لمواطن له مطلب فى الجهة التى يعمل بها، وفى الفترة التى تلت احتلال "العريش"، كان إبراهيم وانشراح يعيشان لحظات قاسية، كان أولادهما يعيشان فى القاهرة، وكانا يرغبان فى الحصول على "تصريح أمنى" من الجيش المحتل للسفر خارج "العريش"، وكان هذا "التصريح" هو "قطعة الجبن" التى تم بها "اصطياد إبراهيم شاهين"، وسقط "شاهين" فى قبضة الضابط الإسرائيلى، فجعل منه "الجاسوس" الذى ينقل له المعلومات، ويستخدمه فى ترويج وبث الشائعات، فى صفوف المواطنين المصريين، مقابل مبالغ مالية كبيرة "ألف دولار"، والعجيب أن أول مكافأة استلمها "إبراهيم" من "الموساد" أخبر عنها زوجته "إنشراح"، وقال لها "أنا بلغت عن فدائى مصرى، والاسرائيليين عطونى الفلوس دى.."، فما كان من "انشراح" إلا أن شجعته وقدمت له المبرر النفسى "أحسن اللى عملت كده، لو مابلغتش كان غيرك هيبلغ"، وطلبت التعاون معه لخدمة "إسرائيل" مقابل المال، ومما أحزننى وأدهشنى أن هذين الجاسوسين "انشراح وإبراهيم"، كانا يكتبان فى التقارير التى يرسلانها لجهاز الاستخبارات الإسرائيلى عبارة "عاشت دولة إسرائيل"، وكأنه "الهتاف الوطنى"، رغم أنهما يعرفان الجرائم التى يرتكبها الجيش الإسرائيلى ضد العمال المصريين فى "أبو زعبل" وضد الأطفال فى مدرسة "بحر البقر" الإبتدائية، وفى كل المدن المصرية، فقد كانت الطائرات الإسرائيلية تقوم بغارات على كافة المناطق المصرية، فى ظل غياب "الدفاع الجوى" القادر على ردعها، وكان الضحايا المدنيون يسقطون كل يوم، فى المدن والقرى المصرية.

وفى الوقت الذى كانت فيه الأمهات المصريات تقدم فلذات أكبادها للدفاع عن تراب الوطن، كانت "انشراح موسى" تقول لأولادها "إسرائيل هيه اللى بتصرف عليكم، كل الخير اللى إحنا فيه من فلوس اسرائيل"، وبالفعل انضم الأولاد الثلاثة إلى "شبكة الجاسوسية"، وأصبح دورهم هو جمع المعلومات من زملائهم الذين يدرسون معهم فى المدارس رفيعة المستوى، فى حى "مدينة نصر"، بعد أن حصلت الأسرة الخائنة على أموال سمحت لها بالانتقال من "الأميرية" الحى الشعبى الفقير، ولكن لم تنقطع العلاقة بين الأسرة العميلة ومجتمع "الأميرية"، فهو مصدر المعلومات، والمسرح الذى تطلق فيه الأسرة "الشائعات المعادية" التى يزودهم بها "الموساد" الإسرائيلى.

هنا قلت لنفسى: هل "انشراح" مصرية؟ وهل "إبراهيم شاهين" يجرى فى عروقه دم مصرى؟

فتأملت ملامح "انشراح"، فى محاولة منى للتعرف على أصولها العرقية، فوجدت فيها ملامح "الغجر"، والغجر، جماعة هامشية تعيش فى القرى ولا انتماء لديها لوطن بعينه، وهى جماعة محتالة، تعيش على السرقة والخطف والتسول وبيع الأعراض، وتأملت ملامح "إبراهيم" فلم أستطع التوصل إلى أصله العرقى،  لكننى رأيت فى صفحة وجهه ملامح "القواد"، الذى لا شرف له، ولا رجولة عنده، ولا كرامة، وكل ما يهمه "الفلوس"، ومن خلال المعلومات التى أتاحها جهاز المخابرات المصرى للجماهير، عقب القبض على "إبراهيم" و"انشراح" عرفت صدق حدسى وصدق قراءتى لأخلاق هذين الخائنين، فهى ساقطة، أقامت علاقة سرية مع الضابط الإسرائيلى الذى يشرف عليها، وهى التى زرعت فى قلوب أولادها بذور كراهية الوطن، وجعلت منهم "خونة"، و"إبراهيم" كان موظفا منحط الأخلاق مثلها، وتمت محاكمة هذه الأسرة الخائنة، وتم إعدام "إبراهيم شاهين"، وتم العفو عن "انشراح"، ثم سافرت إلى "إسرائيل" هى وأولادها، وهناك اعتنقت "اليهودية" هى وأولادها، ولم تلق الاهتمام الذى تمنته من جانب "الموساد" الإسرائيلى، فعملت عاملة نظافة فى دورات المياة العمومية فى"تل أبيب"، وفى بعض الأوقات عملت طباخة فى المطاعم الشعبية، أما "إبراهيم شاهين" فقد تم إعدامه فى "مصر" فى "16 يناير 1977"، وفى تسعينيات القرن الماضى، تحدث أحد أولاد "انشراح" لوكالة صحفية إسرائيلية، وشكا من تجاهل الحكومة الإسرائيلية للدور الذى قامت به عائلته فى سبيل خدمة "إسرائيل"، مطالبا الحكومة الإسرائيلية بتوفير حياة كريمة له ولعائلته التى باعت وطنها للعدو مقابل حفنة من المال.

 


 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - صلاة الطفولة

  ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...

سهيلة الرملى: «اتكلمى» ركزت على المسكـوت عنه فى كتب التاريخ

الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى

«السيد فى حقل الأدب».. شهادات وقـراءات كاشفة لعالم صبرى موسى

ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية

خالد أمين: وقعت فى غرام الـرعب والغموض

أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد