حكاءة عبقرية الجدة البدوية

المجتمع البدوى فى مصر، يقوم على عاتق المرأة والرجل معا، لكن المرأة لها دور ثقافى مهم، فهى عندما تكبر وتصبح جدة، تجمع الأحفاد حولها فى الليالى القمرية، وتعلمهم

المجتمع البدوى فى مصر، يقوم على عاتق المرأة والرجل معا، لكن المرأة لها دور ثقافى مهم، فهى عندما تكبر وتصبح جدة، تجمع الأحفاد حولها فى الليالى القمرية، وتعلمهم بالحكايات التى تسردها مبادئ الدين وقواعد الأخلاق، وتذكرهم بأمجاد القبيلة والآباء والأجداد، وتخصب خيالهم بما احتوته ذاكرتها منذ شبابها الأول.

المرأة فى المجتمع البدوى لها دور يختلف حسب درجة "بداوة" الحياة التى تعيشها، فهناك المجتمع البدوى المعزول ـ بالجغرافيا ـ عن الاتصال بالحضر، وهناك مجتمع يتماس مع الحضر بدرجة كبيرة، وهناك ثالث يحمل خصائصه البدوية الموروثة، ويعيش داخل حدود الحضر.. ولكى نسهل مهمة القارئ العزيز، نقول له إن مجتمع البدو فى منطقة "السلوم" التابعة لمحافظة "مطروح" الواقعة فى الصحراء الغربية، هو المجتمع البدوى الخالص، المعزول عن الحضر بدرجة سمحت له بالإبقاء على تراثه الثقافى كاملا غير منقوص، وهذا المجتمع "شفاهى"، يتكلم أكثر مما يكتب، يحتل فيه "الشعر البدوى" مكانة رئيسة، فهو أداة التعبير والخطاب "السرى" و"العلنى"، والمرأة فى هذا المجتمع تبدع لونا أدبيا شفاهيا يسمى "غناوة العلم"، واللهجة فى "السلوم" تندرج ضمن "الحزام الهلالى"، لأن القبائل الموجودة فيه وفى كل مجتمعات البدو الواقعة فى الصحراء الغربية وتخوم وادى النيل تنحدر من قبائل "التغريبة الهلالية" التى جاءت من نجد والحجاز وجنوب العراق لتأديب "المعز بن باديس" حاكم تونس فى زمن "المستنصر الفاطمى" واستقرت فى "برقة" و"طرابلس" و"جنوب تونس" وبلاد المغرب والجزائر، وعادت للشرق فاستقرت فى مصر فى مواقعها الحالية، فى محافظات "مطروح" و"الإسكندرية" و"البحيرة" و"الفيوم" و"المنيا" و"أسيوط" و"سوهاج" و"قنا"، والشعر فى المجتمع البدوى المصرى بأطيافه ودرجاته، يحتل فيه "الشعر البدوى" مكانة كبيرة، والشاعر له مكانة أدبية كبرى فى هذا المجتمع، فهو مثقف القبيلة ومؤرخها، القادر على القول الفصل فى الأمور كلها، أما المرأة فى المجتمع ذاته فهى مبدعة "الحكاية"، وهى الساردة التى لا تقل قيمة أدبية عن الشاعر، ولكنها تبدع حكاياتها وهى جالسة فى "المخيم" ـ فى الزمن الماضى ـ وفى "النجع" فى الزمن الحاضر، وهى متحررة من "الحشم" أو القيود الأخلاقية، فهى لم تعد قادرة على الزواج والحب، والجميع يتعامل معها بمودة وتقدير، فهى امرأة للحكمة والبركة، والكل يتعامل معها باحترام، والحكايات التى تسردها "الحن" أو الجدة ـ وينادونها "حنى" بالنون المشددة، أى جدتى والاسم مشتق من "الحنان"ـ تتضمن الحدود والقوانين والأعراف السائدة فى المجتمع، والبطولات والأمجاد التى صنعها رجال القبيلة فى حروبهم ضد القبائل الأخرى، وهذا "المنهج" الذى تدرسه "الحن" أو الجدة، ضرورى لحفظ الهوية وترسيخ الشخصية البدوية وتربية الأجيال المنتمية لهذه الثقافة العربية الإسلامية.

أما المجتمع البدوى الذى يتماس مع الحضر، فنجده فى مناطق "الفيوم" و"غروب المنيا" وبنى سويف" و"أسيوط" و"البحيرة" و"أسوان" و"قنا"، مع الوضع فى الاعتبار أن "البدو" ينقسمون فى مصر إلى فريقين، فريق "المشارقة" وفريق "المغاربة"، والمشارقة كما هو واضح من الاسم، يعيشون فى الصحراء الشرقية، أى فى محافظات "الشرقية" و"سيناء" و"البحر الأحمر" و"السويس" و"الإسماعيلية" و"شرق القاهرة"، ومنهم "الناجع" ومنهم "المرتحل"، والناجع هو الذى يعيش فى قرية داخل بيوت مبنية بالحجر، وكل قبيلة تعيش داخل هذا المكان المسمى "نجع" تسمى المكان باسمها، أو باسم جدها الأعلى، وهناك "المرتحل"، ومقصود به البدوى المشرقى الذى يطوف بالمال "المال هو الغنم والماعز الذى يملكه البدوى"، هو وجماعته وقبيلته، ويلتقى "المشارقة" و"المغاربة" فى موسم "الربيع"، وهو موسم "الحصاد" فى مناطق وادى النيل، حيث تكون الأرض محتوية على ما يصلح لرعى الغنم والماعز، والأرض المزروعة تقع غالبيها فى "غرب النيل"، وفى غرب النيل يعيش "البدو المغاربة" فى "نجوع" وقرى، وحتى لا نثقل على القارئ نقول له إن الفوارق الثقافية بين "البدو المغاربة" و"البدو المشارقة" كبيرة وواضحة، فالمغاربة مستقرون والمشارقة مرتحلون طوافون فى البلاد، وهذا مؤثر مهم فى خلق التناقض بين الجماعتين البدويتين.

والمجتمع البدوى المنخرط داخل "الحضر"، هو مجتمع "عربان الصعيد"، وهم "البدو" الذين استقروا فى نجوع منذ عهد الدولة العثمانية وعهد "محمد على"، أو سكنوا الصعيد منذ قرون بعيدة مثل قبيلة "جهينة" التى استقرت داخل حدود محافظة "سوهاج" منذ العهد الفاطمى، وكل "بدو الصعيد" أو"عرب البلاد" قديمهم وحديثهم ينحدرون من قبائل التغريبة الهلالية، بل إن فروعا من قبائل "أولاد على الأبيض" استقرت فى قرى ونجوع الصعيد، ومنها من استقر فى تخوم الوادى فى مناطق "الفيوم" و"المنيا"، ورغم القرابة التى تربطها بالبدو فى السلوم "أولاد على الأحمر" إلا أن وجودها داخل الحضر فى وادى النيل، عدل من نمط حياتها، لكن ظلت "الجدة" تمارس ذات الدور الذى تمارسه نظيرتها المقيمة فى "مطروح" أو "البحيرة" أو صحراء المنيا والفيوم.

وعرب الصعيد، هم من قبلوا التوطين والإقامة داخل الحضر، ويسميهم المؤرخون "العرب المدركون" ـ من الدرك ـ وهم من اعتمدت عليهم الدولة العثمانية ودولة محمد على فى حماية الأراضى المزروعة بالمحاصيل، من الغارات التى كان يشنها "عربان العصيان" المتمردون، مقابل منحهم الأراضى والأماكن الصالحة للسكنى، وبمرور الزمن، سقطت عنهم خصائص "البدو" وصاروا مواطنين خاضعين للدولة، ولكن بقيت الثقافة البدوية الموروثة، تميزهم عن "الأقباط" أو "الفلاحين"، والفلاحون فى ثقافة "البدو" هم "الأقباط" الذين تركوا الديانة المسيحية وأصبحوا مسلمين، ومن أمثلة هؤلاء "العربان" المتوطنين داخل الحضر: "عرب بخواج"، "اقصاص"، "جهينة"، "القرامطة "، "عرب محروس" "أولاد خروف"، وهؤلاء جميعا يعيشون فى قرى تتبع محافظة "سوهاج"، وأسيوط وقنا وعددهم يقدر بالملايين ويشكلون "الجسم الصلب" لمحافظات الصعيد.

ورغم وجود هؤلاء "العربان" أو "البدو" داخل قرى وادى النيل منذ مئات السنين، مازالوا يحتفظون بالموروث البدوى المتمثل فى اعتبار "المرأة" موطن "عفة الرجل" وشرفه، و"الثأر" للقتلى المنحدرين من "الجد" المشترك، والكرم، والاعتزاز بالنفس، والعمل الجماعى فى المعارك، والمناسبات الاجتماعية، و"الحكايات" التى انتقلت معهم ـ عبر ذاكرة النساء ـ وهى حكايات لاتختلف عن الحكايات المتداولة فى المجتمع البدوى المعزول أو الواقع على الحد الفاصل بين الصحراء والأرض السوداء فى غرب أو شرق النيل .

وإذا كان المجتمع البدوى المصرى، بكافة أطيافه وتناقضاته الثقافية يحترم فكرة "الشرف" و"العفة" و"الاحتشام" الأخلاقى للمرأة، ويتحرى الدقة فى أمور المصاهرة، وينظم العلاقة بين الرجل والمرأة، إلا أن المشترك بين كافة أطياف المجتمعات البدوية هو الدور الثقافى للمرأة، فهى التى تربى الرجال، بالسلوك والتوجيه و"الحكايات"، وكلما كانت خاضعة لقوانين وأعراف "المجتمع البدوى الذكورى"، كلما حظيت بثقة الرجال، وكلما ارتفعت مكانتها الأدبية، ولكن من المهم هنا التأكيد على أن "المرأة" لايحق لها "الحب"، بالصورة المعروف فى المدن، ولو تمردت على القوانين بصورة تجلب "العار" لرجال القبيلة، يكون القتل هو العقاب الذى يقع عليها، وتظل ملعونة فى الأحاديث "السرية" بين أفراد المجتمع.

ومن المهم هنا أن نذكر الدور الأكاديمى والثقافى المهم الذى قام به الزميل الكاتب والشاعر والباحث "دكتور فارس خضر" فى جمع "مائة حكاية شعبية" من واحة "الداخلة" التى تقع فى الصحراء الغربية، وتتبع إداريا محافظة "الوادى الجديد" ونشرها فى كتابه "سهراية الليل"، الصادر عن "الهيئة العامة للكتاب " ـ2014ـ ويستطيع القارئ والمهتم بالأدب الشعبى المصرى، التعرف إلى أصول هذه الحكايات ،فمنها ماهومنحدرمن "مجتمع بدوى"، ومنها ما هو منقول من "بدو الصعيد"، ومنها ما هو "قبطى" فلاحى خالص، ذلك لأن الواحة، سمح موقعها وتاريخها الاجتماعى والسياسى والاقتصادى، بالتقاء "البدو" و"الفلاحين" و"الأمازيغ" على أرضها، والتعايش والانصهار الثقافى، ونجد الدليل على كلامنا هذا فى حكايات "أحمد الغول"، وحكاية الصياد الفقير والرجل "المفترى" أو المستقوى بعافيته، وحكاية المرأة التى رفضت الزواج من "العبد" لأنها تنتمى أى "هوارة"، والحكاية التى ورد فيها ذكر"بيض الحبل" ـ حمل المرأة ـ فهذه الحكاية متداولة فى مجتمع عربان أو "بدو الصعيد" ومجتمع "بدو مطروح"، وهذه الحكايات وغيرها  لها اتصال بحكايات "عربان برقة " ـ شرق ليبيا ـ وتسمى هناك باسم "السريب"، وفعل "سرب" المشتق منه "السريب"، يستخدم فى مجتمع "بدو الصعيد" للدلالة على تنقية "القمح" وتجهيزه للطحن "عملية سرب الغلة"، والحكايات فى سردها، تحمل ذات المعنى، فالحكاءة "تسرب" الكلام، والكلام "يتسرسب"، و"السرب" بالكسر، دال على الوحدات المتكررة المتصلة، ومنه "سرب الطيور" و"سرب الطائرات".

والجدة الحكاءة أو المرأة حاملة التواريخ والمبدعة للحكايات، تؤدى دورا مهما قال عنه الباحث ـ دكتور فارس خضرـ إنه يحقق الإشباع الوجدانى للسامعين، ويمنحهم الرضا والقبول بالواقع القاسى ـ والحياة البدوية قاسية ـ ويحقق عملية التعليم ونقل الخبرات الاجتماعية للأجيال الجديدة.

وأخيرا نقول: إن "المرأة الحكاءة" فى المجتمع البدوى، هى "الحكاية" نفسها، وهى "رمانة الميزان" و"تقالة المغزل" ـ مغزل الصوف اليدوى ـ وهى "الضمير" الحى، الذى يضمن استقرار الجماعة الشعبية البدوية، والجماعة تقدر لها هذا الدور وتمنحها الألقاب الدالة على الاحترام، فهى "حنى" بالنون المشددة والحاء المفتوحة، وهى "ستى" بالتاء المشددة والسين المكسورة، وهى "جدتى" بالجيم المفتوحة والمكسورة أيضا، وهى "الكبيرة " بالمكان والمكانة فى مجتمع العربان.


 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - صلاة الطفولة

  ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...

سهيلة الرملى: «اتكلمى» ركزت على المسكـوت عنه فى كتب التاريخ

الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى

«السيد فى حقل الأدب».. شهادات وقـراءات كاشفة لعالم صبرى موسى

ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية

خالد أمين: وقعت فى غرام الـرعب والغموض

أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد