عماد الغزالى يكشف اعترافات محمد على باشـا ورسائله العائلية الخاصة جدًا

هل تصدق أن ستالين حاكم روسيا الرهيب وبطلها فى الحرب العالمية الثانية، لم يكن يستطيع أن يحكم ابنه، فقد كان يشكو من تمرده عليه إلى معلمته الفرنسية، فإذا جئت إلى مصر

هل تصدق أن ستالين حاكم روسيا الرهيب وبطلها فى الحرب العالمية الثانية، لم يكن يستطيع أن يحكم ابنه، فقد كان يشكو من تمرده عليه إلى معلمته الفرنسية، فإذا جئت إلى مصر وجدت أن الزعيم جمال عبد الناصر -وهو من هو- لم يستطع أن يثنى ابنته منى عن الزواج من أشرف مروان، رغم أنه لم يكن راضيا عن تلك الزيجة -كما قال لى د. عبد القادر حاتم زميل الدراسة لعبد الناصر وأحد أهم وزرائه.

أما محمد على مؤسس مصر الحديثة، فقد وقف عاجزا عن إهمال بعض أبنائه لدروسهم وتبلدهم واستسلامهم للبدانة، فراح ينصحهم تارة ويهددهم ويتوعدهم تارة أخرى، كما تكشف عن ذلك رسائله التى أوردها الكاتب والأديب عماد الغزالى فى كتابه "حكايات من زمن الوالى" -الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب- فقد كان يلوم ابنه "سعيد" دائما على بدانته المفرطة، كتب إليه يقول: "أنا مشمئز من وزنك، إن فى مقدورك أن تتخلص من بدانتك، التى تزعج الناس جميعا، وأن يصبح لك قوام رشيق، إنك لو حضرت إلى الإسكندرية وأنت على هيئتك السابقة، فسوف أنفيك فى منزل صغير وأبقيك فيه.. لقد نصحتك المرة تلو المرة -شفاهة وكتابة- لكن جهودى كانت بلا جدوى، وقد تألمت أعمق الألم، وقد حاول معلمك أن يخفى حالتك ويشجع بدانتك الكريهة، وقد اضطررت أن أتجسس عليك، فلو وجدتك بدينا كما كنت، فسوف أضعك فى وصاية رجل فظ، وأجعلك تمشى كل يوم كما فعلت مع عباس، أنا لن أسمح للناس بإهانتى بأن يقولوا إننى غير قادر على تعليم أبنائى، بينما أقوم بتعليم أبناء الآخرين"!

حينما وجد محمد على من ابنه "حسين" تكاسلا فى تحصيل علومه وهو يدرس فى باريس، كتب إليه محفزا وضاربا المثل بنفسه حينما حرم من التعليم فى صغره، ولكن ذلك لم يثبط همته عن الوصول للعلا، قال الأب لابنه: "ولدى.. من يبدأ مهمة وهو يحمل شعورا باليأس واعتقادا بعدم النجاح فسوف يفشل لا محالة، أما ذلك الذى يقول إنه ليس هناك مستحيل ويبدأ العمل بعزم صادق، فسوف يجنى بغير شك ثمار جهوده، لقد كانت نشأتى ومولدى فى مدينة صغيرة محرومة من الدراسة والتعليم، ولهذا كبرت وأنا محروم منهما، لكن استعدادى الفطرى دفعنى إلى أن أطرح التردد والشكوى جانبا عند قيامى بأى مهمة، وعلمنى أن أجعل من الجهد والحماس كما لو كانا ديونا فى عنقى، وسوف تعلمون عندما تكبرون وتنضجون أننى قمت بأعمال جليلة من لا شىء".

وينبه محمد على ابنه "حليم" ألا يعتد بأنه ابن الوالى، ويتعامل مع أساتذته وأقرانه بشعور التعالى، أو كما كتب إليه: "اعلم أنك تلميذ مثل كل الآخرين، اطلع على من هم أعلى منك، وعامل كل فرد معاملة طيبة، وروض نفسك صباحا ومساء على أن تكون متواضعا ومجتهدا، هكذا تكسب السمعة الطيبة وسعادتى وإحسانى، وتصبح محترما بين الناس".

وكان لبنات الوالى نصيب من اهتمامه بتعليمهن وتهذيبهن، حتى إنه كتب إلى إحداهن محذرا من الإسراف والمغالاة فى الملبس، وأن تعمل حساب يوم تنفق فيه على نفسها من كدها وتعبها وليس من مال أبيها، ومن ثم فعليها أن تتعود فضيلة التدبير، فقال لها مؤنبا: "إذا قالت لك الأمهات هل هذه الملابس طلب مغالى فيه بالنسبة لبنات الرجل العظيم، فأجيبى: إن الرجل العظيم -فى نظر الشريعة- هو الذى يخدم الشعب على الدوام.. وطّنى نفسك أن تكونى راضية بالقليل، وتعلمى الاقتصاد من أجل اليوم الذى يجب أن تكونى مسئولة فيه عن نفقاتك أنت".

أما أحفاده فلم يتركهم أيضا.. يلوم حفيده عباس على استهانته وانغماسه فى الملذات، إلى درجة أن يقول له: "لقد حطمت آمالى فيك، لقد كان أملى أن تدخل السعادة إلى قلبى بأن تؤدى واجباتك بضمير حى، انظر إلى عملك وإلىّ وأنا فى سنى المتأخرة، حقا لقد آلمتنى بلادتك إلى أقصى حد، يجب أن تلم شتات نفسك، واطرح الانغماس فى الشهوات جانبا من أجل العمل الجاد"، وأنذره بأن حسبه ونسبه لن يجدى له نفعا بغير التعليم الذى أهمله، فينصحه ويهدده: "لا تصغِ إلى الدساسين الذين يخبرونك أنك ستنال مركزا رفيعا رغم كل شيء، إذا لم تستذكر دروسك فلن تأخذ أى مركز ولا حتى درهما واحدا".

وكان إبراهيم هو الوحيد من ذرية محمد على الذى لم يلق لوما وتأنيبا، فقد كان أنبغ أبنائه، وكان يضرب به المثل لأبنائه وأحفاده بأدبه وحسن أخلاقه، فلم يسمح لنفسه أبدا أن يدخن فى حضرة أبيه، ولأن العظمة لا تتجزأ فقد كان أيضا أنبغ قادته، ولولاه -كما شهد المؤرخون الأجانب- لما استطاع أبيه أن يحقق نصف ما أنجز.. فضلا عن أنه مؤسس الجيش المصرى الحديث الذى دق به أعناق الأتراك المتسلطنين المتسلطين، فقد كره إبراهيم باشا الأتراك منذ التحفظ عليه فى اسطنبول "رهينة" لمدة عام، وفقا لاتفاق أبرمه محمد على مع السلطان العثمانى نظير ولايته لمصر، إضافة إلى حصة من المال، وبقى إبراهيم "رهنا " للمبلغ المطلوب.. كانت هذه السنة سببا فى تبديد أوهام إبراهيم عن العثمانيين، وقد تحول شعوره تجاههم إلى عداء واحتقار صريحين، واعتاد أن يصف نفسه دائما بأنه مصرى وليس تركيا، فقد كانت مشاعره العدائية ومحبته لجنوده من المصريين هى التى كانت تحركه، وقد سأله أحد القناصل الأوروبيين بعد أن لاحظ إشادته الدائمة بجنوده من أبناء الفلاحين، وأن ما يمليه عليهم من أوامر وقرارات يكون باللغة العربية.. سأله القنصل عن هذا رغم أنه لا ينتمى لهذا العنصر، فأجاب: "لقد جئت إلى مصر طفلا، فغيرت شمس مصر دمى وبدلته دما مصريا خالصا".

الوالى كثيرا ما خالف رأى ابنه الذى هدد عرش السلطان العثمانى وأزعج أوروبا بفتوحاته، فقد كانت له رؤية سياسية واستراتيجية وإدارية ثاقبة، ولكن محمد على كانت له حسابات أخرى كحاكم، بعكس رؤية ابنه القائد الجسور الذى كان يريد خلع السلطان العثمانى "المشئوم" -حسب تعبيره- وضم الشام إلى مصر دفاعا وتأمينا لحدودها الشرقية، وطلب من أبيه ترقية الجنود المصريين إلى أعلى الرتب لكفاءتهم وشجاعتهم وإخلاصهم، مقارنة بغيرهم من الشراكسة والألبان والمماليك، إلى نهاية ذلك من الخليط الذى لم يكن متجانسا، حتى أيقن الوالى وابنه أن المصريين من أبناء الفلاحين هم الأجدر بجيش بلادهم، والأقدر على الدفاع عن مصر وتوسيع حدودها العربية، فقد كان يرغب فى إحياء نهضة عربية.

أما محمد على نفسه، فإن تاريخ الجبرتى يحتشد بذكر المظالم التى كان يعانيها الناس فى زمنه، أكثر من ذلك فإن الجبرتى يبدى أسفه لفشل حملة رشيد الإنجليزية فى عام 1807 فى احتلال مصر، بسبب كراهيته الشديدة لمحمد على، ومع ذلك فإنه لا ينكر أعماله ويصفها بأنها "من همم الملوك"، قائلا: "كانت له مندوحة لم تكن لغيره من ملوك هذه الأزمان، ولو وفقه الله لشىء من العدالة على ما فيه من العزم والرياسة والشهامة والتدبير والمطاولة، لكان أعجوبة زمانه وفريد أقرانه"، ومهما كان رأيك فى محمد على فإنه فى المجمل مؤسس مصر الحديثة التى أصبح السائر فيها من أسوان إلى السلوم آمنا -باعتراف قناصل الأجانب- بعد أن كانت تعج بالفوضى والخوف والنهب والسلب فى نهاية عصر المماليك الذى حسمه محمد على بمذبحة القلعة، ورغم ما يتصف به من خداع وغدر، فإنه لم يلجأ أبدا إلى المذابح إلا على أرض المعركة، ولكنه اضطر إليها -مذبحة القلعة- بعد أن وقعت تحت يده خطابات تؤكد ضلوع المماليك فى مؤامرة ضده بالاتفاق مع والى سوريا، وأيا كان الأمر فإن محمد على يبقى واحدا من أهم من حكموا مصر وشعروا بقيمتها وحاولوا أن يجعلوا منها دولة إقليمية عظمى تناطح بجيشها جيوش أوروبا، ومهما كانت النتيجة فإن مصر بعد محمد على غير مصر قبلها، وليس هناك جديد يمكن إضافته إلى تاريخ محمد على بعد 216 سنة من توليه حكم مصر، ولكن تبقى الحكايات الصغيرة التى ربما لا تلفت نظر المؤرخين، ولكنها لفتت نظر الكاتب الأديب عماد الغزالى فقدم لنا كتابه "حكايات من زمن الوالي" وهى حكايات عجيبة وشائقة من زمن الوالى الذى نقل مصر المحروسة من عصر إلى عصر، بفضل همة والى وجسارة شعب، فلم يكن ممكنا لحاكم مهما بلغت قدراته وتسامقت أحلامه أن يحقق شيئا دون شعب عميقة جذوره فى التاريخ، فصنع به نهضة مصر الحديثة.

وكان رفاعة الطهطاوى من أهم نتائج تلك النهضة، ويحظى بتقدير الوالى الذى انزعج انزعاجا شديدا حينما تطاول أحد تلامذة رفاعة وصفع أستاذه على وجهه، وكان طالبا ألبانيا يدرس بمدرسة الألسن التى أسسها رفاعة، وليس معروفا السبب على وجه الدقة، غير أنه يمكن الاستنتاج -حسب عماد الغزالي- أن ألبانية الطالب هى التى شجعته على التطاول على "ابن الفلاحين" الذى يبقى مهما علا شأنه وارتفعت وظيفته أدنى إنسانيا، وهو ما أغضب محمد على وقرر بحسم أن "الطالب المخطئ يجب أن يجلد 300 جلدة ثم يطرد من المدرسة".

ومن بين رجال محمد على البارزين كان "كلوت بك"، الذى كان ذراع الباشا القوية فى الإصلاحات الصحية، فقد استقدمه من فرنسا مع طبيبين آخرين لمقاومة وباء الجدرى الذى كان يخرب البلاد بوحشيته ويقتل ما لا يقل عن 50 إلى 60 ألف طفل سنويا، وبوصول كلوت بك امتدت حملة تطعيم الجدرى إلى مصر كلها، كما أنه أنشأ مستشفيين عسكريين صار أحدهما بعد ذلك مستشفى قصر العينى كمدرسة طبية، ولجأ كلوت بك إلى تجنيد الخريجين من طلاب الأزهر ليكونوا نواه الطلبة المصريين، لأن طلبة الأزهر كانوا الفئة غير الأمية الوحيدة فى مصر آنذاك. ومن الغريب أنه لم يبق من كلوت بك إلا اسم شارع شهير فى القاهرة كان معروفا بسوء سمعته قبل إلغاء البغاء فيه فى أربعينات القرن الماضى.

وكان من أهم إنجازات محمد على إلغاء البغاء فى مصر بفرمان قرر به طرد جميع بنات الهوى من العاصمة، وتهجيرهن إلى صعيد مصر، وإنذارهن بالجلد خمسين جلدة تتم مضاعفتها إذا عدن لممارسة الهوى مرة أخرى، وكانت "كوشك هانم" من أشهر بنات الهوى، وكانت وصيفتها الراقصة "بمبة كشر" التى خلدها المخرج حسن الإمام فى فيلم شهير فى أواسط سبعينات القرن الماضى، وقد تربعت على عرش الرقص الشرقى لأكثر من نصف قرن قبل رحيلها عام 1930عن 70 عاما، كان جدها مصطفى كشر أحد أعيان مصر فى القرن الثامن عشر، وأبوها -يالعجائب الأقدار- الشيخ أحمد مصطفى كشر من مشاهير قراء القرآن الكريم!


 	إبراهيم عبد العزيز

إبراهيم عبد العزيز

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - على نار هادية

المنطقة بعيدة عن الأحياءالسكنية المتكدسة، "هِو" كما يقولون.. والرصيف الذى يقف عليه الشاب، يطل على شارع واسع سريع، تملؤه السيارات...

«شاعر الكائنات الهشةوالتفاصيل الصامتة»..شعراء يضيئون تجربة فتحى عبد السميع

نحت لنفسه مسارًا متفردًا داخل قصيدة النثر المصرية فى المقدمة يناقش د. محمد فكرى الجزار الفروق الجوهرية بين النقد الأكاديمى...

نورا ناجى: «بيت الجاز» أعادتنى للحيـاة بعد إحباط وخذلان

أضع دائمًا جزءًا من نفسى فى كل بطل وبطلة لرواياتى كلنا يسعى للجوائز.. لكنها ليست الغاية الوحيدة

شاكر عبد الحميد فى «الأدب والجنـون»: «%90 من العباقرة مضطربون»

«الأعمال الكاملة» سلسة كتب تصدرها هيئة الكتاب لاستعادة الذاكرة الثقافية «لوتريامون» أول شاعر سوداوى ترك بصماته على قصيدة النثر